صفحة 1 من 4 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 36

الموضوع: كليله ودمنه ...ارجوا التثبيت.......

  1. #1

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    كليله ودمنه ...ارجوا التثبيت.......

    كليله و دمنه
    عرض كتاب كليلة ودمنة

    ابتداء كليلة ودمنة, هو مما وضعته علماء الهند من ضرب الأمثال والأحاديث التي التمسوا أن يدخلوا فيها أبلغ ما يجدون من القول في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من كل ملة وأهل كل لسان يلتمسون أن يعقل عنهم ما بنوا لذلك بصنوف من الحيل ويبتغون في إخراج ما عندهم من العقل حتى كان من تلك الحيل وضع بليغ الكلام ومتقنه على أفواه البهائم والطير، فاجتمع لهم بذلك خلال. أما هو فوجدوا منصرفاً في القول وشعاباً يأخذون فيها، وقد جمع هذا الكتاب لهواً وحكمة فاجتباه الحكماء لحكمته والسخفاء للهوه. فأما المتعلمون من الأحداث وغيرهم فنشطوا لعلمه وخفّ عليهم حفظه. فإذا خال الحدث واجتمع له الفعل وتدبّر المتدبر ما كان مما صار مقيداً مريوباً في صدره، وهو لا يدري ما هو عرف أنه قد ظفر من ذلك بكنوز عظام، فكان كالرجل الذي يدرك حين يدرك فيجد أباه قد كنز له كنوزاً من الذهب وعقد له عقدا استغنى به عن استقبال السعي والطلب. ولم يكن إذ كنزت صنوف أصول العلم ثم كثرت فروع كل صنف منها حتى لا يستكمل منها شيء تدبّر أن يكنز العلل التي تجري عليها أقاويل العلماء.

    فمن قرأ هذا الكتاب فليعرف الوجه الذي وضع عليه ولا يكن همه بلوغ آخره ليعرف إلى أية غاية يجري مؤلفه فيه، وأي شيء يخشى منه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها مثالاً وأمثالاً. فإن قارئه متى يفعل ذلك ولم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتنى منها ولا أية نتيجة تحصل له من مقدمات ما يصفه هذا الكتاب، فإنه ولو استتم قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه، لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه.


  2. #2

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    مقدمة كليلة ودمنة
    لعلي بن الشاه الفارسي

    أما بعد فهذه مقدمة نذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة ودمنة وجعله على ألسن البهائم والطير صيانة لغرضه الأقصى فيه من العوامّ، وضنّاً بما ضمنه عن الطّغام، وتنزيهاً للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة، ولخاطره مفتوحتة، ولمحبيها تثقيف ولطالبيها تشريف، ونذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنو شروان ملك الفرس برزويه رأس الأطباء إلى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة ودمنة وما كان من تلطف برزويه عند دخوله إلى الهند حتى وقع على الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً مع ما وجد من كتب علماء الهند، ويجيئه بالكتاب مع الشطرنج التامة التي كانت عشرة في عشرة. ونذكر مقدار فضيلته ونخص أهل اقتنائه على الالتفات إلى دراسته والمداومة على فراسته وفيما ضمّن من فوائده ومنافعه ويرى أنها أفضل من كل لذة صرفت إليها همته والنظر إلى باطن كلامه وأنه إن لم يكن كذلك لم يحصل على الغاية منه. ونذكر حضور برزويه وقراءة الكتاب جهراً والسبب الذي من أجله وضع بزرجمهر ابن البختكان مقدمة في أصل الكتاب وهو باب مفردٌ سماه باب برزويه المتطبب، ويذكر فيه شأن برزويه من أول أمره وأوان مولده إلى أن بلغ التأديب ورغب في التدين وأحب الحكمة وتفنن في أنانها وجعله قبل باب الأسد والثور الذي هو أول الكتاب.


  3. #3

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     
    و ما قصد له.

    فلما بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغير الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه عليهم وقالوا: ليس يصلح للسياسة ولا ترضى الخاصة ولا العامة أن يُملّكوا عليهم رجلا ليس منهم ولا من أهل بيوتهم. فإنه لا يزال يستسفلهم. ثم أجمعوا على أن يُملّكوا عليهم رجلا من أولاد ملوكهم فملّكوا عليهم ملكاً يقال له دبشليم وخلعوا الرجل الذي ملّكه عليهم الإسكندر.

    فلما استقر لهذا الملك واستوثق له الأمر طغى وعتى وتجبر وتكبر وجعل يغزو من حوله من الملوك. وكان مع ذلك مظفّراً منصوراً فهابته الملوك وخافته الرعيّة. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية واستصغر أمرهم وأساء السيرة فيهم وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً ومكث على ذلك برهة من دهره.

    وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله ويرجع إليه في قوله يقال له بيدبا الفيلسوف. فلما رأى ما عليه الملك من ظلم الرعية فكّر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه وردّه إلى العدل والإنصاف، فجمع لذلك تلامذته وقال: هل تعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا. قال: اعلموا أني أجلت الفكرة، وأطلت العبرة في دبشليم الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشرور ورداءة السيرة وسوء عشيرته مع الرعية. وإننا نروّض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك لنرُدّهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذور إلينا ألمُ الجهّال وبلغ إليهم أننا كنا في أنفسهم أجهل منهم وفي عيونهم أقل منهم.

    وليس الرأي عنديَ الجلاء عن المواطن وليس يسعنا في الحكمة أن نبقيَ الملك على ما هو عليه من رداءة السيرة وسوء الطريقة. ولا يمكننا مجاهدته بغير أسنتنا. ولو ذهبنا لنستعين عليه بغيرنا لما تهيّأت لنا معاودته ولو أحس منها مخالفتنا وإنكارنا لسوء سريرته لكان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة الكلب والسبع والحية والثور للوثوب على طِيبِ الوطن ونضارة العيش تغريرٌ بالنفس، وأن الفيلسوف لخليق أن تكون همته إلى ما يحفظ به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور ويدفع المَخوف لاجتلاب المحبوب. وقد كنت أسمع أن فيلسوفاً كتب إلى تلميذ له يقول له: إن المجاورة للرجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر إن سَلِم من الغرق لن يسلم من الخوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المَخوفات عُدّ من البهائم التي لا أنفس لها لأن الحيوان البهيميّ يقد خصّ في طبائعه بمعرفة ما يكتسب فيه النفع ويجتنب المكروه. وذلك أن الحيوانات لم تورد بأنفسها مورداً فيه مهلكها وأنها متى أشرفت على موردٍ مهلك لها مالت بطبائعها التي ركّبت فيها وتباعدت عنه شحّاً بأنفسها. وقد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي وموضع سرّي وبكم أعتضد وعليكم أعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان هو ضائع ولا ناصر له.

    والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدحية وعششت فيها وباضت على طريق الفيل. وكان للفيل مشربٌ يتردد إليه فمرّ ذات يوم على عادته ليَردَ مورده فوطئ عشّ القنبرة فهشم بيضها. فلما نظرت ما ساءها علمت أن ذلك من الفيل فطارت حتى وقعت على رأسه باكية. وقالت له: أيها الملك لم هشمت بيضي وقتلت أفراخي؟ أفعلت استضعافاً منك وقلّة لي واحتقاراً لأمري؟ فقال الفيل: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعة من الطيور فشكت إليهن ما نالها من الفيل. فقلن: وما عسى أن نبلغ منه ونحن طير ضعاف. فقالت للعقائق والغربان: أحب منكن أن تنصرفن معي إليه فتفقأن عينيه فإني بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى. فأجبنها إلى ذلك ومضين إلى الفيل فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلا ما يقمّه من موضعه.

    فلما عرفت القنبرة ذلك منه جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثيرة فشكت إليهن ما نالها من الفيل فقلن لها: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل وأنى نبلغ منه؟ فقالت: أريد أن توافين معي هويّةً تقرب منه فتنقنقن وتضججن بها فإنه إذا سمع أصواتكن لم يشك في الماء فيهوي فيها. فأجابتها الضفادع إلى ذلك واجتمعن في الهوية ونقنقن فسمع الفيل نقيقهنّ وقد أجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الهوية فارتطم فيها. وجاءت القنبرة ترفرف على رأسه فتقول: أيها الطاغي المغترّ بقوّتك المحتقر لأمري، كيف رأيت عظيم حيلتي في صغر جثتي عند عظيم جثتك وصِغَر همّتك؟

    فليُشر كل واحد منكم بما يسنح له من الرأي. فقالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل الحكيم العادل، أنت المقدّم فيمنا والمفضّل علينا، فما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا من فهمك ونحن نعلم أن السباحة في الماء مع التمساح تغرير والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيجرّبه على نفسه فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته. وهذا الملك لم تؤدّبه التجارب ولم تقرّعه النوائب ولسنا نأمن عليك وعلى أنفسنا من سورته ومبادرته بسطوته متى لقيته بغير ما تحب مما هو عليه من همته.

    فقال بيدبا: لعمري لقد قلتم فأحسنتم وأجبتم فأبلغتم لكن ذا الرأي الحازم لا بد له أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد لا يُكتفى به في الخاصة ولا ينتفع به في العامة. وقد صحّ عزمي على لقاء الملك دبشليم، وقد سمعت مقالتكم وبانت ليه نصيحتكم والإشفاق عليّ وعلى أنفسكم. غير أني قد رأيت رأياً وعزمت عزماً فستعرفون نتيجته عند لقاء الملك ومحاورتي إياه، فإذا اتصل بكم خروجي من عنده اجتمعوا إليّ.

    ثم إن بيدبا إذن لأصحابه في الانصراف فقاموا بين يديه يدعون له بالسلامة، واختار يوماً للدخول على الملك دبشليم. حتى إذا كان اليوم المختار ألقى عليه مسوحه، وهو لباس البراهمة، وجاء فسأل عن صاحب إذن الملك فأُرشد إليه فأتاه وسلّم عليه وأعلمه أنه رجل قصد الملك في أمر له فيه النصيحة. فدخل فاستأذن له على الملك وكان في ذلك اليوم فارغاً غير مشغول. فأذن له فدخل ووقف بين يديه وكفّر وسجد ثم استوى قائماً وسكت فلم يتكلّم بشيء.

    ففكر الملك دبشليم في سكوته وقال: إن هذا الفيلسوف لم يقصدنا إلا لأحد أمرين: إما ليلتمس منا شيئاً يصلح به حاله أو أمر لحقه فلم يكن له به طاقة ولا وجد عليه مستصرخاً فاعتمصم بنا كي يكون له أبلغ نكايةً وأشد عقوبة على ضده. ثم قال: وبعد فليس هذه الحالة من شرط الفيلسوف لأنه وإن كانت الملوك لها فضل في مملكتها فإن الحكماء لهم فضل في حكمتهم أعظم من الملوك، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت العقل والحياء أحق متآلفين لا يفترقان. ومتى فُقِد أحدهما لم يوجد الآخر، كالمتصادقين من الناس وغيرهم إن عَدِم أحدهما صاحبه لم تطب نفس الآخر بالبقاء بعده تأسفاً عليه. ومن لم يستحي من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهم ويصرفهم عن مواقف الذّلة وينزّههم عن المواطن الرّذلة كان ممن حرم عقله وخسر حياته وظلم الحكماء في حقوقهم وعدّ من الجهّال.

    ثم رفع طرفه إلى بيدبا فقال له: إني أنظرك ساكتاً، لا تعبّر عن حاجتك ولا تذكر بغيتك لعلمتُ أن الذي أسكتك إنما هو بليّةٌ ساورتك أو حيلة أدركتك وتبيّنتُ ذلك في طول وقوفك وقلت: لم يكن بيدبا ليطرقنا من غير عادة إلا لأمري حرّكه، وإنه لمن أفضل زماننا ولا سألته عن سبب دخوله إلينا فإنه لو كان شيء يلتمس فيه الاعتزاز بنا من ضيمٍ ناله كنت أول من أخذ بيده وسارع إلى تشريفه وأولاه بلوغ مراده. وإن كانت بغيته عرضاً من عروض الدنيا أمرت بإرضائه من ذلك بما يحب. وإن يكن شيء من أمر الملك ما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم ولا ينقادوا إليه نظرت مقدار عقوبته عليه. على أنه لم يكن ليحضرني على إدخال نفسه في باب مسألة الملوك وإن كان شيء من أمور الرعية يقصد به صرف عنايتي إليه نظرت ما هو. فإن الحكيم لا يخبر إلا بخير والجاهل يشير بضده. وإني قد فسخت لك الكلام فقل ما بدا لك.

    فلما سمع بيدبا كلام الملك أفرح روعه وسرّي عنه ما كان وقع في نفسه من الخوف فكفّر له وسجد ثم قام بين يديه وقال: إن أول ما أقول أن أسأل إله بقاء الملك على الأبد، ودوام ملكه على الأمد، فقد جعل في مقامي هذا شرفاً لي على من يأتي بعدي من العلماء وذكراً باقياً على الدهور عند الحكماء إذ أقبل الملك عليّ بوجهه وعطف عليّ بكرمه. والأمر الذي حملني على الدخول إلى الملك ودعاني إلى التعرض لكلامه المخاطرة بالإقدام على نصيحته التي اختصصتُهُ بها دون غيره. وسيعلم من يتصل به ذلك أني لم أقعد عن غاية فيما يجب للملوك على الحكماء. فإن فسح في كلامي ورعاه عني، فهو حقيق بما يراه في ذلك. وإن ألقاه، فقد بلّغت ما يجب عليّ وخرجت عليّ من لوم يلحقني.

    فقال الملك: يا بيدبا تكلم فإني مصغ إليك وسامعٌ منك ما تقول، فقل ما عندك لأجازيك عليه بما أنت أهله.

    فقال بيدبا: أيها الملك إني وجدت الأمور التي يختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان أربعةً وفيها جماع كل ما في العالم، وهي الحكمة والعفّة والعقل والعدل. فالعلم والأدب والرويّة داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والرفق والوقار داخلة في باب العقل. والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والمراقبة والإحسان وحسن الخلق داخلة في باب العدل. فهذه هي المحاسن، وأضدادها هي المساوئ. فهي إن كملت في واحد لم تخرجه الزيادة في نعمته إلى سوء حظّ في دنياه أو إلى نقص من عقباه، ولم يتأسف على ما لم يُغنِ التوفيق ببقائه، ولم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولم يندهش عند مكروه يفدحُهُ. والحكمة كنز لا يفنى مع الإنفاق، وذخيرةٌ لا يضرب لها بالأملاق، وحلةٌ لا تخلق جِدّتها، ولذة لا تتصرّم مدتها. إن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت عند ابتدائه فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبة منه وإجلال. ولعمري إن الملوك لأهل لأن يُهابوا ولا سيما من هو في المنزلة التي حلّ فيها الملك عن منازل الملوك قبله.


  4. #4

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    ( 2 )

    وقد قالت الحكماء: الزم السكوت فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته ندامة. وحُكي أن أربعة من الحكماء ضمّهم مجلس ملك فقال لهم: ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون أصلا للأدب. فقال الأول: أفضل حلية العلماء السكوت. وقال الثاني: أنفع الأشياء أن لا يتكلم الإنسان حتى يعرف قدر منزلته من عقله. وقال الثالث: أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلم بما لا يعنيه. وقال الرابع: أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير.

    واجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم من الصين والهند وفارس والروم وقالوا: ينبغي أن يتكلم كل واحد منا بكلمة تدوّن عنه على غابر الدهر: فقال ملك الصين: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ما ردّ ما قلت. وقال ملك الهند: عجبت ممن يتكلم بالكلمة إن كانت له لم تنفعه وإن كانت عليه أوهنته. وقال ملك فارس: إذا تكلمتُ بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الروم: لم أندم قط على ما لم أقل، ولقد ندمت على ما قلت كثيراً. والسكوت عند الملوك أحسن من الهَذَرِ الذي لا يُرجع منه إلى نفع. وأفضل ما استظلّ به الإنسان لسانه.

    غير أن الملك، أطال الله بقاءه، لما أفسح لي في الكلام وأوسع ليه فيه، أول ما أبدأه به من الأمور التي هي غرضي أن تكون ثمرة ذلك له دوني، وأختصّه بالفائدة قبلي، على أنّ العقبى فيما أقصد من كلامي له إنما هي نفعه دوني، وشرفه راجع إليه وأكون أنا قد قضيت فرضاَ واجباً علي.

    فأقول أيها الملك إنك في منازل آبائك من الملوك وأجدادك من الجبابرة الذين أنشأوا المدن قبلك ودانت لهم الأرض وبنوا القلاع وقادوا الجيوش واستحضروا العدة وطالت لهم المدة واستكثروا من السلاح والكراع وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب الجميل ولا قطعهم عن اغتنام الشكر فيما خُوّلوه، وحسن السيرة فيما تقلّدوه، مع عظم ما كانوا فيه من عزة الملك وسكرة الاقتدار.

    فإنك أيها الملك السعيد جدّه، الطالع في الكواكب سعده، قند ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم التي كانت عندهم فأقمْتَ فيما خوّلك الله من الملك وورثتَ الأموال والجنود، فلم تقم في ذلك بحقّ ما يجب عليك ولا أدّيت المفترض على الملوك إذا أفضى المُلك إليهم، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية وأسأت السيرة وعظمت منك البلية. وكان الأَولى والأشبه بك أن تسلك سبيل أسلافك وتتبع آثار الملوك قبلك وتقفوَ محاسن ما أبقَوه لك وتقلع عما عارُهُ لازم لك وشينُهُ واقع بك، وتحسن النظر في رعيتك وتسنّ لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذركه، ويعقبك فخره، ويكن ذلك أبقى على السلامة وأدوم على الاستقامة. فإن الجاهل من استعمل في أموره البطر والأمنيّة، والحازم اللبيب من ساس المُلك بالمداراة والرفق. فانظر أيها الملك ما ألقيتُ إليه، ولا ييقُلنّ عليك، فإني لم أتكلم بهذا ابتغاء غرضٍ تجازيني به ولا التماس معروف تكافئني عليه، ولكني أتيتك مشفقاً ناصحاً لك.

    فلما قضى بيدبا مقالته، وأنهى مناصحته، ارتعب قلب الملك فأغلظ له الجواب استصغاراً لأمره، وقال: لقد تكلمت بكلام ما أظن أحداً من أهل مملكتي يقدر أن يستقبلني بمثله ويقدم على ما أقدمت عليه، فكيف أنت مع صغر شأنك وضعف منفعتك وعجز قوتك. وقد احتملت على أن تجيبني بمثل هذا الكلام الذي ليس لأحد أن يخاطبني به. ولقد كثر إعجابي من إقدامك وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدّك. وما أجد شيئاً في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك. ففي ذلك عبرة وموعظة لمن عساه أن يروم من الملوك ما رُمت إذا أوسعوا لهم في مجالستهم.

    ثم إن الملك أمر أن يقتل ويصلب. فلما مضوا به فيما أمرهم أمر بإعادته فأحجم عنه ثم أمر بحمله إلى السجن، فحُمل مقيّداً. ثم وجّه في طلب تلامذته ومن كان يجتمع إليه ليودعهم في محبسه فهربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار. ومكث بيدبا في محبسه أياماً كثيرة لا يسأل الملك عنه، ولا يلتفت إليه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يذكره عنده. حتى إذا كانت ليلة من الليالي سَهِد فيها الملك سهداً شديداً ومدّ إلى الفلك بصره ففكر في تنقله وحركات الكواكب فيه، فغرق في الفكر فسلك به إلى استنباط شيء عرض له من أمور الفلك والمسألة عنه. فتذكر عند ذلك بيدبا وتفكّر فيما كلّمه به وارعوى لذلك وقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف وضيّعت واجب حقه وحملني على ذلك سرعة الغضب. فإنه قيل: لا ينبغي أن يكون الغضب في الملوك، فإنه أجدر الأشياء مقتاً لأن صاحبه لا يزال ممقوتاً، والبخل فإنه ليس بمعذور مع ذات يده، والكذب فإنه ليس أحد يجاوزه، وعدم الرّفق في المجاورة فإن السّفه ليس من شأنها. وإني أتيت إلى رجل نصيح لي ولم يكن ثلاّباً فقابلته بضدّ ما كان مستحقاً وكافأته بخلاف ما يستوجب، وما كان ذلك جزاءه مني، بل الواجب أن أسمع كلامه وأنقاد لمشورته.

    ثم أنفذ من ساعته من يأتيه به. فلما مثل بين يديه قال له: يا بيدبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي وعجّزت رأيي فيما تكلمت به آنفا؟ قال بيدبا: يا أيها الملك السعيد إن ما أنبأتك به فيه صلاح لك ولرعيتك وفيه دوام ملكك.

    فقال له الملك: أعد عليّ ما قلت ولا تدع منه حرفاً واحداً إلا جئت به. فجعل بيدبا ينشر كلامه والملك مصغ إليه. وجعل كلما سمع كلامه ينكت الأرض بشيء كان في يده. ثم رفع رأسه إليه وأمره بالجلوس فجلس. ثم قال له: يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه من قلبي وأنا ناظر في الذي أشرتَ به وعاملٌ عليه. ثم أمر بقيوده ففكّت، وألقى عليه من لباس الملوك، وتلقاه بالقبول.

    فقال بيدبا: أيها الملك، إن في دون ما كلّمتك به ناحية لمثلك. فقال الملك: صدقت أيها الحكيم الفاضل، ولقد ولّيتك في مجلسي هذا جميع مملكتي. فقال له بيدبا: أيها الملك اعفني من هذا الأمر فإني غير مضطلع بتقويمه إلا بك. فقبل ذلك منه وأغفاه.

    فلما انصرف علم أن الذي فعله ليس برأي فبعث إليه واستردّه وقال له: إني فكرت في إعفائك فيما عرضته عليك فوجدت أنه لا يقوم إلا بك ولا ينهض به غيرك، ولا يستطيع له سواك ولا يتخالفني فيه. فأجابه بيدبا إلى ذلك.

    وكان من عادة الملوك في ذلك الزمان إذا ألبسوا وزيراً أن يعقد على رأسه تاج ويركب في أهل ******* ويطاف به في مدينة الملك. فأمر دبشليم أن يُفعل ببيدبا ذلك، فوُضع التاج على رأسه وركب ودار في المدينة ورجع وجلس في مجلس العدل والإنصاف وأخذ للضعيف من القوي وردّ الظالم، ووضع سنن العدل. والتصل الخبر بتلامذته فأتوه من كل ناحية مستبشرين بما ناله من الملك من الأخذ والعطاء والبذل، وشكروا الله تعالى على توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عما كان عليه من سوء السيرة، واتخذوا ذلك اليوم عيداً يعيّدون فيه. فهو إلى يومنا ثابت في بلادهم.

    ثم إن بيدبا خلا فكره من أشغاله بدبشليم وتفرّغ من السياسة فعمل كتباً كثيرة فيها من دقيق الحيل. ومضى الملك على ما رسم بيدبا من حسن السيرة والعدل في الرعية فرغب إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه وانقادت له الأمور على استوائها وفرحت به رعيته وأهل مملكته.

    ثم إن بيدبا جمع تلامذته ووعدهم وعداً جميلاً وقال لهم: لست أشك أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إن بيدبا قد ضاعت حكمته وبطلت فكرته إذ عزم على الدخول إلى هذا الجبّار الطاغي. فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري، وإني لم آت الملك جهلاً به لأني كنت أسمع ما يقال: إن الملوك لها سكرةً كسكرة الشبان. فلا يفيق الملوك من سكرتهم إلا مواعظ العلماء وأدب الحكماء. ويجب على الحكماء تأديب الملوك بألسنتها وتقويم حكمتها وإظهار الحجة البيّنة اللازمة لما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن العدل. فوجدت ما قالت العلماء فرضاً واجباً على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم عن سِنَة سكرتهم، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعة الطب حفظ الأجساد وردّها إلى الصحة. فكرهت أن يبقى وأموت فيكون ذلك حسرة عليّ وعليكم وما يبقى على الأرض إلا من يقول كان بيدبا الفيلسوف في مدة دبلشيم الملك فلم يردّه عما كان عليه.

    فإن قال قائل: إنه لم يمكّنه كلامه خوفاً على نفسه، قالوا: إن الهرب منه ومن جواره أولى به، والانزعاج عن الوطن شديد. فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذراً. فحملت نفسي على التغرير أو الظفر بما أريد وكان في ذلك ما أنتم معاينوه. فإنه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه وإما بوضيعة في ماله أو بوكَسٍ في دينه. ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب. ثم إن الملك مكث على حسن السيرة زمناً طويلاً وبيدبا يتولى ذلك ويتقدم به.

    ثم إن دبشليم لما استقرّ له الملك وسقط عنه النظر في أمور الرعية والنظر في الأعداء ومحاربتهم إذ قد كفاه بيدبا ذلك، صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه وأجداده، وأحبّ أن يكون في الخزانة كتاب باسمه. وعلم أن ذلك لا يقوم به إلا بيدبا فدعاه وخلا به وقال له: يا بيدبا إنك حكيم الهند وفيلسوفها وإن فكرت ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت الملوك قبلي جميعها فلم أر أحداً إلا وقد وضع له كتاب يذكر فيه اسمه وأيامه وسيرته وينبئ عنه وعن أدبه وأهل مملكته. ومنه ما وضعته الملوك لأنفسها ولذلك بانت حكمتها، ومنه ما وبضعته حكماؤها. وإني خفت أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة ليه فيه وهو الموت ولا يوجد لي في خزانتي كتاب يذكره الملوك بعدي وأذكَر فيه وأنسب إليه كما ذكر من كان قبلي بكتبهم. وقد أحببت أن تصنع لي كتاباً بليغاً تستفرغ فيه عقلك، يكون ظاهره سياسة للعامة وتأديبها، وباطنه لأخلاق الملوك وسياستها للرعية على طاعة الملك وخدمته فيسقط بذلك عني وعنهم كثير مما يحتاج إليه في معاناة المُلك. وأريد أن يبقى لي هذا الكتاب ذكراً على غابر الدهر.

    فلما سمع بيدبا كلامه خرّ له ساجداً ثم رفع رأسه وقال: أيها الملك السعيد جدّه، علا نجمك وغاب نحسك ودامت أيامك. إن الذي قد طُبع عليه الملك من جودة القريحة ووفور العقل ينبهه لذلك ويحرّكه لمعالي الأمور التي سُمعت به فتعلو همّته إلى أشرف المنزلة وأبعدها غاية، فأدام الله تعالى سعادة الملك وأعانه على ما عزم عليه فأعانني على بلوغ مراده. وليأمر الملك بما شاء من ذلك فإني صائرٌ إلى غرضه ممهّد فيه الرأي.

    قال له الملك: لم تزل يا بيدبا معروفاً بعقد الرأي المبارك بطاعة الملوك في أمرهم وقد اختبرت ذلك منك واخترت أن تضع هذا الكتاب وتجهد فيه نفسك وتعمل فيه بغاية ما تجد إلي السبيل. وليكن مشتملاً على الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة ليفرغ الحكيم ذهنه لما فيه من حكمة، وتشرح المعاني صدره لما فيه من لهو.

    فكفّر له بيدبا وسجد وقال: أجبت الملك لما أمرني به من ذلك وجعلت بيني وبينه أجلاً. قال الملك: وكم هو يا بيدبا؟ قال: سنةٌ. قال: لقد أجّلتك يا بيدبا. وأمر له بجائزة سنيّة يستعين بها على عمل الكتاب كما رسم له الملك.

    ثم إن بيدبا أخذ يتذكر أياماُ في الأخذ في ابتداء الكتاب وفي أي صورة يبتدئ به وعلى أي وضع يضعه وعلى أي جنس يرسمه. وجمع تلامذته وقال لهم: إن الملك قد ندبني لأمر فيه فخري وفخركم وفخر بلادكم إلى الأبد، وقد جمعتكم لهذا الأمر. إن الملك دبشليم قد بسط لساني في أن أضع له كتاباً فيه من ضروب الحكمة. ثم وصف لهم ما أشار إليه الملك من أمر الكتاب والغرض الذي قصده في نظمه وترتيبه. وقال لهم: فليضع كل واحد شيئاً في أي فنّ شاء وليعرضه عليّ لأعرف مقدار عقله وأين بلغ من الحكمة فهمه.

    قالوا بأجمعهم: أيها الحكيم الفاضل واللبيب العاقل والذي وهب كل ما منحك من الحكمة والعقل والصيانة (وهو الله تعالى)، ما خطر هذا في قلوبنا ساعة قط وأنت رئيسنا وفاضلنا بك شرفنا وعلى يديك انتعاشنا، ولكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت. فلم يقع لهم الفكر في ما تقدم به الملك.

    فلما لم يجد عندم ما يريد فكّر بفضل حكمته، وعلم أن ذلك أمر إنما يتم باستفراغ الفكر وإعمال العقل. وقال: أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بأمر الملاحين لأنهم يعدلونها، وإنما تقطع اللجة وتسلك البحر بمدبّرها الذي تفرّد بإمرتها، ومتى ثقلت بالركّاب وكثر ملاحوها لم يؤمن عليها الغرق.

    ثم لم يزل يفكر في رسم الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل من تلامذته كان يثق بعقله. فخلا به قعد أن أعد من الورق شيئاً كثيراً ومن القوت ما يقوم به وبتلميذه مدة سنة، ثم احتبسا في مقصورة وردّا عليهما الباب. ثم بدأ بيدبا في نظم الكتاب على غاية منها قائم بنفسه. وفي كل باب مسألة والجواب عنها، ليكون فيه هحظ لمن نظر في الأبواب، وسماه كتاب كليلة ودمنة. وجعل الكلام على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير ليكون ظاهره لهواً للعامة وباطنة سياسة للخاصة، متضمنا ما يحتاج الإنسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانبة ما تكون مجانبته خيراً له. ثم جعله ظاهراً وباطناً كسائر كتب الحكمة، فصارت صور الحيوانات فيه لهواً وما نطقت به حكما وأدباً.

    ولما ابتدأ بيدبا بذلك جعل أول الكتاب وصف الصديق، كيف يكون صديقان وكيف يقطع المودة الثابتة بينهما ذو الحيلة والنميمة. فأمر تلميذه أن يكتب على لسانه ما كان الملك شرط عليه. وذكر بيدبا أن الحكمة متى دخلها كلام الغفلة أفسدها واستجهلت حكمتها.

    ثم إن بيدبا وقع له موضع الهزل من الكتاب فرسمه، وموضع الجد فأثبته. فجاء الكتاب على لسان البهائم. وكانت الحكمة ما نطقوا به فترك العقلاء الظاهر من ذلك واشتغلوا بما فيه من الحكم والآداب. وأما الجهّال فلم يعلموا السبب فيما وُضع لهم وأظهروا عجباً من محاورة بهيمتين فاتخذوه لهواً وعجزوا عن معنى الكلام أن يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي وُضع لهم لأن الفيلسوف كان غرضه في الباب الأول أن يُخبر عن تواصل الإخوان وكيف تتأكد بينهم المحبة بالتحفّظ من أهل السّعاية والتحرّز عن بُرقُع العداوة والقطيعة بين المتحابين بالكذب ليجرّ الساعي بذلك نفعاً إلى نفسه.

    فلما تم الكتاب وتم الأجل أنفذ الملك دبشليم إلى بيدبا أن قد جاء الوعد فماذا صنعت؟ فأنفذ إليه بيدبا: إني على ما وعدت الملك فليأمرني لأحمله إليه بعد أن يجمع أهل مملكته لتكون قراءتي لهذا الكتاب بحضرتهم.

    فلما رجع الرسول إلى الملك دبشليم سُرّ بذلك سروراً عظيماً ووعده يوماً يجمع أهل مملكته فيه. ثم نادى في أقصى بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب. فلما كان اليوم واجتمع الناس أمر الملك أن يُنصب له سرير ولبيدبا سرير.

    وحضروا، وقام بيدبا وعليه ثياب الحكمة التي كان يلبسها إذا دخل على الملوك وهي المسوخ السود. فلما دنا من الملك كفّر له وسجد له فلم يرفع رأسه.

    فقال له الملك: يا بيدبا رفع رأسك فليس هذا يوم نحيب، هذا يوم سرور وشكر. ثم سأله حين قرأ الكتاب عن معنى كل باب وأيّ شيء قصده فيه، فأخبره بغرضه فيه وقصده في كل باب فازداد به سروراً ومنه تعجّباً وقال له: يا بيدبا ما عدوت ما كان في نفسي، وهذا الذي كنت أطلب، فتمنّ ما شئت وتحكّم. فدعا له بالسعادة وقال: أيها الملك، أما المال فلا حاجة لي فيه، وأما الكسوة فلا أختار سوى لباسي هذا، ولست أخلي الملك من حاجة إذا عرضت. فقال الملك: وما حاجتك الآن، فكل حاجة لك قبلنا مقضيّة. فقال: أسأل الملك أن يأمر بتدوين كتابي هذا كما دوّن آباؤه وأجداده كتبهم وان يأمر بالاحتياط عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به فيذهب، والآن لا يخرج من بيت الحكمة. ثم دعا الملك بتلامذته فخلع عليهم وأمر لهم بالجوائز.

    ثم إنه لما ملك كسرى أنو شروان، وكان مستبشراً بالكتب في العلم والأدب رُفع إليه خبر هذا الكتاب فلم يقرّ له قرارٌ حتى بعث برزويه الطّبيب فاحتال وتلطّف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقرّه في خزائن فارس.


  5. #5

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    باب بعثة كسرى لبرزويه إلى بلاد الهند

    قال بزرجمهر في ذلك: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق خلقه أطواراً برحمته ومنّ على عباده بفضله ورزقهم ما يقدرون به على إصلاح معايشهم في الدنيا وما يدركون به استنقاذ أرواحهم من أليم العذاب. فأفضل ما رزقهم ومنّ عليهم به العقل الذي هو قوةٌ لجميع الأحياء. فما يقدر أحد منهم على إصلاح معيشةٍ ولا إحراز منفعة ولا دفع ضر إلا به وكذلك طالب الآخرة المجتهد على استنقاذ روحه من الهلكة. فالعقل هو سبب كل خير ومفتاح كل رغبة وليس لأحد غنىً عنه. وهو مكتسب بالتجارب والآداب وغريزة مكنونة في الإنسان كامنة ككمون النار في الحجر والعود لا تُرى حتى يقدحها قادح من غيرها. فإذا قدحها ظهرت بضوئها وحريقها. كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتقويه التجارب، فإذا استحكم كان هو السابق إلى الخير والدافع لكل ضر. فلا شيء أفضل من العقل والأدب. فمن منّ عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه بالمثابرة على أدب والحرص عليه سعد جده وأدرك أمله في الدنيا والآخرة.

    وقد رزق الله ملكنا هذا السعيد الجد أنو شروان من العقل أفضل الرزق ومن النصيب أجزله وأعانه على ما رزق من ذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم وطلب التفسير لجميع علوم الفلسفة والاستنباط عما غاب، والتخير للصواب مما ظهر، فبلغ في ذلك ما لم يبلغه ملك قط ممن كان قبله من الملوك.

    وكان فيما يطلب من العلم ويبحث عنه أنه بلغه أن كتاباً من كتب الهند عند ملوكهم وعلمائهم نفيس مخزون وهو أصل كل أدب ورأس كل علم والدليل على كل منفعة ومفتاح طلب الآخرة والعمل للنجاة من هولها والمقوي لما يحتاج إليه الملوك لتدبير ملكهم ويصلحون به معايشهم وهو كتاب كليلة ودمنة.

    فلما تيقن ما بلغه عن ذلك الكتاب وما فيه من منافع تقرية العقل والأدب لم يطمئن بالاً ولم يسكن حرصاً على استفادته والنظر فيه وفي عجائبه. وكان رجلاً عاقلاً أديباً. فسأهل أهل مملكته أن يختاروا رجلاً عاقلاً أديباً عالماً ماهراً بالفارسية والهندية حريصاً على العلم مجتهداً في استكمال الأدب مثابراً على النظر والتفسير لكتب الفلسفة فيؤتى به. فطلب الرجل حتى ظفروا به فأتي برجل شاب جميل ذي حسب كامل العقل والأدب، صناعته التي يعرف بها الطب وكان ماهراً بالفارسية والهندية يسمى برزويه.

    فلما دخل عليه سجد له ثم قام مكفّراً فقال له الملك: يا برزويه إني قد اخترتك لما بلغني عن فضلك وعقلك وحسن أدبك وحرصك على طلب العلم حيث كان. وقد بلغني عن كتاب للهند مخزون بخزائنهم. وقصّ عليه قصته وأخبره بما بلغه عنه وعظيم رغبته فيه وأمره بالجهاز للخروج في طلبه وأن يتلطف بعقله ورفقه وحسن أدبه لاستخراج ذلك الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم إما مكتوباً بالفارسية فيستنقذه له هو وغيره من الكتب التي ليست في خزائنه ولا في ملكه.

    وأمر أن يحمل معه من المال ما أراد، فإن نفذ قبل أن يصير إلى حاجته كتب إليه ليمدّه من المال ما أحب وإن كثر. وقال: لا تقصّر في طلب كل علم فليست النفقة عوضاً من الفائدة ولو أحاط بجميع ما في خزائني. وأمر المنجمين أن يتخيروا له يوماً يسير فيه وساعة صالحة. فخرج وحمل معه من المال عشرين ألف دينار.

    ولما قدم برزويه على أرض ذلك الملك وتخلل مجالس الأسواق وسأل عن قرابة الملك والأشراف وعن العلماء والفلاسفة جعل يغشاهم في منازلهم ويتلقاهم بالتحية والمساءلة على باب الملك ويخبرهم أنه رجل غريب قدم بلادهم في طلب العلم والأدب، وأنه محتاج إلى معونتهم على ما طلب من ذلك ويسألهم إرشاده إلى حاجته. ومع شدة كتمانه لما قدم له لم يزل في ذلك زماناً طويلاً يتأدب بما هو أعلم به ويتعلم من العلوم ما هو ماهر فيه. واتخذ لطول إقامته إخواناً كثيرين من أهل الهند من الأشراف والسوقة ومن العلماء وأهل كل صناعة واختص من جماعتهم رجلا يسمى أدويهْ وجعله صاحب سره ومشورته لما ظهر له من حسن علمه وفضل أدبه وصحة إخائه ومحض مودته. وكان يستشيره في جميع الأمور إلا أنه كان يكتمه الأمر الوحيد الذي يعنيه. وكان يألوه باللطف لينظر هل يراه موضعاً لإطلاعه على سره.

    فلم يزل يبحث عن ذات نفسه حتى وثق به وعرف أنه لما استودع من السر موضع وفيما طلب منه مجمّل وبما سئل مشفّع وفيما استعان به عليه مجتهد، فازداد له إلطافا. وكان إلى ذلك اليوم الذي رجا أن يكون قد بلغ فيه حاجته قد أعظم النفقة مع طول الغيبة في استلطاف الأصدقاء ومجالستهم على الطعام ومنادمتهم على الشراب لطلب الثقات منهم. فلم يطمئن لأحد ممن آخاه إلى لصديقه الذي ذكرناه. وكان ممك حكّم به برزويه صديقه ذلك والذي رد عليه وكيف فتّش عقله حتى وثق به واطمأن إليه أن قال له وهما خاليان: يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري شيئاً فوق ما كتمتك. فاعلم أني لأمري ما جئت وهوغير ما تراه يظهر مني. والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره وإشارته بيده لكي يعلم سر نفسه وما يضمر في قلبه.

    قال له الهندي: إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بماله جئت وإياه طلبت وإليه قصت وإنك تكتم أمراً تطلبه وأنت مظهر غيره، فإنه لم يكن ليخفى عني ولكن لرغبتي في إخائك كرهت أن أواجهك به فإنه قد ظهر لي ما تكتم، وقد استبان لي ما أنت فيه وما تخفيه عني. فأما إذا فتحت الكلام فأنا مخبرك عن نفسك ومظهرر لك سريرة أمرك ومعلمك حالك الذي قدمت له. فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة فتذهب بها إلى بلادك لتسر بها ملكك. وكان قدومك بالمكر ومصادقتك بالخديعة ولكني رأيت من صبرك ومواظبتك على طلب حاجتك وتحفظك أن تسقط في طول مكثك عندنا بكلام يستدل به على سر أمرك فازددت رغبة في عقلك وأحببت إخاءك فلا أعلم أني رأيت رجلاً أرصن عقلاً ولا أحسن أدباً ولا أصبر على طلب حاجة، ولا أكتم للسر منك، ولا أحسن خلقاً ولا سيما في بلاد الغربة ومملكة غير مملكتك، وعند قوم لم تكن تعرف شيمهم وأمرهم. واعلم أن عقل الرجل يستبين في هذه الثماني الخصال: الأولى الرفق والتلطف، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة طاعة الملوك وأن يتحرّى ما يرضيهم، والرابعة معرفة الرجل موضع سره كيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديباً حيّلاً ملق اللسان، والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظاً، والسابعة أن يكون على لسانه قادراص فلا يفلظ من الكلام إلا ما قد تروّى فيه وقدّره فلا يطلع عليه إلا الثقة، والثامنة أن لا يتكلم إذا كان من المحفل عما لم يسأل عنه ولا يقول ما لم يستقينه ولم يظهر من الأمر ما يندم عليه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي إلى الخير والربح والمجتنب الشر والخسران. وهذه الخصال كلها بينة ظاهرة فيك واضحة لي منك، فالله يحفظك ويمتعني بمودتك. ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الثماني كان أهلاً أن يشفع في طلبته ويسعف بحاجته ويعطى سؤله. ولكن حاجتك التي تطلب قد أرعبتني وأدخلت عليّ الوحشة والخشية فنسأل الله السلامة.

    فلما عرف برزويه أن الهندي قد علم أن مصادقته إياه كانت مكراً وختلاً لطلب حاجته وأنزل ذلك منه منزلة اختلاس وسلب فلم يزجره ولم ينتهره ولكنه ردّ رداّ لينا كرد الأخ على أخيه باللين والإشفاق حتى اطمأن ووثق بقضاء حاجته. ثم قال للهندي: إني قد كنت هيّأت كلاماً كثيراً ووضعت له أصولاً وشعّبت فيه شعاباً وشجّنت له شجوناً وأنشأت له أغصاناً وأطرافاً. فلما اكتفيت به فعرفت باليسير أُبتُ عما كنت قد اختلقته فسلم الله لك في العقل والأدب فكفيتني مؤونة الكلام وحزت الجواب باليسير من القول والإسعاف بالحاجة كما قد بدا لي منك. فإن الكلام إذا انتهى إلى العلماء والسر إذا استودع اللبيب الحافظ ثبت وبلغ غاية أمل صاحبه قوياً ثابتاً كثبات القصر الذي أحكم أساسه بالصخور، وكالجبل الذي لا تزعزعه الرياح ولا تزلزله.

    قال الهندي: لا شيء أفضل من المودة، فمن خلصت مودّته كان أهلاً أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يذّخر عنه شيئاً مما عنده. ورأس الأدب حفظ السر فإذا كان السر عند الأمين الحافظ فهو موضعه مع أنه خليق أن لا يكتم وأن لا يكون سرا لأن السر إذا تكلم به لسانان صار إلى ثلاثة فشاع في الناس، حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده، كالغيم إذا كان متقطعاً فقال أحد إن هذا غيم متقطع، لم يكذبه أحد على ذلك بل يصدقه كل من يراه متقطعا. وأما أنا فقد اشتدّ سروري وابتهاجي بمودتك ومخالطتك. وهذا الأمر الذي تطلبه مني سر ليس بمكتتم ولا بد أن يفشو في المجالس. فإذا فشا وعلن هلكت نفسي هلاكاً لا أقدر على الخلاص منه بالفداء بمال وإن كثر لأن ملكنها فظّ غليظّ يعاقب على الطفيف فكيف على مثل هذا.

    فقال برزويه: إن العلماء مدحت الصديق إذا كتم سر صديقه، وهذا الأمر الذي له قدمت إياك اعتمدت به ولك أفشيته ومنك أرجو الحاجة، وهو أمر جسيم وخطره عندي عظيم وأنا واثق بعقلك ولطفك وحسن تأتّيك وحيلتك في دركي ما أمّلته على يديك وبيمنك وبركتك وإن مسّتك في ذلك مشقة من خشية. وأنا أعلم أنك آمن من قبلي أن أطلع عليه أحداً ولكنك تتقي أهل بلادك المطيفين بالملك أن يشيّعوا ذلك. وأرجو أن لا يشيع لأني ظاغن وأنت مقيم وما أقمت فليس بيننا ثالث وإذا رحلت عنك أمنت نفسك أن تفشيه عليك.

    وكان الهندي خازن الملك وبيده مفاتيح خزانته فأعطاه حاجته من الكتب. فلما وقف برزويه على مطلوبه أخذ في نسخ كليلة ودمنة وتفسيره وأقام على ذلك زماناً طويلاً. ثم عظمت فيه نفقته ومؤونته وأنصب في بدنه وسهر فيه ليلة ودأب فيه نهاره وهو على خوف من نفسه. فلما فرغ من ذلك الكتاب ومما رغب من سائر الكتب وأحكممها كتب إلى أنو شروان يعلمه بما لقي من النصب والروع وأنه قد فرغ من حاجته.

    فلما انتهى الكتاب إلى أنو شروان وقرأه وعلم أنه قد فزع من حاجته فرح فرحاً شديداً ثم تخوف معالجة المقادير أن تنغّص عليه فرحه وينقض سروره وأمر بالكتاب إلى برزويه يسأله أن لا يعرج عن القدوم وأن يبسط أمله بما جدد له من حسن رأي الملك فيه، وأنه مفضله ومتخذه وزيراً وأن يبادر الأجل ويعزم على الصبر فإن عاقبته إلى خير ونجاة في الدنيا والآخرة.

    ووجه بالكتاب مع بعض ثقاته مع البريد وأمره أن يسير في غير الجادة حذر أن يوجد فيفشو ما كان أسرّ فيذهب كل ما كان عمل ضلالاً.

    فلما انتهى الرسول إلى برزويه دفع الكتاب إليه سرا. فلما قرأه تجهز للسفر وسار حتى قدم إلى أنو شروان. فأخبر بقدومه فأمر بإدخاله عليه. فلما رأى ما أصابه من التعب والنصب رقّ له وقال: أبشر أيها العبد الصالح فستأكل حلاوة ثمرة نصيحتك فقرّ عيناً فقد استوجبت الشكر من جميع الرعية وعظيم المكافأة منا وننزلك أفضل المنازل وأشرفها. وأمره أن يريح نفسه وبدنه سبعة أيام ثم يأتيه ذلك.

    فلما كان الثامن دعا به وأمر أن يحضر العظماء والأشراف. فلما اجتمعوا وعنده برزويه أمر بإحضار الكتب التي قدم بها من الهند ففتحت وقرئ ما فيها على رؤوس الأشهاد. فلما حكوها على ألسن الحيوان والطير فرحوا فرحاً شديداً وشكروا الله على ما منّ به عليهم على يد برزويه. وأحسنوا الثناء عليه في إنصاب بدنه واستخراج الكتب لهم وإفادتها إياهم.

    ثم أمر الملك بعد ذلك أن تفتح لبرزويه خزائن الجوهر والذهب والفضة والكسوة وأقسم عليه الملك إلا دخل وأخذ ما أحب منها وأن لا يقصر فإن ذلك كله ليس بعوض مما أفاده. فسجد برزويه للملك ودعا له ثم قال: أكرم الله الملك كرامة يجمع له بها شرف الدنيا والآخرة وأحسن جزاءه، فقد أغناني الله بحسن رأي الملك عن جميع عروض الدنيا بما وهب الله لي على يديك أيها الملك العظيم الخطير الكريم الخلق السعيد الجد. ولا حاجة لي إلى المال ولكن لسروري بموافقة الملك سيدي واتباع مسرّته آخذ من كسوة الملك تختاً من طراز قوهستان أتجمل به في خدمة الملك وعلى بابه.

    فأخذه وذهب به إلى منزله ليفاخر مَن بباب الملك من أهل بيته وخاصته ثم قال: أصلح الله الملك وأكرمه. إن الإنسان إذا كان ذا عقل وأدب فأكرم وأعطي وأحسن إليه وجب عليه أن يشكر ذلك، وإن كان قد استوجبه قبل أن يعطاه. فأنا للملك شاكر أسأل الله له دوام السرور والغبطة في جميع الأمور. ولي أعز الله الملك حاجة هي أعظم الحوائج عندي وأكملها لدي وأشرفها قدراً عندي بعد رضا الملك. فإن رأى الملك أن يشفعني بحاجتي ويعطيني سؤلي فإنها يسيرة على الملك وعظيمة القدر والموقع مني. قال أنو شروان كسرى: سل تعط ما أحببت واشفع تشفع واذكر حاجتك تسعف بها وتكرم، فإن جزاءك عندنا عظيم. ولو سألت الشركة في الملك لم نردّ طلبتك فكيف ما سوى ذلك. فقل فإن جميع ما تسأل مبذول لك وحباً وكرامة.

    قال برزويه: أكرم الله الملك وأحسن عني جزاءه فلست أمنّ على الملك بنصبي وعنائي. فله الفضل علي بما عوّضني وشركني في هذه الفائدة. والملك بكرمه وفضل رأيه قد كافأني وأحسن إلي فليعظّم المنّة على عبده باستتمام النعمة إليه وإلى أهل بيته ويشرّفه بأن يأمر بزرجمهر ابن البختكان وزيره ويعزم عليه أن يجهد نفسه في وضعه باباً يذكر فيه أمري وحالي ويبالغ في ذلك بأحسن الكلام وأزين الذكر وأحسن التأليف، ويأمر بذلك الباب إذا فرغ منه أن يضعه بين تلك الأبواب التي في الكتاب ليحيا به ذكري ما حييت في الدنيا وبعد وفاتي، فإنه إن فعل ذلكبي فقد شرّفني وأهل بيتي إلى آخر الأبد ما دام هذا الكتاب منشوراً في الدنيا يُقرأ.

    فلما سمع الملك وعظماؤه مقالته عجبوا من عقله ومما سما إليه رأيه وما طلب من الشرف الدائم في الدنيا. وقال الملك: أنت أهل أن تشفع بطلبك فما أيسر ما طلبت في جنب ما تستوجب وإن كان عندئذ عظيم الخطر.

    فأرسل الملك إلى وزيره بزرجمهر من ساعته فقال له: فقد علمت مناصحة برزويه وتحرّيه لمسرّتنا ومرضاتنا وركوبه الهول والمخاوف في حاجتنا، وإنصابه نفسه وبدنه فيما يسرّنا وما أصبنا على يديه من العقل والحكمة، وما عرضنا عليه لكي نعوضه من ذلك، فلم يقبل ورضي منا بالأمر اليسير. فإني جزاء له وكرامة أحب أن نشفعه في ذلك. ويسرني أن نجتهد في قضاء حاجته وأن تُكتب باباً مشابهاً لتلك الأبواب التي في ذلك الكتاب وتذكر فيه فضل برزويه وكيف كان بدء أمره وشأنه وطبّه وصناعته وأدبه وترفّعه من ذلك إلى بعثتنا إياه إلى الهند بأفضل ما تجد من المدح في الكلام بما تسرّني به وتسرّه وجميع أهل *******. فإنه يستحق ذلك منا ومنك خاصة لعظيم مجبتك الأدب والعلم وأهله. فإن اجتهادك في ذلك وترتيبه راجع فضله إليك. وكلما نظر فيه أحد من العلماء كنت شريك برزويه في ذلك الذكر. واجعل ذلك الباب أول الأبواب. فإذا أنت فرغت من ذلك الباب ووضعته موضعه فأرنيه حتى أجمع العظماء والأشراف والعلماء فتقرأه على رؤوسهم ليظهر لهم من علمك وأدبك واجتهادك في مسرّتنا ما خفي عليهم.

    فلما سمع برزويه مقالة الملك وعظيم منزلته عنده خرّ له ساجداً وقال: أدام الله لك أيها الملك السرور والفرح وقرة العين، ورزقك من الشرف في الدنيا ما تفوق به جميع المخلوقين، وفي الآخرة أفضل المنازل مع الصالحين في جنات النعيم.

    فخرج بزرجمهر من عند الملك فأخذ في وضع ذلك الباب ووصف أمر برزويه من أول ما دفعه أبواه في التعليم إلى أن بعثه الملك إلى الهند، وجاء به بأحسن ما يقدر عليه من الوصف وما عرف به من أدب برزويه وسيرته من أول ما عرفه، وما ظهر للناس من استحقاره الدنيا وزهده فيها ورغبته في الآخرة، ولم يترك من اخلاق برزويه وطبائعه شيئاً إلا ذكره بأحسن ما يقدر عليه بتأليف ونسق محكم. ثم أعلم الملك بفراغه منه وأنه قد وضعه في أول الكتاب وهو باب برزويه المتطبب.

    فجمع أنو شروان العظماء والأشراف فدخلوا عليه ودعا بزرجمهر والكتاب بمحضر من برزويه فقرئ على رؤوس الأشهاد. ففرح الملك بذلك وبما أوتي بزرجمهر من العقل والعلم وبما اجتهد في مدح بزرجمهر من العقل والعلم وبما اجتهد في مدح برزويه من غير كذب ولا ادعاء باطل في المدح. فأمر له بجائزة عظيمة من المال والحلي والثياب، فلم يأخذ إلا كسوة كانت من ثياب الملك خاصة. وشكر له برزويه وقبّل رأسه ويده، وأقبل برزويه على الملك يشكره فقال: أدام الله لك أيها الملك والكرامة والجمال في الدنيا والآخرة بما أكرمتني به وأعظمت عليّ المنّة به من تشريفي بالجزاء وأفضل وأكمل ما جازى به أحد من خلقه وأعانني الله على تأدية شكرك ومبلغ رضاك وطاعتك، وعمّرك أقصى ومنتهى غاية ما عمّر به أحداً من آبائك في أفضل السرور وأعم العافية، ووصل ذلك بجزيل شرف الآخرة ورضوان الرب. إنه على ذلك قدير. وجزى الله بزرجمهر بن البختكان خير الجزاء وأحسن عني مكافأته.

    فقد عجز لساني عن تأدية شكر الملك وشكره ولو أطنبت بكل ثناء وشكر. والله وليّ ذلك والقادر عليه والسلام.


  6. #6

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    باب برزويه

    قال برزويه رأس أطباء فارس وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب وترجمته من كتب الهند: إن أبي كان من المقاتلة وكانت أمي من عظماء بيوت الزمازمة وكان مما ابتدأني به ربي أني كنت من أكرم ولد أبويّ عليهما، وكان لي أشد احتفالاً منهما لسائر إخوتي، وأنهما أسلماني في تعليم الكتّاب حتى بلغت في العلم، فلما حذقت الكتابة شكرت أبويّ ونظرت في العلم، وكان أول علم رغبت فيه علم الطب فحرضت عليه حتى إذا حصّلت منه جانباً عرفت فضله وازددت عليه حرصاً وله اتباعاً. فلما بلغت فيه إلى أن أدمنت نفسي على مداواة المرضى هممت بذلك في الناس قولاً وعملاً. ولما تاقت نفسي إلى ذلك ونازعت إلى أن تغبط غيري وتتمنى منازلتهم أبيت لها إلا الخصومة وقلت: يا نفس ألا تعرفين نفعك من ضرّك، ألا تنتهين عن تمنّي ما لا يناله أحد إلا قلّ متاعه وكثر عناؤه فيه وخباله عليه واشتدّت البلية عليه عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده.

    يا نفس ألا تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ذلك ما تشرهين إليه من هذه الدار. ألا تستحين من مشاركة العجزة الجهّال في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده منها شيء فليس له وليس بباق معه والتي لا يألفها إلى المغترّون الغافلون. فانصرفي عن هذه النسبة وأقبلي بقوتك وما تمليكن على تقديم الخير والأجر ما استطعت، وإياك والتسويف. واذكري أن لهذا الجسد وجوداً وآفات وأنه مملوءة أخلاطاً فاسدةً قذرة يجمعها لمنافع أربعة أخلاطٍ متغالبة تغمرهن الحياة. والحياة إلى نفاذ كاللصنم المفصّلة أعضاؤه إذا ركّبت تلك الأعضاء وصنّفت في مواضعها جمعها مسمارٌ واحد يمسك بعضها على بعض، فإذا أخذ المسمار تساقطت الأوصال.

    يا نفس لا تغتري بصحبة أحبائك وأخلائك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى والأحزان، ثم يختم ذلك بعاقبة الراق. ومثله مثل المغرفة التي لا تستعمل في سخونة المرق في جدتها. فإذا انكسرت صارت عاقبة أمرها إلى أن تحرق بالنار. فأمرت نفسي وخيّرتها الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس وإليها يسعون فقلت: ينبغي لمثلي في مثل العلم أن يطلب أيها أفضل: المال أم اللذات أم الصّون أم أجر الآخرة.

    فاستدللت على الخيار من ذلك أني وجدت الطب محموداً عند العقلاء، ولم أجده مذموماً عند أحد من أهل الأديان والملل. ووجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة. فرأيت أن أواظب على الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمناً وأكون كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مصيبا بثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا. مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظه في الدنيا وأن مثله في ذلك مثل الزارع الذي إنما يحرث أرضه ويعمرها ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب.

    فأقبلت على مداواة المرضى. فلم أدع مريضا أرجو له البرء ولا آخر لا آرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة الوجع والأذى إلا بلغت في مداواته جهدي. ومن قدرت على القيام قمت عليه ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له وأمرته وأعطيته ما يتعالج به من الدواء ولم أرد على ذلك أجرة ولا مكافأة. ولم أغبط من نظرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه أحداً لغير ذلك ممن له صلاح وحسن سيرة.

    يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جميع ما تهلكين في جمعه إرادة لصلتهم ورضاهم فإذا أنت كالدخنة الطيبة التي تحرق بالنار ويذهب بعرفها آخرون.

    يا نفس لا تغتري بالغنى والمنزلة التي ينظر إليها أهلها، فإن صاحب ذلك لا يبصر صغير ما يستعظم حتى يفارقه فيكون كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ما دام على الرأس فإذا فارق رأسه استقذره ونفر منه.

    يا نفس داومي على مداواة المرضى ولا تقلعي عن ذلك أن تقولي للطب مؤونة شديدة والناس لها ولمنافع الطب جهال. ولكن اعتبري برجل يفرج عن رجل كربه ويستنقذه منه حتى يعود بعده إلى ما كان فيه من الروح والسعة ما أخلقه لعظم الأجر وحسن الثواب. فإن كان الذي يفعل هذا برجل واحد يرجو ذلك كله فكيف الطبيب الذي يداوي العدة التي لا يعلمها إلا الله ابتغاء الأجر، فيصيرون بعد الأوجاع والأسقام الحائة بينهم وبين الدنيا ولذتها ونعيمها وطعامها وشرابها وأزواجها وأولادها إلى أحسن ما كانوا يكونون عليه من حال دنياهم. إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه ويثق بحسن الثواب على عمله.

    يا نفس لا يبعدن عليك أمر الأخرة فتميلي إلى العاجلة فتكوني في استعمال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي زعموا أنه كان له ملء بيت من الصندل فقال: إن بعته موزونا طال علي، فباعه جزافاً بأخس الأثمان.

    فلما خاصمت نفسي بهذا وآخذتها به وبصّرتها إياه لم تجد عنه مذهباً فاعترفت وأقرّت ولهت عما كانت تنزع إليه، وقامت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة. فلم يمنعني ذلك أن أصبت حظا عظيما من الملوك قبل أن آتي الهند، وبعد رجوعي إلى ما نلت من الأكفاء والإخوان فوق الذي كان طمعي فيه وتجمح إليه نفسي وفوق ما كنت له آهلا.

    ثم نظرت في الطب فوجدت الطبيب لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبداً وغيره من الأدواء. والداء لا يؤمن عوده أو أشد منه. ووجدت عمل الآخرة هو الذي يسلم من الأدواء كلها سلامة فلا تعود إليه بعد ذلك فاستخففت في الطب ورغبت في الدين.

    فلما وقع ذلك في نفسي اشتبه علي أمر الدين ولم أجد في الطب ذكراً لشيء من الأديان ولم يدلّني على أهداها وأصوبها. ووجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين خائفين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهدى فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكلاً على كل راد وله عدو ومغتاب ولقوله مخالف.

    فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلاً وعلمت أني إن صدّقت منهم أحدا بما لا علم لي به أكن مثل المصدق المخدوع.


  7. #7

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     
    باب الفحص عن أمر دمنة

    قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محال العدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إن رأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عن نفسه.

    قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

    فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامة بسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإني تارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملك ووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوة وأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

    قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّ له فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفس الأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

    فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

    فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت على الأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولا سائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك به جسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرها وواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراً ولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغك عن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
    فقال الأسد: فكيف لي بذلك؟

    قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضه وعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإن أقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ما عملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبك دليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض في سرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليوم بعد موته.

    فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

    قالت أم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

    قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

    قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.

    قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

    قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
    قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

    فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

    ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

    فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

    قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.
    فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

    فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

    قال الأسد: وكيف كان ذلك؟


  8. #8

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    باب البوم والغربان

    قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف. قد ضربت لي مثل إخوان الصفا المتعاونين المتحابين، فاضرب لي، إن رأيت، مثل العدو الذي ينبغي أن لا يغترّ به وإن أظهر حسن الصفح تضرّعاً وملقاً في العلانية.

    قال الفيلسوف: من اغترّ بالعدو الأريب المعروف بالعداوة أصابه من ذلك ما أصاب الغربان.

    قال الملك: وكيف كان ذلك؟

    قال الفيلسوف: إنه كان بأرض في جبل من الجبال شجرة عظيمة كأعظم ما تكون من الدوح، ذات أغصان ملتفّة. وكان فيها وكرٌ لألف غراب عليهم ملك منهم. وكان في ذلك الجبل أيضاً مكان فيه ألف بومة عليهن أيضاً ملك منهن. فخرج الملك البوم ليلة لبعض أموره وفي نفسه عداوة لم تزل بين البوم والغربان. فأغار على الغربان بمن معه من البوم فقتل منهم كثيراً وجرح منهم كثيراً. فلما أصبح ملك الغربان جمع ذويه فقال لهم: قد رأيتم ما لقينا من البوم وكم أصبح فيكم من قتيل وجريح ومنتوف الرأس والجناح والذنب. وأشد من ذلك كله في نفس ضراوتهن ثم علمهن بمكانكم وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم وهنّ غير غافلات عنكم فانظروا في أمركم في مهل.

    وكان فيهم خمسة غربان معترف لهم بفضيلة الرأي، كان الغربان يسندون إليهم أمورهم ويفزعون إليهم فيما نزل بهم، وكان الملك يشاورهم في أموره ويأخذ برأيهم. فقال الملك لأحدهم: ما رأيك في هذا الأمر؟

    قال الغراب: هذا رأي سبقتنا إليه العلماء فقالوا: ليس لعدوّ الحنق الذي لا يطاق له حيلة إلا الهرب منه.

    قال الملك للثاني: ما رأيك أنت في هذا الأمر؟ قال: أما ما أشار به هذا من الفرار فلا أراه م الصواب. فكيف نجلو عن بلادنا وعن أوطاننا ونذلّ لعدوّنا عند أول نكبة أصابتنا، ولكنا نجمع أمرنا ونستعدّ لمجاهدة عدونا ونذكي العيون فيما بيننا وبينه ونحترس من العودة والغرّة، فإن أقبل إلينا عدونا لقيناهم مستعدين لقتالهم فقاتلناهم مزاحفة حتى تلقى أطرافنا أطرافهم، ونتحرز منهم تحرّزاً حصيناً وندافع عدونا بالأناة مرة وبالجهاد أخرى حتى نصيب فرصتنا أو يعيينا ذلك فنهرب وقد مهّدنا لنا عذراً.

    قال الملك للثالث: وأنت ما رأيك؟ قال: ما أرى ما قال، ولكني أريد أن تذكى العيون والطرائع بيننا وبين عدونا فنتجسس ونعلم هل يريد عدونا صلحاً أو يقبل منا ديةً. فإن رأينا من ذلك أمراً موافقاً لم أكره أن نصالحهم على خراج نؤديه إليهم، فندع عن أنفسنا بأسهم ونطمئن في وطننا. فإنّ من الرأي للمولك إذا اشتدت شوكة عدوهم وخافوا على أنفسهم الهلكة والفساد على بلادهم والدمار على رعيتهم أن يجعلوا الأموال جنةً للملوك والبلاد والرعية.

    قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال: لا أراه رأياً بل ترك أوطاننا والاصطبار على الغربة وشدة المعيشة خير من وضع أحسابنا والخضوع للعدو الذي نحن أشرف منه وأكرم. مع أني قد عرفت أن لو قد عرضنا ذلك عليهم لم يرضوا فيه إلا بالشطط. وقد كان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك، ولا تقارب كل المقاربة فيجترئ عليك عدوّك ويضعف جندك ويذلّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلاً زاد ظلها وإن جاوزت الحد في إمالتها نقص الظل. وليس عدونا براض منا بالدون من المقاربة. فالرأي لنا المحاربة والصبر.

    قال للخامس: ما ترى، ألقتال أو الصلح أو الجلاء؟ فقال: أما القتال فلا سبيل إلا قتال من ليس المرء بقرن له لأن من يعرف نفسه وعدوّه فقاتل من ليس هو قرناً له فنفسه أجهد مع أن العاقل لا يستضعف عدواً. ومن فعل ذلك اغتر، ومن اغتر لم يسلم وإنا للبو شديدو الهيبة، ولو أضربت عن قتالنا وكنت أهابها قبل إيقاعها بنا. فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال. فإن كان بعيداً لم يأمن معاودته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، وإن كان كثيفاً لم يأمن استطراده وكربه، وإن كان وحيداً لم يأمن مكره. وأكيس الأقوام من لم يلتمس الأمر بالقتال إذا وجد غير القتال سبيلاً. فإن النفقة في القتال إنما هي من الأنفس. وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من المال. فلا يكونن قتال البوم من رأيك. فإن من يرى القتل لا يرى كل الخير.

    قال الملك: إذا كرهت القتال ماذا ترى؟ قال: تؤامر وتشاور. فإن الملك المؤامر المشاور يصيب في مؤامرته نصحاً من ذوي العقول فيظفر بما لا يصيبه بالجنود والزحف وكثرة العدد. والملك الحازم يزداد في المؤامرة والتشاور ورأي الوزراء والحزمة، كما يزداد البحر بالسواعد من الأنهار. ولا يخفى على الحازم قدر أمره وأمر عدوّه وفرصة قتاله ومواضع رأيه ومكايدته، ولا ينفك يعرض الأمور على نفسه أمراً أمراً يتروّى في التقدم على ما يريد منه الأعوان الذين يستعين بهم عليها والعدة التي يعدها لهم. فمنلم يكن له رأي كذلك ولا نصيحة من الوزراء العقلاء الذي يقبل منهم، لا يلبث، وإن ساقت إليه الأحوال حظاً، أن يضيع أمره. فإن الفضل المقسوم لم يقيّض للجهّال ولا للحسب، ولكنه وكّل بالعاقل المستمع من ذوي العقلاء.

    وأنت أيها الملك كذلك وقد استشتني في أمور أريد أن أجيبك في بعضها سراً وفي بعضها علانية. فأما ما لا أكره أن أعلنه فكما أني لا أرى القتال كذلك لا أرى الخضوع بالخراج والرضا بدل القهر. فإن العاقل الكريم يختار الموت صابراً محافظاً على الحياة عرياناً ذليلاً. وأرى ألا يؤخر النظر في أمرنا ولا يكونن من شأنك التثبط والتهاون، فإن التثبط والتهاون رأس المعجزة. فأما ما أريد إسراره فليكن سراً. فإنه قد كان يقال "إنما يصيب الملوك الظفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار أو الرسل المستمعين للكلام أو من قبل الناظرين في أثر الرأي أو مواقع العمل أو من التشبيه والتطنّز. ومن حصّن سره فله من تحصينه إياه أمران: إما ظفر بما يريد وإما أن يسلم من ضره وعيبه إن أخطأ".

    ولا بد لصاحب السر من مستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على الرأي. فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فإنه يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق في تبصيره خطأ إن أتى به وتقليب الرأي فيما يشكل حتى يتفق شأنهما. فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع عدوه، كالرجل الذي يرقي الشيطان ليرسله على الإنسان، فإذا لم يحكم الرقية أضحى هو أسيراً للشيطان. وإذا كان الملك محصّناً للأسرار متحيّزاً للوزراء مهيباً في أنفس العامة بعيداً من أن يعلم ما في نفسه لا يضيع عنده حسن بلا مثلى. وإن كان ذا حزم مقتدراً لم يقتّر فيما ينفق ولم يسرف، كان خليقاً أن لا يسلب صالح ما أوتي. وللأشرار منازل. فمن الشر ما يدخل في الرهط، ومنه ما يدخل فيه الرجلان، ومنه ما يستعان فيه بالقوم. ولا أرى لهذا السرّ في قدر منزلته ألا يشترك فيه أربع آذان ولسانان.

    فنهض الملك وخلا به واستشاره فكان فيما سأل عنه أن قال: هل تعلم ما كان بدء عداوة ما بيننا وبين البوم، قال: نعم، كلمة تكلّم بها غراب.

    قال الملك: وكيف كان ذلك؟


  9. #9

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     
    أصل العداوة بين الغراب والبوم

    قال الغراب: زعموا أن جماعة من الطير لم يكن لها ملك وأنها اجتمعت على بوميّ لتملّكه. فبينما في مجمعها إذ رفع لها غراب فقال بعضهن: انتظرن هذا الغراب فنستشيره في أمرنا. فأتاهن الغراب فاستشرنه، فقال الغراب: لو أن الطير بادت وفقد الطاووس والكركيّ والبط والحمام لما اضطررتن إلى تمليك البوم، أقبح الطير منظراً، وأسوئها مخبراً، وأقلها عقولاً، وأشدها غضباً، وأبعدها رحمة، مع ما بها من الزمانة والعشاء بالنهار. ومن شر أمورها سفهها وسوء خلقها إلا أن تملكنها وأنتن المدبرات للأمور دونها برأيكن وعقولكن. فإذا كان الملك جاهلاص ووزراؤه صالحين نفذ أمره وتم رأيه واستقام علمه ودامت مملكته كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها وعملت برأيه كأنها مرسلة منه.

    قالت الطير: وكيف كان ذلك؟

    مثل ملك الفيلة ورسول الأرانب

    قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون فأجدبت وقلّ ماؤها وغارت عيونها فأصابت الفيلة عطش شديد فشكوا ذلك إلى ملكهم. فأرسل ملك الفيلة رسله وروّاده في التماس الماء في كل ناحية. فرجع إليه بعض رسله فأخبروه أنهم وجدوا بمكان كذا وكذا عيناً تدعى القمرية كثيرة الماء. فتوجّه ملك الفيلة بفيلته إلى تلك العين ليشربوا منها وكانت الأرض أرض أرانب، فوطئت الفيلة الأرانب في أجحارها ومجاثمها، فاجتمعت الأرانب إلى ملكهن فقلن: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فاحتل لنا قبل رجوعهم، فإنهم إذا رجعوا لوردهم أهلكونا.

    قال الملك: ليحضرنّ كل ذي رأي منكن رأيه. فتقدم خزرٌ منها يدعى فيروز كان الملك قد عرفه بالأدب والرأي، فقال: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويبعث معي أميناً يرى ويسمع ما أقول وأصنع ليخبر به الملك فليفعل.

    قال ملك الأرانب: أنت أميني ونحن نرضى بك وبرأيك ونصدّق قولك فانطلق إلى الفيلة وبلّغ عني ما أحببت واعمل برأيك، واعلم أن الرسول به وبرأيه يعتبر عقل المرسل وكثير من شأنه. وعليك باللين والمؤاتاة فإن الرسول هو الذي يلين القلب إذا رفق ويخشّن الصدر إذا خرق.

    فانطلق الخرز في ليلة فيها القمر طالع حتى انتهى إلى الفيلة، وكره أن يدنو منهن فيطأنه وإن هنّ لم يردن ذلك. فأشرف على تلّ فنادى: يا ملك الفيلة إنه أرسلني إليك القمر والرسول مبلّغ غير ملوم وإن أغلظ.

    قال ملك الفيلة: وما الرسالة؟

    قال فيروز: يقول القمر إنه من عرف فضل قوته على الضعفاء فاغترّ لذلك بالأقوياء كانت قوته خبالاً له. وقد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرّك ذلك مني فعمدت إلى عيني التي تسمى باسمي فشربت ماءها وقذّرتها وكدّرتها بفيلتك. وإني أتقدم إليك وأنذرك أن تعود فأغشي بصرك واتلف نفسك. وإن كنت في شك من رسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإني موافيك فيها.

    فعجب ملك الفيلة في قول فيروز، فانطلق إلى العين معه فنظر إليها فرأى ضوء القمر فقال له فيروز: هذ بخرطومك من الماء فاغسل وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك، فخيّل إليه أن القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب عليّ لإدخالي خرطومي في الماء؟ فقال فيروز: نعم فاسجد له ثانية. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى وتاب إليه مما صنع به، وشرط له ألا يعود إلى تلك العين هو ولا شيء من فيلته.

    قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم أن من شأنها الخبّ والمكر والخديعة. وشرّ الملوك المخادع ومن ابتلي بسلطان المخادعين وحكّمهم أصابه ما أصاب الصفرد والأرنب اللذين حكّما السنور الصوام؟

    مثل الصّفرد والأرنب والسّنّور الصّوّام

    قال الغراب: كان لي جار من الصفارد في سفح جبل، وجحره قريب من الشجرة التي فيها وكري، فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا على جوارنا. ثم فقدته فلم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد ولبثت في ذلك المكان زماناً. ثم إن الصفرد رجع إلى مكانه، فلما وجد الأرنب فيه قال: هذا مكان فانطلقي عنه.

    قالت الأرنب: المسكن في يدي، وأنت المدّعي، فإن كان لك حق فاستعد عليّ.

    قال الصفرد: المكان مكاني، ولي على ذلك البيّنة.

    قالت الأرنب: نحتج إلى القاضي.

    قال الصفرد: إن قريباً منا على شاطئ البحر سنّوراً متعبداً يصلي النهار كله لا يؤذي دابة ولا يريق دماً، ويصوم الدهر لا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار، فاذهبي الليلة إليه أحاكمك.

    قالت الأرنب: نعم. فانطلقا جميعاً وتبعتهما لأنظر إلى الصوام العابد الزاهد وإلى قضائه بينهما، فلما صارا إلى السنوا قصّا عليه قصتهما.

    فقال السنور: أدركني الكبر وضعف البصر، وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع فادنوا مني فأسمعاني قريباً. فأعادا القصة فقال: "قد فهمت ما قصصتما وأنا بادئكما بالنصيحة قبل القضية، فآمركما ألاّ تطلبا إلا الحق. فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه، وطالب الباطل مخصوم. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء من مال ولا صديق إلا عمل صالح قدّمه. فذو العقل حقيق ويمقت ما سوى ذلك. ومنزلة المال عند العاقل منزلة المدر. ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره لهم من الشر منزلة نفسه". فلم يزل يقص عليهما ويستأنسان فيدنوان منه حتى وثب عليهما فضمّهما إليه فقتلهما جميعاً.

    قال الغراب: فالبوم يجمعن مع سائر ما وصفت لكم المكر والخديعة فلا يكوننّ تمليك البوم من رأيكن. فلما سمع الطير خطبة الغراب أضربن عن رأيهن ولم يملّكن البوم.

    وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب فقالت له: لقد وترتني أعظم التّرة، فما أدري هل كان سلف مني إليك سوءٌ استحققت به هذا منك؟ وإلاّ فاعلم أن الفؤوس يقطع بها الشجر فتنبت وتعود، والسيف يقطع به اللحم والعظم فيندمل ويلتئم، واللسان لا يندمل جرحه، والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينزع، وأشباه الأنصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولك حريق مطفئ، فللنر الماء، وللسم الدواء، وللعشق القرب، وللحزن الصبر، ونار الحق لا تخبو. وإنكم معاشر الغربان قد غرستم بيننا أبداً شجرة الحقد والبغضاء.

    فقضت البوم مقالتها هذه وولت مغضبة وانصرفت موتورة، وندم الغراب على ما فرط منه، وقال في نفسه: "لقد خرقت فيما كان من قولي الذي جلبت به العداوة على نفسي وعلى قومي، ولم أكن أحقّ الطير بهذه المقالة ولا أعبأها بأمر ملكها. ولعلّ كثيراً قد رأوى الذي قد رأيت وعلموا الذي قد علمت فمنعهم من الكلام فيه اتقاء ما لم أتق والنظر فيما لم أنظر فيه من العاقبة. ثم لا سيما إذا كان الكلام مواجهة، فإن الكلام الذي يستقبل فيها قائله السامع بما يكره مما يورث الحقد والضغينة ولا ينبغي له أن يسمى كلاماً ولكن يسمّى سمّاً. فإن العاقل وإن كان واثقاً بقوله وفضله لا يحمله ذلك على أن يجني على نفسه عداوة وبغضاً اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة. كما أن العاقل لا يشرب السم اتكالاً على ما عنده من الترياق، وصاحب حسن العمل وإن قصّر به القول في بديهته تبين فضله عند الخبرة وعاقبة الأمر. وصاحب القو وإن هو أعجب ببديهته وحسن صفته فلا يحمد مغبّة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أوليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشيره فيه أحداً ولا أتروّى فيه مراراً، وأنا أعلم أن من لم يستشر الفصحاء الألبّاء بتكرار النظر والروية لم يسرّ بمواضع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت في يومي هذا وما وقعت فيه".

    فعاتب الغراب نفسه بهذا ثم انطلق.

    فهذا ما سألتني عنه من العلة التي بدأت بها العداوة بين البوم والغربان.

    قال الملك: قد فهمت هذا، فحدّثنا بما نحن أحوج إليه وأشر علينا برأيك والذي ترى أن نعمل به فيما بيننا وبين البوم.

    قال: أما القتال فقد فرغت من رأيي فيه وأعلمتك كراهتي له. ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال، وأنا أرجو أن أقدر من الحيل على بعض ما في فرج. فإنه رُبّ قوم قد احتالوا بآرائهم للأمر الجسيم حتى ظفروا منه بحاجتهم التي لم يكونوا يقدرون عليها بالمكثرة، كالنفر الذين مكروا بالنساك حتى ذهبوا بعريضه.

    قال الملك: وكيف كان ذلك؟


  10. #10

    ساهري
    الصورة الرمزية كابتن الحق
     رقم العضوية : 7206
     تاريخ التسجيل : Aug 2006
     المشاركات : 815
     إعجاب متلقى : 4 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 13
     الحالة :  كابتن الحق غير متصل


     

    افتراضي

    ا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً وصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثم ومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولا عمل لأني أعرف ثمرة الأعمال.

    فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسك والنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذي بلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنك عقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتك إلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة.

    قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوة وبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابوا من ذلك.

    قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك من العمل.

    قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانع ينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبة السلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنه يجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك.

    قال الملك: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بك في الكرامة والإحسان بهمتك.

    قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسان والكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب.

    قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك.

    قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً.

    قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.

    قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.

    قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.

    قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.

    قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟

    قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.

    قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.

    قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.

    قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.

    قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.

    قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.

    فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟

    فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.

    فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.

    فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب.

    فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه.

    قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.

    قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.

    ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل.

    فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟

    فأخبرها الأسد بالأمر.

    قالت: "عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت من الملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلب عظيم الضرر والعيب.

    "وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.

    "فاعلم أن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرة ما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوك يحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لم يأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلى اختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار، فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلم أنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعام جندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنه لم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذا أصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيه اجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسك ولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامة والولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهم وأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك على هواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراً ولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحاب هذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان".

    فبينما أم الأسد في كلامها إذ دخل على الملك بعض ثقاته فأطلع الأسد على براءة ابن آوى. فلما علمت أم الأسد أن الأسد قد وقف على براءة ابن آوى قالت: "أما وقد اطلعت على جرأة أصحابك وتعاونهم عليه فلا ترضينّ بذلك منهم ولا تدعنّ تشتيت ذات بينهم حتى تقطع منك الشفة عليهم. فلا يتخذوك مركباً فتعوّدهم الاحتمال على ضرك بوشهيم. ولا تغترّنّ بسلطانك فيدعوك ذلك إلى استصغارهم والتهاون بأمرهم. فإن الحشيش الضعيف إذا جمع فقتل صار منه الحبل القوي الذي يوثق به الفيل الشديد.

    "وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولا يؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أن يتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناس في ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أن تقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمال للأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع من وصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتمل مكروهاً إن كان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر في جميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته".

    فدعا الأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقال ابن آوى: "إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء وقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبته وولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحق من نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشره أو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألا يسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم في بادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناع الملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودة أعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألا يتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملك ذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتي وسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بي وحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب".

    قال الأسد: إني قد بلوت طبائعك وأخلاقك، فمنزلتك في نفسي منزلة الكرماء الأخيار. والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان ألف خلّة من الإساءة، واللئيم تنسيه خلة واحدة من الإساءة ألف خلة من الإحسان. فأنا واثق بك أنه سينسيك ما سلف من إحساننا إليك الذي فرط منا في أمرك وقد عدنا إلى الثقة بك فعد إلى الثقة بنا وبما قبلنا فإنه لك في ذل غبطة وسرور.

    فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيام تزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك.

    فهذا باب وزراء السلطان وأعوانه وقرائبه.


صفحة 1 من 4 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •