في السنوات السبع الأخيرة قتلت القوات الإسرائيلية 815 طفلا
فلسطينيا بأعذار مختلفة.. ولكل طفل من هؤلاء قصة حزينة وعائلة مفجوعة وأم لم
تكف عن البكاء.. غير أنني شخصيا لم أسمع أغرب من قصة الطفل (أحمد إسماعيل كاتب)
الذي اغتالته القوات الاسرائيلية قرب جنين وغدا في أذهان كثير من الإسرائيليين نموذجا
للنبل الفلسطيني..
ففي الثالث من نوفمبر 2006 وبينما كانت دورية تتعرض لقذف الحجارة أطلق أحد الجنود
رصاصة استقرت في صدر الطفل أحمد. وفي العادة لا يتوقف الجنود الإسرائيليون لتفقد
جرحاهم إلا أن أحد الجنود أصر على أخذه لمستشفى حيفا الاسرائيلي بسبب سنه الصغيرة
(عشرة أعوام فقط). غير أن الطفل لم يستطع النجاة وتوفى بعد فترة قليلة من وصوله لغرفة الطوارئ.
ورغم الصدمة التي بدت واضحة على والد أحمد إلا أنه اقترب من الطبيب المشرف وهمس في
أذنه شيئا غريبا.. همس برغبته في التبرع بأعضاء ابنه للأطفال المحتاجين في المستشفى.
وكان أول سؤال وجهه الطبيب للأب إسماعيل: الأطفال العرب أم اليهود !؟..
فقال الأب باللهجة الفلسطينية الجميلة (ياعمي شو بتحكي، التعبان أولى من غيره).
وبسرعة تم تجهيز الطفل الشهيد لنقل أعضائه لتسعة أطفال في حالة خطيرة على قائمة الانتظار.
وخلال 24 ساعة تم نقل الكبد والقلب والقرنية والكليتين والرئتين وجزء من انسجة الدماغ الى ستة
أطفال اسرائيليين وثلاثة عرب.. وفي واقعة طبية نادرة نجحت جميع العمليات وتمكن الأطفال
التسعة من الحياة وعيش أيام أفضل ... !!
وسرعان ماظهرت نتائج هذا التصرف النبيل في مجلس الكنيست والصحف الاسرائيلية..
ففي الكنيست انتقد عدد من البرلمانيين المرجعية الحاخامية التي تحرم نقل الأعضاء
لأسباب دينية - في حين لا يجد الفلسطينيون حرجا في ذلك -.. أما الصحف فبدأت بانتقاد
الجيش العبري الذي لم يحاكم حتى الآن أي جندي قتل طفلا فلسطينيا.. أما جدعون ليفي
من صحيفة هآرتس فقال: في حين قتلنا نحن 815طفلا فلسطينيا يفاجئنا أب عاطل عن
العمل بإنقاذ حياة ستة أطفال اسرائيليين قتل الجنود ابنه.
أما الأب إسماعيل - والأم عبلة - فكانا على قناعة بأنهما كسبا تسعة أبناء
جدد بعد وفاة ابنهما أحمد. وفي لقاء مع جريدة معاريف الاسرائيلية قالت الأم:
حين تنظر لطفل يشرف على الموت بسبب قلبه أو كليته لن تتوقف للسؤال عن جنسيته.
. أما الأب فقال: هذه رسالة سلام ومحبة ومشكلتنا ليست مع الأطفال اليهود.
وفي الشهر التالي قام وفد من العائلات اليهودية المستفيدة بزيارة الوالدين في
جنين برفقة الأطفال المُتلقين. كما أتت برفقتهم فتاة فلسطينية تدعى سماح غضبان
كانت على شفير الموت قبل أن تتلقى قلب أحمد في مستشفى تل أبيب الجامعي.
. وكان اللقاء مؤثرا للجميع وقال أحد الآباء وهو يبكي: أعضاء ابنكم أحمد دخلت
الآن في قلب كل إسرائيلي..
وكان بالفعل يوما استثنائيا نادرا حيث عم السلام شوارع جنين
ووقف الجنود الإسرائيليون هادئين قرب السكان الفلسطينيين
يترقبون خروج الزوار القادمين من حيفا وتل أبيب !!