النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

  1. #1

    ساهري

     رقم العضوية : 13697
     تاريخ التسجيل : Jan 2007
     المشاركات : 11
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  kokoyjohn غير متصل


     

    رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

    محاولة إهداء
    إلى الذين لم يولدوا بعد
    هذه السطور التي أهداني إياها ذات يوم وطنيّ مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، أهديها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة، وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل

    ولكن سيظل يحزنهم مثلي أن روبرت ماكسويل دفن في القدس في هذا الزمان الرديء، بدلا من أن يدفن غسان كنفاني في يافا
    غادة


    رسالة غير مؤرخة-لا أذكر التاريخ!....لعلها أول رسالة سطرها لي

    غادة..

    أعرف أن الكثيرين كتبوا إليك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء خصوصا إذا كانت تُعاش..وتُحس وتُنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين...ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.

    الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بأقسى ما يمكن لرجل مثلي أن يمر فيه ، وبدت لي تعاساتي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسة التي ذقتها في لحظة كبريق النصل في اللحم الكفيف...

    الآن أحسها ، هذه الكلمة التي وسخوها ، كما قلت لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري.

    إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه – ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا – ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت.

    أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق شرفتك إلى شرائح متطاولة...

    أحسها وأنا أتذكر أنني لم أنم أيضا ليلة أمس، وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أُجلد – أبكي بحرقة.بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء ...وتساءلت: أكان نشيداً هذا الذي أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل؟

    لا..أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى وأنا أعْرَفُ منك بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل جانب ، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها ، وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ، وبالصخرة التي كتب علي ّ أن أجرها وتجرني إلى حيث لا يدري أحد ...وأنا أعرف منك أيضاً بأنها حياتي أنا ، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش الإنسان له ، وهو جزيرة لا يستطيع المنفيّ في موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن....

    ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضاً بأنني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بالصورة التي تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة ، وبأنه سيغير شيئاً من حقيقة الأشياء.

    أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقة؟ لست أدري..ولكن صدقيني يا غادة أنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذاباً أشك في أن أحدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد من الخارج ومن الداخل دونما رحمة وبدت لي حياتي كلها تافهة ، واستعجالاً لا مبرر له، وأن الله إنما وضعني بالمصادفة في المكان الخطأ لأنه فشل في أن يجعل عذابه الطويل الممض وغير العادل لهذا الجسد، الذي أحتقر فيه قدرته غير البشرية على الصلابة، ينحني ويموت...

    إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهراً كالإعصار الذي لا يُفهم ، كالمطر، كالنار، كالأرض المحروثة التي أعبدها إلى حد الجنون وكنت فخورا بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي ، وكنت أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن أعطيك حبات عينيّ ولكن لأنني لن أستطيع الاحتفاظ بك إلى الأبد .

    وكان هذا فقط ما يعذبني ...إنني أعرفك إنسانة رائعة ، وذات عقل لا يصدق وبوسعك أن تعرفي ما أقصد: لا يا غادة لم تكن الغيرة من الآخرين.....كنت أحسك أكبر منهم بما لا يقاس ، و لم أكن أخشى منهم أن يأخذوا منك قلامة ظفرك .

    لا يا غادة ....لم يكن إلا ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن ليغادرني ، مثل ذبابة أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ما قلتِه هذه الليلة.

    إن الشروق يذهلني ، رغم الستارة التي تحوله إلى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل - أمامي – مجرد شرائح....وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك ، لا أريد أن تغيب عني عيناك اللتان أعطتاني ما عجز كل شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي . ببساطة لأني أحبك. وأحبك كثيراً يا غادة، وسيُدَمرُ الكثير مني إن أفقدك، وأنا أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي: تلتهب كلما هبت عليها الريح .

    أنا لا أريد منك شيئاً وحين تتحدثين عن توزيع الانتصارات يتبادر إلى ذهني أن كل انتصارات العالم إنما وزِعَت من فوق جثث رجال ماتوا في سبيلها

    أنا لا أريد منك شيئاً ، ولا أريد- بنفس المقدار- أبداً أبداً أن أفقدك.

    إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا ً لا يمكن ، بعد، أن تغيّبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق إليه التزعزع.

    ولا أريد أن أفقد ( الناس) الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المروّع مع الحقائق التي نعيشها...ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فقولي لي أن أغيب أنا . ظلي هنا أنت فأنا الذي تعودت أن أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي ...

    ولكنني هذه المرة سأمضي وأنا أعرف أنني أحبك، وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الأشياء العزيزة التي بنيناها معاً..
    غسان

    --------------------------------------------------------------------------------------------------------
    غزة في 29/11/1966 Gaza



    غادة

    كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ، ليست إلا أربع طاولات على شاطئ البحر الحزين ، وأنا ، وأنت، في هذه القارورة الباردة من العزلة والضجر. إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل ، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا؟ ثم جئنا جميعاً إلى هنا : أسماء كبيرة وصغيرة، ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى مقعدي الفارغ في مكانه المناسب ، موجود بينهم أكثر مما كنت أنا.

    إنني معروف هنا ، وأكاد أقول (محبوب) أكثر مما كنت أتوقع ، أكثر بكثير . وهذا شيء، في العادة ، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طوال النهار والليل أستقبل الناس ، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي. إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب ، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق.........

    ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي..أنا لم أفقد صوابي بك بعد ، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى وأنبل وأجمل. لقد كنتِ في بدني طوال الوقت ، في شفتي، في عيني وفي رأسي. كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود...إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك..وحين أرى منظراً أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني ، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي . أحياناً أسمعك تضحكين، وأحياناً أسمعك ترفضين رأيي وأحياناً تسبقينني إلى التعليق ، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوك معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم. إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت إلى هنا .

    أرجوك..دعيني معك. دعيني أراك.إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف بأنه ضدنا بصورة متساوية، فلماذا لا نقف معاً في وجهه؟ كفي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد. سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفيّ، وراءك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك ، وسأفقد بعدك ، كل شيء.

    (إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك) ..أعطيك العالم إن أعطيتني منه قبولك بي..فأنا، أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقدت أثمن ما لديّ ، وإلى الأبد..

    سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم 5 كانون وتأكدي : لا شيء يشوقني غيرك.
    غسان كنفاني

    -----------------------------------------------------------------------------------------------------


    20/1/1967
    عزيزتي غادة

    صباح الخير..

    ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهراً ، لم أنم أبداً حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح : أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا أريد أن تلحظ الأشياء لهفتي وخيبتي. اليوم فقط كنت متيقناً أنني لن أجد رسالة منك ، طوال الأيام ال17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء . اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله، ولكن الأقدار تعرف كيف تواصل مزاحها . لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله، وقالت لي: صباح الخير ! أقول لك دمعتُ

    منذ سافرتِ سافرت آني ، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد أحياناً ، غريب ٌ أحياناً وأكتب دائماً كل شيء إلا ما له قيمة ...حين كنتِ على المطار كنت أعرف أن شيئاً رهيباً سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر، ولكنني لم أقل لك. كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبتُ إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.

    إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك. لأنني أكثر من ذلك ( تعبت من الوقوف) بدونك.. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقاً حين تسافرين.

    ولقد آلمتني رسالتك. ضننت عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعاً أو أكثر دون أن أخطر على بالك، يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف شربنا نخبك تلك الليلة في الماي فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئاً.

    متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت ، وأنتظر ، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك..
    غسان
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ



    24/1/1967


    غادة..يا حياتي!

    كيف تقولين لي : (لا ألومك ، لك الحق .....في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيد انتهت؟) كيف تفكرين لحظة واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظر وطناً ضائعاً يفعل ذلك؟ كيف تعتقدين أن ذلك الرجل ، الذي سلخت الشوارع قدميه، كالمجنون الطريد ، ينسى أو يوقّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم؟ ولكنني أغفر لك ، مثلما فعلت وأفعل وسأظل أفعل . أغفر لك لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر، لأنني ببساطة (أريدك وأحبك ولا أستطيع تعويضك) لأنني أبكي كطفل حين تقولين ذلك ، وأحس بدموعي تمطر في أحشائي ، وأعرف أنني أخيرا ًمطوقٌ بك ، بالدفء والشوق وأنني بدونك لا أستحق نفسي!.

    أنت ، بعد، لا تريدين أخذي ، تخافين مني أو من نفسك أو من الناس أو من المستقبل لست أدري ولا يعنيني. ما يعنيني أنك لا تريدين أخذي ، وأن أصابعك قريبة مني ، تحوطني من كل جانب ، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة : تريدها وتخشاها ولا تطلقها ولا تمسكها ولكنها تنبض معها..أعرف أعرف حتى الجنون قيمتك عندي ، أعرفها أكثر وأنت غائبة وأمس رأيت عمارات الروشة ، صدقيني ، عارية مثل أشجار سلخها الصقيع في البراري ، تطن عروقها الرفيعة في وجه السماء كأنها السياط..بدونك لا شيء. وهذا يحدث معي لأول مرة في عمري التعيس كله.

    لماذا أنت معي هكذا؟ إنني أفكر بك ليل نهار ، أحياناً أقول أنني سأخلصك مني ويكون قراري مثل قرار الذي يريد أن يقذف نفسه في الهواء ، أحياناً أقول أنني سأتجلد، أنني ، كما توحين لي أحياناً ، أريد أن أدافع وأهاجم وأغير أسلوبي، أحياناً أراك: أدخل إلى بيتك فوق حطام الباب وأضمّك إلى الأبد بين ذراعي حتى تتكونا من جديد، عظماً ولحماً ودماً ، بحجم خاصرتك..ولكنني في أعماقي أعرف أن هذا لن يحدث وأنني حين أراك سأتكوم أمامك مثل قط أليف يرتعش من الخوف...فلماذا أنت معي هكذا؟ أنت تعرفين إنني أتعذب وإنني لا أعرف ماذا أريد . تعرفين إنني أغار، وأحترق وأشتهي وأتعذب. تعرفين إنني حائر وإنني غارق في ألف شوكة برية ..تعرفين..ورغم ذلك فأنت فوق ذلك كله ، تحولينني أحياناً إلى مجرد تافه آخر ، تصغرين ذلك النبض القاتل الذي يهزني كالقصبة، معك وبدونك......

    أحياناً تأخذينني على محمل أقل ذكاء مما ينبغي . مَنْ الذي رأيتِه، أيتها الغالية ، في الثامنة والنصف من آخر ليلة كنت فيها في بيروت ؟ إنه شيء تافه وصغير ولكن يبدو أنني أحياناً أتوقف لأقتلع من راحة يدي شوكة في حجم نصف دبوس..ألا تفهمين أن هذا الذي ينبض داخل قميصي هو رجل شرقي خارج من علبة الظلام ؟ حتماً تعرفين. أنت هائلة في اكتشاف مقتلي لذلك تتهربين مني أحياناً ، لذلك (لا تقولين) ولذلك بالذات تقولين!

    لنجعل من نفسينا معاً شيئاً أكثر بساطة ويسراً ، لنضع ذراعينا معاً ونصنع منهما قوساً بسيطاً فوق التعقيدات التي نعيشها وتستنزفنا .. لنحاول ذلك على الأقل. أنت عندي أروع من غضبك وحزنك وقطيعتك. أنت عندي شيء يستعصي على النسيان، أنت نبية هذا الظلام الذي أغرقتني أغواره الباردة الموحشة وأنا لا أحبك فقط ولكنني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأس النهاية يشربه وهو ينزف حياته، بل لأضعه لك كما يلي: أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن والتقي بالله والصوفي بالغيب .لا. كما يؤمن الرجل بالمرأة.

    كتبت لك منذ أربعة أيام أو أكثر رسالة ، لم أكن أعرف عنوانك قبل ذلك، وكتبتها يوم وصلت رسالتك إليّ ، بعد خمسة أيام من وصول رسالتك لعاطف .. وأرسلت لك فيها قصاصات ( يقولون هذه الأيام في بيروت ، وربما أماكن أخرى ، أن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد ، وأنني ساقط في الخيبة. قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد . يقال أنك لا تكترثين بي وأنك حاولت أن تتخلصي مني ولكنني كنت ملحاحاً كالعلق . يشفقون علي أمامي ويسخرون مني ورائي ، ويقرأون لي كما يقرأون نماذج للشاعر المجنون ...ولكن ذلك كله يظل تحت ما أشعره حقاً ، فأنا أحبك بهذه البساطة والمواصلة التي لا يمكن فهمها في شارع الحمراء ، ولا على شفاه التافهين).

    أرى عاطف أحياناً : يمر على مكتبي ونتحدث عنك ولكنه يشعر بالبرد فيذهب إلى بيته، أما أنا فالبيت أكثر برداً من أن أذهب إليه...يسألني عن شخص مسافر إلى لندن ، أعتقد أنك طلبت منه أن يرسل شيئاً لك..إنه في صحة جيدة ويضحك دائماً وموجود في كل مكان ، كما تعرفينه ومنذ أسبوع تقريباً ، ذهبنا وشربنا معاً كأساً صامتاً حوالي ساعتين. وأمس ليلاً كان هنا وقال لي أنه سيكتب لك فقلت له : أما أنا فقد فعلت. ضحك وفال : 12 صفحة ؟

    منذ ذهبتِ سافرت آني لدمشق ، وحتى الآن لم تعد فالطريق مغلق بالثلوج والجو بارد ولكن سيارتي تتقد دائما وعجلاتها لا تكف عن سلخ الإسفلت، دونما هدف . الراديو أخرس ما يزال ، والشوفاج فوضى ، والزمور لا يصرخ إلا إذا انعطفت لليسار والسائقون الآخرون مستعجلون كما كنا نراهم دائما لا أفتح لهم الطريق إلا مع شتيمة وليلة أمس غيّرت عجلاً تحت المطر قرب المكان الذي غيرت فيه ذات يوم عجلاً صعباً معك ، وحين انتهيت خيل إلي أن وجهي كان مغسولاً بالدموع لا بالمطر: فقد فتحت باب السيارة وتوقعت أن يسقط رأسك المتكئ على الباب ، كما حدث ذلك اليوم.

    تعالي ، يا أجمل وأذكى وأروع قطة في هذا العالم كله. ألم تشتاقي لماكس والقرد المدهوش والحطاب الغاضب والعجّانة ؟ ألم تشتاقي لغسان؟

    كنت آسفاً جداً حين كتبت لك عن تلك الألمانية التي نسيت اسمها الآن . خشيت أن تتصوري أنني أمتع نفسي بطريقة أو بأخرى . لا. لقد كانت كأساً باردة لكحول عمياء أمام طاولة رجل طريد . إن الحرية لا يمكن أن تكون شيئاً يأتي من الخارج ، وأنا الآن طليق إلى أبعد حد ، ولكنني حين ألتفت أسمع أصوات السلاسل الغليظة تخش وترن في صدري..

    أريد أن أكتب لك ، أن أكتب لك كل لحظة ، ليل نهار: في الشمس التي بدأت تشرق بحياء ، تحت سياط الصقيع ، في الصباح البارد والمساء والعتمة، في ضياعي وجنوني وموتي ..( اطمئني : إن صحتي جيدة ، وآخر ثلاثة أيام كنت مريضاً جداً ولكنني لم أنم ، واليوم أتحسن) لم أكتب شيئاً في روايتي ، أعمل في المحرر كما كان يعمل العبيد العرايا في التجديف ، لدي فكرة لمسرحية سترينها في الأوراق الخاصة لا أعرف متى سأكتبها..أعرف فقط أنني أنتظرك.

    أنتظرك . أنتظرك. أنتظرك. وأفتقدك أكثر مما في توق رجل واحد أن يفتقد امرأة واحدة، وأحبك ، ولن أترك أبداً سمائي التي تحدثت عنها " تفجر الثلج" ، إنني فخور بآثار خطواتنا ولا أريد لشيء ، حتى السماء ، أن تكنسها.
    غسان كنفاني
    بيروت " الآن وغداً وإلى الأبد "
    ولكن صادف أن كتب في 24/1/1967


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ


    بيروت 31/1/1967



    عزيزتي غادة..

    وصلتني رسالتاك ، فيهما قصاصات من الأوراق الخاصة .بحركة صغيرة ، شحطة واحدة فوق نهايات الحروف أعدتِ إلى عالمي المعنى والتوهج وجلدني الشوق لك وأسرني ذكاؤك الذي أفتقده بمقدار ما أفتقد كفيك وكتفيك..

    أيتها الشقية الحلوة الرائعة ! ماذا تفعلين بعيداً عني ؟ أقول لك همساً ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة : ( سأترك شعري مبتلاً حتى أجففه على شفتيك!) أنني أذوب بالانتظار كقنديل الملح. تعالي!

    أحس نحوك هذه الأيام – أعترف – بشهوة لا مثيل لها . إنني أتقد مثل كهف مغلق من الكبريت وأمام عيني تتساقط النساء كأن أعناقهن بترت بحاجبيك. كأنك جعلت منهن رزمة من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة..لا. ليس ثمة إلا أنت . (إلى أبدي وأبدك وأبدهم جميعاً) ...وسأظل أضبط خطواتي ورائك حتى لو كنتِ هواءً.. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة؟ حتى لو كنتِ هواءً! ولكنني أريدك أكثر من الهواء. أريدك أرضاً وعَلَماً وليلاً...أريدك أكثر من ذلك. وأنتِ؟

    ليس لدينا أخبار كثيرة هنا . آني عادت فجأة . أرى عاطف وكمال غالباً وأمس سهرت مع آرتين ومع فواجعه و"بوزاته" ..عاطف جاء أمس ودخل إلى المكتب غاضبا وتشاجر مع كمال لأنه لم يره منذ فترة ثم سألني : أين كنت يوم السبت؟ غادة أرسلت شخصاً وفتشت عليك في المكتب والبيت طوال الليل والنهار! يا عاطف العزيز كنت في البيت وفي المكتب! لا . نعم . وانتهى الأمر هنا . غداً صباحاً سأسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الصحفيين العرب وسأعود الاثنين أو الأحد ...هل سأجدك هنا؟ سيكون عنواني هناك : (بواسطة مروان كنفاني ، جامعة الدول العربية ، قسم فلسطين). اكتبي لي ، فقد يكون المطر غزيراً هناك ، أحتاج إلى حروفك لأفرش أمامها راحتيّ التواقتين لك!

    بلى. خبر مهم: أحدهم وزع خبراً على الصحف يوم الجمعة الماضي: " سيتم في جو عائلي ، خلال الأسبوع القادم ، زفاف الزميل غسان كنفاني على الأديبة المبدعة غادة السمان.." المحررون في الصحف عرفوا فرموا الخبر . في آخر لحظة اتصل بي زميل من صحيفة ما يريد أن يبارك لي ويعاتبني على عدم إخباره..ثم أخذ يركض إلى المطبعة فشال السطرين الهائلين عن الطابعة..مرت العاصفة وأنا غير مكترث..لم تكن غلطة الذي دس الخبر ولكن غلطة السنوات الخمس التي مرت، لا شيء. مزيداً من الذين يقولون: سيتعب ذات يوم من لعق حذائها. مسافر من دمشق جاء ليقول لي أن دمشق تتحدث عنكِ ،حسناً، وعني. قال إن الأوراق الخاصة تظهر أنك معذب ومهزوم وتصطدم بالزجاج كأنك ريح صغيرة . ثم نظر إلي وأنا صامت وأبلغني : حرام.

    اكتبي لي..لماذا لا تكتبين؟ لماذا؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة؟ أتخافين مني أم من نفسك أم من صدق حروفك ؟ اكتبي

    غسان



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

    هذه العبارة سطرها على مظروف الرسالة من الخارج تاريخها1/2/1967




    أدهشني حين وصلت إلى القاهرة أنني لم أجد رجلاً ينتظرني هناك ويقول : هذه رسالة لك يا سيدي من لندن..

    يذهلني أنني حين أرفع سماعة الهاتف في هذه الغرفة العالية لم أسمع على الطرف صوتك ..

    أقول لك : يخيفني أن أرفع رأسي الآن ، عن هذه الرسالة، فلا أجدك جالسة في المقعد المقابل


    -----------------------------------------------------------------------------------------------------


    ليل 1/2/1967



    عزيزتي غادة...

    ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم في الطائرة قال لي سليم اللوزي أنك كتبت له أو لأمية لم أعد أذكر ، وأمس قال لي كمال أنه تلقى رسالة منك... وآخرين! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك!

    اليوم صباحاً وصلت إلى القاهرة ، وفي الظهر مرضت ، ربما لأنني لم أنم أمس إطلاقاً ، وربما لأن الطقس تغير فجأة : من البرد الخبيث المتسلل من الجبل إلى بيروت ، (إلى قميصي بالذات!) إلى الشمس الصريحة في الدفء الشتوي الرائع هنا ..وهكذا تخلصت من مسؤولياتي في المؤتمر، وتشاجرت مع شقيقي وقمت بجولة في المقاهي حيث قابلت الأصدقاء وعدت، لأكتب لك!

    يكبر غيابك في صدري بصورة تستعصي على العلاج ، يدهشني أنني لم أجد في المطار شخصاً يقول لي : رسالة لك يا سيدي من لندن.

    يخفق قلبي كلما دق جرس الهاتف في هذه الغرفة العالية ثم لا أسمع صوتك ينادي كالوشوشة: (غهسآن!) أقول لك أيتها الشقية : أخاف أن ألتفت هذه اللحظة إلى الكرسي المقابل فلا أراك هناك! ماذا تراك تفعلين الآن؟ أعوّضت غسانك التعيس؟ هل وفقت في استبدال سذاجته وحدته وضيق أفقه وسخافاته ( واستقامته الطفلة) بشيء أكثر جدوى؟ أتعتقدين أنك نجحت في طمري تحت أوراق سقوطهم إلى القمة ؟ هل نجحت قطع الضباب بلندن في تكوين نعش لذكرياتنا ؟ هل جف مرج الشوك الحلو؟ هل ستعودين؟

    لو كنتِ هنا . لو كنتِ معي في هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبأ شيئاً . أتراك تشعرين كم يموت عمرنا أمام أعيننا؟ أتراك تحسن وأنت في منفاكِ الاختياري كم يقتلني خوفك وكم يحز ترددك في أوردتي ؟ ثم لا تكتبين! إذا كنتِ تعتقدين إنك حرام ٌ على يديّ فهل حروفك حرامٌ على عينيّ؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفئها فيه راحتاك . أنت. أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكوني أديبة وكاتبة. أنت، الأديبة والكاتبة والذكية التي تجعل منك ألف امرأة!

    إنني مريض حقاً . لا أريد أن أشعرك بأي قلق عليّ (إن كان ذلك ممكناً) ولكن الغرفة تدور الآن ، وكالعادة أحتاج كما أعتقد إلى نوم كثير...بطاقتك التي وصلتني إلى بيروت (شو هالبرد) كانت رائعة، هل قلت لك ذلك في الرسالة الماضية؟ أريد أن أجد لدى عودتي صندوقاً من الرسائل في حجم شحنة ويسكي. أوصيت زميلاً أن يحمل لك 20 علبة (سالم) ، سمعت عاطف يقول إنه تلقى منك طلباً بهذا الموضوع، أرجو أن يكونوا قد وصلوا، إذا وصلوا لا تنفخي مع دخانهم اعتزازي بك، وبكل شيء لك ومنك وعنك

    غسان

    اليوم الأربعاء.. اعتقد أنني سأعود السبت إلى بيروت ، أريد أن أقرأ منك!.

    -------------------------------------------------------------------------------------------------------


    القاهرة 4/2/1967



    عزيزتي الشقية ، الضائعة ، المسافرة التي لا تتذكر‍

    غداً ظهراً سأكون من جديد في الفراغ الجديد في بيروت، لقد حدثت أمور هامة هنا منذ وصلت، فقد أبلغتني المنظمة التي انتدبتني لتمثيل فلسطين في المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب أنها قررت فجأة ، ولأسباب تافهة كما يبدو لم يقدر لي أن أعرفها، أن تقاطع المؤتمر ، وهكذا وجدتني فجأة بلا عمل ، وجعلني هذا الوضع أكثر استعداداً لأن أسقط في المرض الذي كنت أترقبه بجزع، وأمس حدث ما كنت أتوقعه : فقد أمضيت معظم نهاري في الفراش. كنت في الليلة التي سبقت قد حولت صدري إلى زجاجة معبأة بالدخان المضغوط ، دخنت 6 علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد ، وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي، وهكذا قمت فسهرت عند بهاء ثم اقتادني الأصدقاء بعد ذلك إلى الليل ونمت في الصباح...وغداً الأحد سأعود ، إذا لم يطرأ أي جديد .

    عبر ذلك كله جئتِ أنت ِ ، وكنت معي رغم أنفك ورغم جميع الذين كانوا معك والذين كانوا معي ، وفكرت بك بهدوء ، كما يجلس الإنسان العاقل ليلعب الشطرنج معتزماً أن يربح الجولة بأي ثمن ، وقلت لنفسي : يا ولد ، أنت أصغر من أن تكون دونها وأعجز من أن تغلق الباب . كان "الملك" ،على رقعة الشطرنج ، معذباً وبعيداً عن جواده وقلعته ورغم ذلك فقد كان يقاتل بكل دمائه النبيلة، ناجحا في أن يتجنب التلطيخ بوحل الميدان الشاسع وحمأ الهزائم . كان يعرف أن التراجع موت وأن الفرار قدر الكذابين. ، إنه فارس اسبارطي حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه، يعتقد أن الحياة أتفه من أن تعطيه ، وأنه أكبر من أن يستجدي، ولكنه يريد أن يأخذ وأن يعطي بشرف مقاتل الصف الأول. ليس لديه ما يفقده ورغم ذلك فهو يعرف أنه إذا فقد هذا الشيء الوحيد الذي يعتز به فإنه سيفقد نفسه. إنه المقاتل والخصم والميدان والسلاح في وقت واحد معاً ، فكيف يربح وكيف يخسر؟ كيف يكون التقدم وكيف يكون التراجع : هذه هي أيتها الشقية لعبة شطرنج لا تنتهي، يظل اللاعب حاضناً رأسه الثقيلة بين كوعيه يتبادل النظر مع الملك الصامت على الرقعة المزدحمة بخبب السنابك المهزومة ،دون أن تستطيع الجياد مغادرة الرقعة المقطعة بأقدار الرجال والخيول والملوك الذين يذلهم أنهم لم يولدوا على صهوات خيلهم كما تولد التوائم السيامية .

    إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك ، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً ، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة ، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي ، فأنت تحبين ، فيّ، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي ، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته.


    أستطيع أن أكتشف ذلك كله كما يستطيع الجريح في الميدان المتروك أن ينقب في جروحه عن حطام الرصاص ، ومع ذلك فهو يخاف أن ينتزع الشظايا كي لا ينبثق النزيف. إنه يعرف أن الشظية تستطيع أن تكون في فوهة العرق المقطوع مثلما تكون سدادة الزجاجة ويعرف أن تركها هناك ، وحيداً في الميدان ، يوازي انتزاعها. فالنهاية قادمة ، لا محالة...ولو كان شاعراً فارساً يمتطي صهوة الصحراء الجاهلية لاختار أن يموت رويداً رويداً : يده على كأسه الأخيرة وعينه على النزيف الشريف.

    ليقف الفارس في ذلك الخلاء الأجرد ويصيح في وجه الريح: إنني أحبك ! فذلك هو قدره الذي تتوازى فيه الخسارة بالربح . إنك الخصب ،أيتها الجميلة الشقية .. وليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك . في الشمس وفي المطر ، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما. وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة ، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر . إن الانتظار ، فيما بيننا ، حفرة تكبر كلما عمقت أظافرنا اكتشافها ، إننا لا نستطيع أن نردمها بأي شيء فليس في علاقتنا ما نستطيع أن نستغني عنه لنخطو إلى بعضنا فوقه .اكتبي أيتها الحلوة الذكية . تمسكي بهذا الشيء الذي يستطيع أن يكون إلى الأبد درعك أكثر مما يستطيع أي رداء مبتكر ( وقصير) أن يفعل. بوسعك أن تقتحمي العالم على منقار صقر فما الذي يعجبك في حصان طروادة ؟ إنني واثق من شيء واحد : بالنسبة لك الحياة ملحمة انتصار تبدأ من العنق فما فوق ،فلتجعلي همك هناك. لغيرك أن يعتقد أن حياته لها قمة هي الكتفان . بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام كالرمح ، كالرمح. أنت جديرة بذلك وليس من هو أكثر منك جدارة . اطّرحي مرة وإلى الأبد حيرتك الأنثوية المغيظة بين رأسك وركبتيك فتكسبي مرة وإلى الأبد رأسك ورؤوس الآخرين وعظمة أنوثتك وجمالها الأخاذ الصاعق المفعم بالكبرياء . إنني أحبك كما لم أفعل في حياتي ، أجرؤ على القول كما لم يفعل أي إنسان وسأظل. أشعر أن تسعة شهور معك ستظل تمطر فوق حياتي إلى الأبد . أريدك. أنتظرك وسأظل أريدك وأنتظرك، وإذا بدلك شيء ما في لندن ، ونسيت ذات يوم اسمي ولون عينيّ فسيكون ذلك مواز لفقدان وطن. وكما صار في المرة الأولى سيصير في المرة الثانية : سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع.

    اكتبي لي . هذه اللحظة وقولي : سأظل معك وسنظل معاً
    غسان

    --------------------------------------------------------------------------------------------------

    بيروت3/نيسان1967



    يا غادة!

    تلقيت رسائلك جميعا، ولم يؤخرني عن الجواب إلا ذلك الغرق المخيف في أشغال لا نهاية لها توجها مؤتمر الكتاب الأفرو آسيوي الذي عقد هنا خلال الأسبوع الماضي وشغلني من الفجر إلى النجر..كان اسمك في قائمة الكتّاب الذين يمثلون سوريا وكنت أقرؤه كل يوم ، وأقول مثلما قلتِ في إحدى رسائلك: إن ما يدور مفجع حقاً!

    وعبر هذا الازدحام الذي لا مثيل له أنهمك كالمصاب بالصرع في كتابة المسرحية التي تحدثنا عنها في السيارة ذات يوم ، ذات ليلة..إنني أستشعر وأنا أكتبها طعم صوتك وبريق عينيك الإلهيتين في تلك الليلة النادرة التي كناها معاً ( أواه كم كان ذلك نادراً ومفاجئاً وقصيراً!) وأحس كفيك على جبيني المحروق تستحثني مثلما يستحث المهماز خاصرة الأصيلة . أسميتها "حكاية الشيء الذي جاء من الفضاء وقابل رجلاً مفلساً" وأمس اقترحت لنفسي عنواناً آخر: "النبي والقبعة" على أساس أن القبعة تستر رأس الرجل من الخارج والنبيّ يستره من الداخل..ومازلت في حيرة ، ولكن المسرحية تمشي على ما يرام . إنني أكتبها لك!

    لنعد إلى رسائلك الرائعة ورسائلي "المفجعة" ..أجل ، أيتها الشقية، أنا غاضب ومهرق ومطعون..كنتِ تلك الليلة مريعة. آخر ليلة .كنتِ مثلما أردتك دائماً معي وحدي ولكنك لم تكوني معي، وكان هو وكنتِ سعيدة إلى حد زلزلني صوتك الضاحك وفتح في رئتيّ جرحاً ما زلت أحس نزيفه يبلل قميصي: لقد عملتُ في المكتب مثل كلب لاهث ، ألغيت، لأول مرة في حياتي ، دعوة كنت وجهتها لصديق مسافر في اليوم التالي وركضت إليكِ: لا إن ذلك لا يحتمل.

    وأمس فقط وصلتني رسالتك التي يقول أولها غسان ويأتي توقيعك في آخرها وبين هذين القلبين السياميين فراغ ثقيل يملؤه البياض : أبغض الألوان إليّ. وفكرت أن أملأ ذلك الفراغ. أن أكتب عنك لنفسي شيئاً . أن أجيب على هذا السؤال الذي طرحته ورقتك البيضاء في وجهي: مالذي أريد أن تقوله لي؟ قلت :سأكتب "أنا لك" ولكن ذلك – حتى ذلك- لم يكن يكفي . قلت سأكتب : " أحبك وأريد أن.." أريد ماذا؟ وعدت فقرأت رسائلك جميعاً وأنا أرتجف ..آه يا غادة..أيتها الشقية التي لم ترتطم إلا بالشقيّ !

    دونك أنا في عبث . أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيراً بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة ، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها.

    أنا أعرف أنك لن تعودي إلى هنا . كنت أعرف ذلك منذ البدء ، تماماً حين كنتِ، بذكائك الذي يخونك حين تكذبين ، تقولين لي كم سيكون مستقبل علاقتنا مستقراً ...وكنتُ أبكي بتلك الدموع المروّعة (التي لا تُرى) مرتين: مرة لأنك ستمضين ومرة لأنك تشكّين برأسي!

    وكيف حالك الآن؟ كم صار سُمك الغبار الذي راكمته لندن فوق وجهي ؟ أما أنتِ فقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر ، إنه لمن الصعب أن أشفى منك.

    لقد كانت رسائلك رائعة وحادة . حمّلني عذابُك ولؤمك ثقل المسؤولية والشعور بالذنب ولكن ذلك لم يكن له علاقة بالاقتناع : إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ . لا. لست عاجزاً عن إعطاء أكثر مما أعطيت ولكنك دائماً –أنتِ- التي كنت عاجزة عن الأخذ . كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللغريتمات ، كنت تختارين مني أسوأ ما فيّ وتمزجينه مع ما اخترتِ من أسوأ تجاربك، وكانت الحصيلة قزماً توقعتِ منه أن يدخل فرحاً إلى غرفة أنت فيها بملابس النوم مع رجل آخر ، عشية غيابك،! لقد قتلتِ فيّ الرجل لتعبدي وهماً ليس أنا..ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتريْ كيف تستطيعين تعذيبي !




    بيروت3/نيسان1967


  2. #2

    ساهري

     رقم العضوية : 13697
     تاريخ التسجيل : Jan 2007
     المشاركات : 11
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  kokoyjohn غير متصل


     

    افتراضي

    رسالة غبر مؤرخة ، ولكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)وقبل 29/11/1966 بيوم أو اثنين



    عزيزتي غادة..

    مرهق إلى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع . سعادة الألم التي لا نظير لها . أفتقدك يا جهنم ، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون . إلى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .

    ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار ....إنها تبتعث الدموع إلى عيني أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتني أمضي عرفت ، عرفت كثيراً أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تتشبث بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة.

    لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً . لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك.

    سأكتب لك أطول وأكثر...لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غداً ، الأحد إلى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم. يا للهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع . وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل...إلا إذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدْواً..

    حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة ......قال لي وهو يهز رأسه: أخيراً أيها العفريت وجدت من يُسكت شراستك. سينشر الموضوع في (المصور) التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعداداً هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم ...ولكنني بالطبع لا أعرف متى..

    وزعت كتبك.تحدثت عنك كثيراً .فكرت بك.بك وحدك..وأنت لا تصدقين..وأنت حين (أعذب نفسي في المساء) موجودة في الماي فير مع الناس والهواتف والضحك..

    حاولي أن تكتبي لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو .القاهرة فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين..
    آه.. يا عزيزة
    غسان كنفاني

    ----------------------------------------------------------------------------------------------------

    هذه اول مشاركة لي بالمنتدي و أتمنى أن تنال أعجابكم.. لازال لدي المزيد منها و سأضيف تباعا


  3. #3

    ساهري
    الصورة الرمزية basilsam
     رقم العضوية : 11676
     تاريخ التسجيل : Nov 2006
     المشاركات : 1,706
     الإقامة : عرب 48
     اغنيتي المفضلة : قولي أحبك, اختاري، أنا وليلى، زيديني عشقا....
     إعجاب متلقى : 3 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 0 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 14
     الحالة :  basilsam غير متصل


     

    افتراضي

    شكرا لروعة الموضوع...
    عاش قلمك وعاش غسان كنفاني في القلوب...

    تحياتي لك...






  4. #4

    ساهري
    الصورة الرمزية syrian knight
     رقم العضوية : 13989
     تاريخ التسجيل : Jan 2007
     المشاركات : 1,822
     الإقامة : بين الصفحات
     قوة السمعة : 14
     الحالة :  syrian knight غير متصل


     

    افتراضي

    شكرررررررررررررررررراااااااااااااااا لمجهودك اخي الكريم

    syrian knight

    أنت الزائر رقم


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •