بَريدُ بَيْروتْ

أكتب من بيروت , يا حبيبتي
حيث المطرْ
محبوبةٌ قديمةٌ تزورنا بعد سفرْ
أكتب من مقهى على البحر
وأيلول الحزين
بلل الجريدهْ
وأنتِ تخرجين
كل لحظةٍ من قدح القهوة.. يا حبيبتي
و أسطرِ الجريدهْ


مضت شهورٌ خمسة
هل أنت يا صديقتي بخيرْ؟
أخبارنا عادية جداً
وبيروت كما عرفتها في أول الشتاءْ
مشغولة بحسنها كأكثر النساءْ
عاشقة لنفسها.. كأكثر النساءْ
طيبةٌ . قاسية
ذاكرةٌ . ناسية
كأكثر النساءْ
بيروت في الخريف.. يا حبيبتي
مشتاقة إليكِ
أيتها القريبة البعيدهْ
أيتها المدهشة الحضور , كالقصيدهْ
أمطارها مشتاقةٌ إليكِ
أحجارها مشتاقةٌ إليكِ
وبحرها , سافر من شطآنهِ
و صبّ في عينيكِ


بيروت يا حبيبتي
في هذه الأيام , كالخرافهْ
أوراق أيلول على الأرض نحاسٌ وذهبْ
و (شارع الحمراء) يا حبيبتي
ثوب موَّشى بالقصبْ
الله كم أحتاج يا حبيبتي إليكِ
حين يجيء موسم الدموعْ
كم بحثَتْ يداي عن يديكِ
في زحمة الشوارع المبللهْ
يا زهرة اللاوند في دفاتري
يا وجعي الجميل , يا هوايتي المفضلهْ


أكتب يا حبيبتي من مطعمٍ
كنا اكتشفناه معاً.. في (الرملة البيضاء)
طاولتي تتركني
كراستي تتركني
ذاكرتي تتركني.. وتتبع الغمامْ
والمقعد الثاني الذي ملأتِهِ
بشاشةً و رِّقةً.. في سالف الأيامْ
يرفضني
يرسم حول مقعدي
إشارة استفهامْ


أكتب سطراً باكياً
أبدؤه بالشوق والسلامْ
أشطبه
أعاشق مثلي أنا.. يبدأ بالسلامْ ؟
أكتب سطراً ثانياً
أشطبه
أبحث عن أصابعي
عن لغتي
عن علبة الكبريتِ
عن عبارةٍ ما وردتْ في كتبِ الغرامْ
تسيطر الفوضى على مشاعري
يلفني الظلامْ
ما أصعب الكلامْ
نكتبه لامرأة نحبها
ما أصعب الكلامْ


نزار قبانى