اتصل دوت كوم
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 24

الموضوع: •·.·´¯`·.·• (شعراء العرب في سطور ) •·.·´¯`·.·•

  1. #1

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    •·.·´¯`·.·• (شعراء العرب في سطور ) •·.·´¯`·.·•

    بسم الله الرحمن الرحيم




    اقدم لكم اليوم موسوعة ابرز الشعراء العرب

    (1)



    ابو فراس الحمداني

    إسمه:هو الحارث بن سعيد الحمداني
    ولادته:ولد في عام 932ميلادي في مدينة الموصل
    لقبه :هوأبو فراس الحمداني
    وكان يسمى بشاعر الدوله الحمدانيه
    نشـأته: نشاء على الفروسيه والأدب
    وتنقل في مدن الجزيره العربيه والشام
    المناصب التي تولاها
    قلده سيف الدوله الحمداني أميراًعلى حمـــص إمـارة منــبج وحــران وأعمالهما
    وكان حينئذٍ في سن السادسه عشره وأصطحبه سيف الدوله معه في غزواته
    ضد البيزنطيين فوقع في الآسر عام 962ميلادي أمضى في الآسر أربع سنوات كتب خلالها أشهر قصـائده التي عــرفت ب"الروميات "وبعد خروجه من الأسر ولاه سيف الدوله الحمداني أمارة حمص ولمامات سيف الدوله وقعت الحرب
    بين ابنه أبي المعالي وأبي فراس , فقتل أبوفراس في تلك المعركه التي دارت رحاها بالقرب من مدينة حمص على يد ابن عمه قرغويه كان ذلك في عام 968ميلادي
    له ديوان , من الشعر الجيد , العذب الأنغام, المألوف الألفاظ,
    الذي يسجل التاريخ حياته ويصورفروسيته ويفخربمآثره
    تنافس مع المتنبي في مدح سيف الدوله خلال إقامته في بلاطه بحلب
    فرحم الله أبو فراس الحمداني

    من قصائده :
    قصيدة بعنوان :
    صاحبٌ لمَّـا أساءَ
    من أبياتها :
    صاحبٌ لمَّـا أساءَ أتبعَ الـدَّلوَ الرشاءَ
    ربَّ داءٍ لا أرى منــ ــهُ سوى الصبرِ شفاءَ
    أحمدُ اللهَ على ما سرَّ منْ أمري وساءَ

    وقصيدة بعنوان :
    كانَ قضيباً لهُ انثناءُ
    من أبياتها :
    كانَ قضيباً لهُ انثناءُ و كانَ بدراً لهُ ضياءُ
    فَزَادَهُ رَبُّهُ عِذَاراً تَمّ بِهِ الحُسْنُ وَالبَهَاءُ
    كذلكَ اللهُ كلّ َ وقتٍ يزيدُ في الخلقِ ما يشاءُ

    وقصيدة بعنوان :
    أتَزْعُمُ أنّكَ خِدْنُ الوَفَاءِ
    من أبياتها :

    أتَزْعُمُ أنّكَ خِدْنُ الوَفَاءِ وَقد حجبَ التُّرْبُ من قد حَجَبْ
    فإنْ كنتَ تصدقُ فيما تقولُ فمتُ قبلَ موتكَ معْ منْ تحبْ
    وَإلاّ فَقَدْ صَدَقَ القَائِلُونَ: ما بينَ حيٍّ وميتٍ نسبْ
    عقيلتيَ استُلبتْ منْ يدي و لمـَّا أبعها ولمَّـا أهبْ
    وَكُنْتُ أقِيكِ، إلى أنْ رَمَتْكِ يَدُ الدّهرِ مِن حَيثُ لم أحتَسِبْ
    فَمَا نَفَعَتْني تُقَاتي عَلَيْكِ وَلا صرَفتْ عَنكِ صرْفَ النُّوَبْ
    فلا سلمتْ مقلة ٌ لمْ تسحَّ وَلا بَقِيَتْ لِمّة ٌ لَمْ تَشِبْ
    يعزُّونَ عنكِ وأينَ العزاءُ ‍‍!؟ و لكنها سنة ٌ تُستحبْ
    وَلَوْ رُدّ بِالرّزْءِ مَا تَستَحِقّ لَمَا كَانَ لي في حَيَاة ٍ أرَبْ






    (2 )



    ابو العلاء المعري

    وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة "معرَّة النعمان" من أعمال "حلب" بشمال "سوريا" في (27 من ربيع الأول 363هـ = 26 من ديسمبر 1973م).
    ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته.
    وعندما بلغ أبو العلاء الثالثة من عمره أُصيب بالجدري، وقد أدَّى ذلك إلى فقد بصره في إحدى عينيه، وما لبث أن فقد عينه الأخرى بعد ذلك.
    ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث.
    عاد "أبو العلاء" إلى "معرة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.
    وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:
    أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
    رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ
    مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى
    وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ
    وقد ترك أبو العلاء تراثًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ظل موردًا لا ينضب للدارسين والباحثين على مر العصور، وكان له أكبر الأثر في فكر وعقل كثير من المفكرين والعلماء والأدباء في شتى الأنحاء، ومن أهم تلك الآثار:
    - رسالة الغفران: التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها "دانتي" في ثُلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية".
    - سقط الزند: وهو يجمع شعر أبي العلاء في شبابه، والذي استحق به أن يوصف بحق أنه خليفة المتنبي.
    - لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.
    - الفصول والغايات (في تمجيد الله والمواعظ).
    - عبث الوليد: وهو شرح نقدي لديوان "البحتري".
    - معجز أحمد: وهو شرح ديوان "أبي الطيب المتنبي".
    - رسالة الملائكة.
    - رسالة الحروف.
    - الرسالة الإغريضية.
    - الرسالة المنيحية.
    ومن الجدير بالذكر انه بدا حياته متشككا زنديقا كما ورد في شعره
    حين زار اللاذقية فسمع فيها صوت الاذان واجراس الكنيسة
    في اللاذقية ضجة ما بين احمد والمسيح
    هذا بناقوس يدق وذا بمأذنة يصيح
    كلٌ يعظم دنيه يا ليت شعري ما الصحيح ولي عودى باحد روائعة من اللزوميات المشهورة
    إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ،
    من ابياتها :
    إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ، غالبةٌ، خابَ ذلك الغَلَبُ
    خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت، ليس لها، غيرَ باطلٍ، حلَبُ
    أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا سِ، وإن يُنَلْ عندها الطلب
    يا صالِ، خَفْ إن حلَبت دِرّتها، أن يترامى بدائِها حَلَبُ
    أفضلُ مما تضمُّ أكؤسُها، ما ضُمّنتَه العِساسُ والعُلَبُ
    وقصيدة:
    من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ،
    من ابياتها :
    من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ، أُذكَرُ فيه بغير ما يجبُ
    يُظَنُّ بيَ اليُسرُ والديانةُ والعلـ ـلمُ، وبيني وبينها حُجُبُ
    كلُّ شهوري عليّ واحدةٌ، لا صَفَرٌ يُتّقى ولا رجبُ
    أقررْتُ بالجهل، وادّعى فَهَمي قومٌ، فأمري وأمرُهم عجَبُ
    والحقُّ أني وأنهم هدرٌ، لستُ نجيباً، ولا همُ نُجُبُ
    والحالُ ضاقتْ عن ضمِّها جسدي؛ فكيف لي أن يضمّه الشَّجَبُ؟
    ما أوسعَ الموت، يستريح به الجسـ ـم المعنّى، ويخفتُ اللَّجَبُ
    قصيدة بعنوان:
    الأمرُ أيسرُ مما أنتَ مُضمرُهُ؛
    من ابياتها :
    الأمرُ أيسرُ مما أنتَ مُضمرُهُ؛ فاطرَحْ أذاكَ، ويسّرْ كلّ ما صَعُبا
    ولا يسُرّكَ، إن بُلّغْتَهُ، أمَلٌ؛ ولا يهمّك غربيبٌ، إذا نعبا
    إنْ جدّ عالمُكَ الأرضيُّ، في نبأٍ يغشاهُمُ، فتصوّرْ جِدّهُمْ لَعبِا
    ما الرّأيُ عندكَ في مَلْكٍ تدينُ لهُ مصرٌ، أيختارُ دون الرّاحةِ التّعبا
    لن تستقيمَ أُمورُ النّاس في عُصُر؛ ولا استقامتْ، فذا أمناً، وذا رعبا
    ولا يقومُ على حقٍّ بنو زمنٍ، من عهد آدمَ كانوا في الهوى شُعَبا





    (3)



    امرؤ القيس بن حجر الكندي

    هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر من كندة ، أمة فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة وخاله كليب الذي تقول فيه العرب أعز من كليب ، وهو رأس فحول شعراء الجاهلية أجاد في الوصف وأمتاز بدقة التصوير أما عباراته فهي خشنة من خشونة البيئة التي عاش فيها ، وهذه الديار التي وصفها كلها ديار بني أسد . و يقال لهو الملك الضليل وذو القروح ، وهو من أهل نجد ، من الطبقة الأولى ،طرده أبوه لمل صنع الشاعر بفاطمة ابنة عمه ما صنع ـ وكان لها عاشقاً ـ وأمر بقتله ، ثم عفا منه ، ونهاه عن قول الشعر ، ولكنه نظم بعدئذٍ فبلغ ذلك أباه فطرده ، وبقي طريداً الى أن وصله خبر مقتل أبيه ـ الذي كان ملكاً على أسد وغطفان ـ على أيدي بني أسد ، وكان حينذاك بدُمون ـ بحضر موت ـ فقال : (( ضيعني صغيراً ، وحملني دمه كبيراً ، لا صحو اليوم ، ولا سكر غداً اليوم خمر ، وغداً ، أمر )) .وأخذ يطلب ثأر أبيه ، يستنجد القبائل ، الى أن وصل الى السموأل ، والحارث الغسان ـ في بلاد الشام ـ وقيصر الروم ـ في القسطنطينية ـ الذي ضم إليه جيشاً كثيفاً ، فوشى رجل من بني أسد بامرىء القيس الى قيصر ، فبعث إليه بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب . فلما وصلت إليه لبسها ، فأسرع فيه السم ، وسقط جلده ، وكان حينذاك بأنقرة ، التي مات فيها . وله أشعار كثيرة ، يصف فيها رحلته هذه .

    من قصائده :

    معلقته الشهيرة التي بعنوان :
    قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )
    قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
    فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ لما نسجتْها من جَنُوب وشمالِ
    (4 )




    (4)

    أبو تمام

    هو حبيب بن أوس الطائي المعروف بأبي تمام، ولد عام (172 هـ – 788 م)، في بلدة جاسم في جنوب سوريا.

    كان أبوه مسيحيا اسمه تدوس العطار، فلما أسلم أبو تمام حرف اسم أبيه إلى أوس. لا نعرف عن حداثته شيئا ذا أهمية، إلا أنه سافر إلى مصر وهو يافع فأفاد من ملازمته مساجدها وخدمة أهل العلم فيها. ثم راح يتجول في الأقطار، فزار بغداد وخراسان والحجاز والموصل وبلاد الشام والعراق وغيرها، حتى استقر في سامراء عند الخليفة المعتصم، الذي قربه وأنعم عليه.

    وبرز أبو تمام في ذلك العصر شاعرا مبدعا يتربع على عرش الشعر ويقتدي به معظم شعراء زمانه. وكان المديح أبرز الفنون التي نظم فيها لكن له مراثي وحكما رائعة.

    شعره كثير يمتاز بقوة السبك وحسن الإخراج، والتأنق في البيان لفظا ومعنا، والغوص في عميق المعاني وغزيرها ، وكثرة الاختراع والتوليد فيها.


    من قصائده :

    ومن جيد غيداء التثني كأنما

    ومن جيد غيداء التثني كأنما .... أتتك بليتيها من الرشإ الفرد
    كأن عليها كل عقد ملاحة .... وحسنا، وإن أمست وأضحت بلا عقد
    ومن نظرة بين السجوف عليلة ... ومحتضن شخت، ومبتسم برد
    ومن فاحم جعد، ومن كفل نهد، ... ومن قمر سعد، ومن نائل ثمد

    يا موضعَ الشَّذنيَّة ِ الوجناءِ

    يا موضعَ الشَّذنيَّة ِ الوجناءِ ..... ومُصارعَ الإدلاجِ والإسراءِ
    أقري السلام مُعرَّفاً ومُحصَّباً .... من خالد المعروفِ والهيجاءِ
    سَيْلٌ طَمَا لَوْ لَمْ يَذُدْهُ ذَائِدٌ .... لتبطَّحتْ أولاهُ بالبطحاءِ

    فَحْواكَ عَيْنٌ على نَجْوَاكَ يامَذِلُ

    فَحْواكَ عَيْنٌ على نَجْوَاكَ يامَذِلُ ... حَتَّامَ لاَيَتَقضَّى قَوْلُكَ الخَطِلُ!؟
    وإنَّ أسمجَ من تشكو إليهِ هوى .... من كانَ أحسنَ شيءٍ عندهُ العذلُ
    ما أقبلتْ أوْجُهُ اللذّاتِ سافرة .... . مذْ أدبرَتْ باللوى أيامُنا الأولُ

    أحسِنْ بأيَّامِ العقيقِ وأطيبِ

    أحسِنْ بأيَّامِ العقيقِ وأطيبِ ..... والعَيْشِ في أَظْلاَلِهِنَّ المُعْجِبِ
    وَمصيفِهِنَّ المُسْتَظِل بظِلهِ ..... سِرْبُ المَهَا ورَبيعِهنَّ الصَّيبِ
    أُصُلٌ كبُرْدِ العصْبِ نيطَ إلى ضُحى ... عَبِقٍ بريحانِ الرِّياضِ مُطيَّبِ






    (5 )




    مي زيادة (1895م ــ 1941م)

    مولدها ونشأتها:

    ولدت (مي) بالناصرة (فلسطين) سنة 1895م واسمها الحقيقي ماري بنت الياس زيادة صاحب جريدة المحروسة، واختارت لنفسها اسم (مي) الذي اشتهرت به في عالم الأدب، وهي من أشهر أديبات الشرق وكاتبة موهوبة وخطيبة فسيحة الباع.

    تلقت دروسها الابتدائية في مدرسة عين طوره وجاء بها والدها وهي دون البلوغ إلى مصر حيث عكفت على المطالعة والتحصيل والتضلع من مختلف العلوم والفنون وعرفت من اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية والأسبانية، أتقنتها، فاستكملت ثقافتها وتميزت بالذهن البارع والذوق السليم.

    كانت تنشر فيض قريحتها في مجلات الزهور والمقتطف والهلال وجرائد المحروسة والسياسة والرسالة، ولما سطع نجمها في سماء الأدب العربي كان يجتمع بعد ظهر الثلاثاء من كل أسبوع في دارها نخبة من العلماء والشعراء وقادة الفكر من أهل مصر، وهم يخوضون في الحديث ويتبارون في مختلف البحوث العلمية والفنية، وكانت (مي) مالكة عنانه توجه المناقشات والأحاديث بلفظها الرشيق وبيانها الناصع، وأصبحت دارها منتدى أدبياً حافلاً وكان أكثرهم تردداً عليها الشعراء إسماعيل صبري ومصطفى صادق الرافعي وولي الدين يكن، واحمد شوقي، وخليل مطران، وشبلي شميل رحمهم الله وغيرهم، وظلت دارها كدار بنت المستكفي منتدىً للنوابغ، وكانت بمواهبها وفتنتها مبعث الوحي والإلهام لقرائحهم، لأنها جعلت قلوب هؤلاء النوابغ تنفعل بموحياتها الانوثية الناعمة وسحر الجمال، وقد نظم المرحوم إسماعيل صبري باشا أبياتا نفيسة.

    كان أول كتاب وضعته باسم مستعار (ايزيس كوبيا) وهو مجموعة من الأشعار باللغة الفرنسية، ثم وضعت مؤلفاتها (باحثة البادية) وكلمات وإرشادات، ظلمات وأشعة، سوانح فتاة، بين المد والجزر، الصحائف والرسائل، وردة اليازجي، عائشة تيمور، الحب في العذاب، رجوع الموجة، ابتسامات ودموع، وقامت بعدة رحلات إلى أوروبا وغذت المكتبة العربية بطائفة من الكتب الممتعة موضوعة ومنقولة وبلغت من غايتها في الأدب والعلم والفن فاستفاض ذكرها على الألسنة.

    وكانت تميل إلى فني التصوير والموسيقى، وكانت إذا وضعت قصة تجعل ذكرى قديمة تثيرها رؤية لون أو منظر من المناظر، أو حادثة من الحوادث، وقد يكون إيحاءَ بما تشعر به وتراه في حياتها، فتدفعها هذه الذكرى ويستنفرها هذا الإيحاء إلى كتابة القصة، وقد تستيقظ في الفجر لتؤلف القصة، ومن عادتها أن تضع تصميماً أولياً للموضوع، ثم تعود فتصوغ القصة وتتم بناءها، وان الوقت الذي تستغرقه في كتابة القصة قد يكون ساعة أو أسابيع أو شهور حسب الظروف، وهي ترى انه ليس هناك قصص خيالية مما يكتبه القصصيون وكل ما ألفته هذه النابغة، هو واقعي كسائر ما تسمع به وتراه من حوادث الحياة، فالمؤلف القصصي لا يبدع من خياله ما ليس موجوداً، بل هو يستمد من الحياة وحوادثها، ويصور بقالبه الفني الحوادث التي وقعت للأفراد، وكل ما تكتب هو تصوير لبعض جوانب الحياة، لا وهمٌ من الأوهام لا نصيب لها من حقيقة الحياة.

    لقد ظلت سنوات طويلة تغرس في القلوب أجمل الشعر وأرفع النثر وتتهادى بروائعها ومؤلفاتها في دنيا الأدب إلى أن عصفت المنية في روحها وهي في سن الكهولة المبكرة وذلك في يوم الأحد التاسع عشر من شهر تشرين الأول سنة 1941م في المعادي بمصر، وتركت وراءها مكتبة نادرة لا تزال محفوظة بالقاهرة وتراثاً أدبياً خالداً إلى الأبد.

    لقيت في أواخر عهدها أشد العنت والكيد من أنسبائها، (فقد تآمروا عليها وأدخلوها العصفورية في بيروت وبقيت فيها مدة سنتين حتى أنقذها وأخرجها منه أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري، وقد زارها في مستشفى العصفورية دولة العلامة فارس الخوري والأمير عادل أرسلان وشاهداها لحالة عقلية تامة ولكن صحتها الجسدية ضعيفة جداً واحتجا على ما لاقته إلى مجلس النواب اللبناني.

    و من كتاباتها

    كآبة

    لقد أبصرتك تتولدين، يا وريقاتي
    العزيزة، وراقبتك تنبتين، وكنت
    صغيرة تنمين في حلة خضراء
    ناضرة هلا حدثتني: كم من قبلة
    طاهرة شهدت، وأنت على الأفنان
    أما كفاك العناق فيما بينك كلما هب
    النسيم عليك مداعباً؟ أيتها الحسودات
    الصغيرات، من عل رأيت السرور
    يمر فطلبته، ظناً منك أن السعادة على
    الأرض تقيم لكن لا، لا سعادة عندنا،
    لأن الإنسان يرسم أمانيه، ويعجز عن
    تحقيقها. وأنت أيتها الوريقات الساذجة
    التي بذلت الجهود للتخلص من العبودية
    إنك لن تظفري بما شاقك عندنا من مظاهر
    الحرية، فالتقلب في التراب، والتمرغ في
    الأوحال هو كل ما ستنالين حتى التحلل
    والاضمحلال! وأنا حزينة إذ أراك تتناثرين
    وترفرفين نحو مثواك القاسي الحزين أيها
    الإله! لماذا وضعت في عيني الإنسان هذه
    العبرات، قضيت بألا تجف ولا تنضب؟
    لماذا؟ أي مسرة أنت ملاق في النكال
    والإيلام؟ إنك لقادر ونحن ضعاف، إنك
    العظيم ونحن البائسون نحن أشرار وأنت
    كل الصلاح، أما كان الغفران أجدر برحمتك؟
    أو ما كانت ملاشاتنا أوفق لرحيب قدرتك؟
    ولكنك لم تفعل هذا أو ذاك، ونحن نشقى،
    ونحن نتعذب. نفسي اليوم حزينة، وحزنها
    قائم، واكر في الأوراق المتناثرة، وفي
    الأحياء الذين يضحكون،وفي الموتى
    الذين مضوا كأنهم لم يكونوا



    (6)



    أبو القاسم الشابي


    أبو القاسم الشابي هو ابن محمد الشابي الذي ولد عام 1269 هـ ( 1879 ) وفي سنة 1319 هـ ( 1901 ) ذهب إلى مصر وهو في الثانية والعشرين من عمره ليتلقى العلم في الجامع الأزهر في القاهرة. ومكث محمد الشابي في مصر سبع سنوات عاد بعدها إلى تونس يحمل إجازة الأزهر.

    ويبدو أن الشيخ محمد الشابي قد تزوج أثر عودته من مصر ثم رزق ابنه البكر أبا القاسم الشابي ، قضى الشيخ محمد الشابي حياته المسلكية في القضاء بالآفاق ، ففي سنة 1328 هـ / 1910 م عين قاضيا في سليانه ثم في قفصه في العام التالي ثم في قابس 1332 هـ / 1914 م ثم في جبال تالة 1335 هـ 1917 م ثم في مجاز الباب 1337 هـ / 1918 م ثم في رأس الجبل 1343 هـ 1924 م ثم انه نقل إلى بلدة زغوان 1345 هـ 1927م ومن المنتظر أن يكون الشيخ محمد نقل أسرته معه وفيها ابنه البكر أبو القاسم وهو يتنقل بين هذه البلدان ، ويبدو أن الشابي الكبير قد بقي في زغوان إلى صفر من سنة 1348 هـ – أو آخر تموز 1929 حينما مرض مرضه الأخير ورغب في العودة إلى توزر ، ولم يعش الشيخ محمد الشابي طويلاً بعد رجوعه إلى توزر فقد توفي في الثامن من أيلول – سبتمبر 1929 الموافق للثالث من ربيع الثاني 1348 هـ.

    كان الشيخ محمد الشابي رجلاً صالحاً تقياً يقضي يومه بين المسجد والمحكمة والمنزل وفي هذا الجو نشأ أبو القاسم الشابي ومن المعروف أن للشابي أخوان هما محمد الأمين وعبد الحميد أما محمد الأمين فقد ولد في عام 1917 في قابس ثم مات عنه أبوه وهو في الحادية عشر من عمره ولكنه أتم تعليمه في المدرسة الصادقية أقدم المدارس في القطر التونسي لتعليم العلوم العصرية واللغات الأجنبية وقد أصبح الأمين مدير فرع خزنة دار المدرسة الصادقية نفسها وكان الأمين الشابي أول وزير للتعليم في الوزارة الدستورية الأولى في عهد الاستقلال فتولى المنصب من عام 1956 إلى عام 1958م.

    وعرف عن الأمين أنه كان مثقفاً واسع الأفق سريع البديهة حاضر النكتة وذا اتجاه واقعي كثير التفاؤل مختلفاً في هذا عن أخيه أبي القاسم الشابي. والأخ الآخر عبد الحميد وهو لم تتوفر لدي معلومات عن حياته.
    يبدو بوضوح أن الشابي كان يعلم على أثر تخرجه في الزيتونة أو قبلها بقليل أن قلبه مريض ولكن أعراض الداء لم تظهر عليه واضحة إلا في عام 1929 وكان والده يريده أن يتزوج فلم يجد أبو القاسم الشابي للتوفيق بين رغبة والده وبين مقتضيات حالته الصحية بداً من أن يستشير طبيباً في ذلك وذهب الشابي برفقة صديقة زين العابدين السنوسي لاستشارة الدكتور محمود الماطري وهو من نطس الأطباء ، ولم يكن قد مضى على ممارسته الطب يومذاك سوى عامين وبسط الدكتور الماطري للشابي حالة مرضه وحقيقة أمر ذلك المرض غير أن الدكتور الماطري حذر الشابي على أية حال من عواقب الإجهاد الفكري والبدني وبناء على رأي الدكتور الماطري وامتثالاً لرغبة والده عزم الشاي على الزواج وعقد قرانه.

    يبدو أن الشابي كان مصاباً بالقلاب منذ نشأته وأنه كان يشكو انتفاخاً وتفتحاً في قلبه ولكن حالته ازدادت سوءاً فيما بعد بعوامل متعددة منها التطور الطبيعي للمرض بعامل الزمن والشابي كان في الأصل ضعيف البنية ومنها أحوال الحياة التي تقلّب فيها طفلاً ومنها الأحوال السيئة التي كانت تحيط بالطلاب عامة في مدارس السكنى التابعة للزيتونة. ومنها الصدمة التي تلقاها بموت محبوبتة الصغيرة ومنها فوق ذلك إهماله لنصيحة الأطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية ومنها أيضاً زواجه فيما بعد.لم يأتمر الشابي من نصيحة الأطباء إلا بترك الجري والقفز وتسلق الجبال والسياحة ولعل الألم النفساني الذي كان يدخل عليه من الإضراب عن ذلك كان أشد عليه مما لو مارس بعض أنواع الرياضة باعتدال. يقول بإحدى يومياته الخميس 16 جانفي 1930 وقد مر ببعض الضواحي : " ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية ".

    وقد وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال: " إن صدقنا أطباؤه وخاصة الحكيم الماطري قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذنية القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً ( سبيله ) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب مابين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث على وشك البلوغ ". وقد عالج الشابي الكثير من الأطباء منهم الطبيب التونسي الدكتور محمود الماطري ومنهم الطبيب الفرنسي الدكتور كالو والظاهر من حياة الشابي أن الأطباء كانوا يصفون له الإقامة في الأماكن المعتدلة المناخ. قضى الشابي صيف عام 1932 في عين دراهم مستشفياً وكان يصحبه أخوه محمد الأمين ويظهر أنه زار في ذلك الحين بلدة طبرقة برغم ما كان يعانيه من الألم ، ثم أنه عاد بعد ذلك إلى توزر وفي العام التالي اصطاف في المشروحة إحدى ضواحي قسنطينة من أرض القطر الجزائري وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة الحياة الدنيا وقد شهد الشابي بنفسه بذلك ومع مجيء الخريف عاد الشابي إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقة منها إلى توزر لقضاء الشتاء فيها. غير أن هذا التنقل بين المصايف والمشاتي لم يجد الشابي نفعاً فقد ساءت حاله في آخر عام 1933 واشتدت عليه الآلام فاضطر إلى ملازمة الفراش مدة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه ( حامة توزر ) طالباً الراحة والشفاء من مرضه المجهول وحجز الأطباء الاشتغال بالكتابة والمطالعة. وأخيراً أعيا الداء على التمريض المنزلي في الآفاق فغادر الشابي توزر إلى العاصمة في 26 أوت 1934 وبعد أن مكث بضعة أيام في أحد فنادقها وزار حمام الأنف ، أحد أماكن الاستجمام شرق مدينة تونس نصح له الأطباء بأن يذهب إلى أريانة وكان ذلك في أيلول واريانة ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وهي موصوفة بجفاف الهواء. ولكن حال الشابي ظلت تسوء وظل مرضه عند سواد الناس مجهولاً أو كالمجهول وكان الناس لا يزالون يتساءلون عن مرضه هذا : أداء السل هو أم مرض القلب؟.

    ثم أعيا مرض الشابي على عناية وتدبير فرديين فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية في اليوم الثالث من شهر أكتوبر قبل وفاته بستة أيام ويظهر من سجل المستشفى أن أبا القاسم الشابي كان مصاباً بمرض القلب.

    توفي أبو القاسم الشابي في المستشفى في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً في الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353 هـ.

    نقل جثمان الشابي في أصيل اليوم الذي توفي فيه إلى توزر ودفن فيها ، وقد نال الشابي بعد موته عناية كبيرة ففي عام 1946 تألفت في تونس لجنة لإقامة ضريح له نقل إليه باحتفال جرى يوم الجمعة في السادس عشر من جماد الثانية عام 1365هـ.


    من قصائده :

    صلوات في هيكل الحب

    عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام كاللحنِ كالصباحِ الجديدِ
    كالسماء الضحوكِ كالليلةِ القمراءِ كالوردِ كابتسامِ الوليدِ
    يا لها من وداعـةٍ وجَمالٍ وشبابٍ منعّمٍ أملودِ
    يا لَهَا من طهارةٍ تبعثُ التقديسَ في مهجة الشقيّ العنيد
    أنتِ .. ما أنتِ ؟ رسمٌ جَميلٌ عبقريٌّ من فنّ هذا الوجود
    فيك ما فيه من غموضٍ وعمقٍ وجمالٍ مقدّسٍ معبود
    أنتِ ما أنتِ؟ أنت فجرٌ من السحر تَجلّى لقلبِي المعمود
    فأراه الحياةَ في مونق الحُسن وجلّى له خفايا الخلود

    إرادة الحياة

    إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ ..... فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
    وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي ..... وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
    وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ ...... تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
    فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ ..... مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
    كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ ..... وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
    وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ ..... وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر
    إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ ..... رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر
    وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ ..... وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر





    (7)



    ابو الطيب المتنبي

    المتنبي، أبو الطيب أحمد (915-965): شاعر عربي، ولد في الكوفة ودرس فيها. هرب صغيراً من فظائع القرامطة إلى بادية الشام فأتقن العربية. بعد عودته احترف الشعر، ومدح رجال الكوفة وبغداد. تنقل بين مدن الشام يمدح شيوخ البدو والأمراء والأدباء. ولما لم يستفد من الشعر، أشعل ثورة صغيرة اختلطت فيها المبادئ السياسية بالدينية، لكن عامل الإخشيد قضى عليه وسجنه، ثم أطلق سراحه، فعاد إلى حياة التنقل والمديح. اتصل بيسيف الدولة وصار شاعره وصديقه المقرب، وعاشا معاً في بلاط سيف الدولة في حلب تسع سنوات يغدق سيف الدولة عليه المال، ويفيض المتنبي بأروع القصائد في مديحه. لكن الوشاة أفسدوا علاقتهما، فهرب إلى مصر ومدح كافور الإخشيدي، الذي لم يحقق وعده بإكرامه، فانتقل إلى العراق متنقلاً بين مدنها. قتله أحد من هجاهم قرب موقع دير العاقول. في شعره مبادئ فلسفة تشاؤمية وتعصب واضح للعروبة. تظهر فيه شخصيته قوية الأسلوب، متدفقة ومتحررة، لكنه حافظ على الصورة الشعرية المأثورة.
    ومن قصائدة
    عذل العواذل حول قلبي التائه
    عَذْلُ العَواذِلِ حَوْلَ قَلبي التّائِهِ .... وَهَوَى الأحِبّةِ مِنْهُ في سَوْدائِهِ
    يَشْكُو المَلامُ إلى اللّوائِمِ حَرَّهُ .... وَيَصُدُّ حينَ يَلُمْنَ عَنْ بُرَحائِهِ
    وبمُهْجَتي يا عَاذِلي المَلِكُ الذي .... أسخَطتُ أعذَلَ مِنكَ في إرْضائِهِ
    أتنكر يا ابن إسحق إخائي
    أتُنْكِرُ يا ابنَ إسْحَقٍ إخائي .... وتَحْسَبُ ماءَ غَيرِي من إنائي؟
    أأنْطِقُ فيكَ هُجْراً بعدَ عِلْمي ... بأنّكَ خَيرُ مَن تَحْتَ السّماءِ
    وأكْرَهُ مِن ذُبابِ السّيفِ طَعْماً ... وأمْضَى في الأمورِ منَ القَضاءِ
    أسامري ضحكة كل راء
    أسَامَرِّيُّ ضُحْكَةَ كُلّ رَاءِ .... فَطِنْتَ وَكنْتَ أغْبَى الأغْبِيَاءِ
    صَغُرْتَ عنِ المَديحِ فقلتَ أُهجَى .... أنّكَ ما صَغُرْتَ عنِ الهِجاءِ
    وَما فَكّرْتُ قَبلَكَ في مُحالٍ .... وَلا جَرّبْتُ سَيْفي في هَبَاءِ
    ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا
    ألا ما لسَيفِ الدّوْلَةِ اليَوْمَ عَاتِبَا .... فَداهُ الوَرَى أمضَى السّيُوفِ مَضَارِبَا
    وما لي إذا ما اشتَقْتُ أبصَرْتُ دونَهُ .... تَنَائِفَ لا أشْتَاقُها وَسَبَاسِبَا
    وَقد كانَ يُدْني مَجلِسِي من سَمائِهِ .... أُحادِثُ فيها بَدْرَهَا وَالكَوَاكِبَ
    الفرزدق :



    السيرة الذاتية:
    الفرزدق (641- 733) هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد، ويصل نسبه إلى مناة بن تميم، والفرزدق لقب غلب عليه ومعناه الرغيف الضخم الذي يجففه النساء للفتوت، وقيل هو القطعة من العجيبن التي تبسط فيخبز منها الرغيف، وشبه وجهه بذلك لأنه كان غليظا جهما، وكني بـ"أبي فراس".
    ولد الفرزدق في البصرة، ونشأ وعاش حياة لهو وسكر وخلاعة، ولكن الفرزدق تأثر أيضا بأهل الشعر وجو البصرة حاضرة اللغة والأدب والشعر في عصرها، ومال إلى شعر الفخر والهجاء، فلم يسلم من لسانه حتى شعراء بني قومه، وعاش متنقلا بين الخلفاء والأمراء والولاة يمدحهم، ثم لا يلبث أن يهجوهم ثم يمدحهم من جديد!
    رغم اتصاله ببني أمية إلا أن ذلك لم يخف تشيعه وحبه لآل البيت.
    عاش الفرزدق في كنف أبيه غالب الذي كان أحد سادات قومه ممن أسلم أيام النبي، وللفرزدق ثلاثة أولاد ذكور وهم: خبطة ولبطة وسبطة، أما بناته فهن خمس أو ست، وكانت علاقته بهم سيئة للغاية خاصة مع شيخوخته وعجزه.
    تميز شعر الفرزدق بالنمط البدوي ولم يتأثر بالحضر، وكان قوي الأسلوب والنظم، فصيح الألفاظ، تبدو قصيدته متراصة كالبنيان، وقد قال فيه الأخطل: "رأيت الفرزدق ينحت من صخر، وجريرا يغرف من بحر".
    وكان شعره طبيعيا، في منأى عن الصناعة والزخرف، ولذلك فقد يجيء أحيانا غريب الكلام صلب الألفاظ خشنها، لكنه يظل وثيقة تاريخية هامة في حياة العرب، والأدب العربي.
    وتحتل النقائض حيزا كبيرا من شعره، فكثير من شعره إنما هو يرد فيه على جرير أو يبادره فيفتح له بابا جديدا للرد، وقد لزم هذا المنوال حتى وفاته، وتوفي بعده جرير بستة أشهر
    ومن قصائده
    لما أجيلت سهام القوم فاقتسموا
    لمّا أُجِيلَتْ سِهامُ القَوْمِ فاقتَسَمُوا .... صَارَ المُغِيرَةُ في بيْتِ الخَفَافِيشِ
    في مَنْزلٍ ما لَهُ في سُفْلِهِ سَعَةٌ، .... وَإنْ تعرَقّى بصُعْدٍ غَيرِ مَفْرُوشِ
    إلاّ على رَأسِ جِذْعٍ باتَ يَنْقُرُهُ .... جِرْذانُ سَوْءٍ وَفَرْخٌ غَيرُ ذي رِيشٍ
    قد نال بشر منية النفس إذ غدا
    قَدْ نالَ بِشْرٌ مُنْيَةَ النّفْسِ إذْ غدا .... بِعبدَةَ مَنهاةِ المُنى ابنُ شَغافِ
    فيَا لَيْتَهُ لاقَى شَيَاطِينَ مُحْرِزٍ، .... وَمِثْلَهُمُ مِنْ نَهْشَلٍ وَمَنَافِ
    بحيثُ انحنى أنْفُ الصّليبِ وَأعرَضَتْ .... مَخارِمُ تَحتَ اللّيْلِ ذاتُ نِجافِ
    لقد كنت أحيانا صبورا فهاجني
    لَقَدْ كُنتُ أحْياناً صَبُوراً فَهاجَني .... مَشاعِفُ بالدّيرَينِ رُجْحُ الرّوادِفِ
    نَواعِمُ لمْ يَدْرِينَ ما أهْلُ صِرْمَةٍ .... عِجافغ وَلمْ يَتبَعنَ أحمالَ قائِفِ
    وَلَمْ يَدّلِجْ لَيْلاً بِهنّ مُعَزِّبٌ .... شَقيٌّ وَلمْ يَسمَعن صَوتَ العَوَازِفِ
    إذا كنت ملهوفا أصابتك نكبة
    إذا كُنْتَ مَلْهُوفاً أصَابَتكَ نَكبَةٌ .... فَنادِ، وَلا تَعْدِلْ، بِآلِ ذِرَاعِ
    سِرَاعٌ إلى المعرُوفِ وَالخَيرِ وَالنّدى .... وَلَيْسُوا إلى داعي الخَنَا بِسِرَاعِ
    كَسَوْتُ قَتودَ الرّحلِ من بعد ناقَتي ... بِأحْمَرَ مَحْبُوكِ الضّلُوعِ رَبَاعِ





    (9)


    الخنسـاء بنت عمـــرو
    شاعرة الرثاء في العصر الجاهلي
    حياتها ونشأتها:
    هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد السلمية، ولدت سنة 575 للميلاد ، لقبت بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه. عرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية ونستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والقصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما، وأيضا أثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم ؛ لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها، فتزوجت من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي، إلا أنها لم تدم طويلا معه ؛ لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله،لكنها أنجبت منه ولدا ، ثم تزوجت بعدها من ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي ، وأنجبت منه أربعة أولاد، وهم يزيد ومعاوية وعمرو وعمرة. وتعد الخنساء من المخضرمين ؛ لأنها عاشت في عصرين : عصر الجاهلية وعصر الإسلام ، وبعد ظهور الإسلام أسلمت وحسن إسلامها. ويقال : إنها توفيت سنة 664 ميلادية. (1)
    مقتل أخويها معاوية وصخر واستشهاد أولادها الأربعة :
    قتل معاوية على يد هاشم ودريد ابنا حرملة يوم حوزة الأول سنة 612 م ،فحرضت الخنساء أخاها صخر بالأخذ بثأر أخيه ، ثم قام صخر بقتل دريد قاتل أخيه. ولكن صخر أصيب بطعنة دام إثرها حولا كاملا، وكان ذلك في يوم كلاب سنة 615 م. فبكت الخنساء على أخيها صخر قبل الإسلام وبعده حتى عميت . (2) وفي الإسلام حرضت الخنساء أبناءها الأربعة على الجهاد وقد رافقتهم مع الجيش زمن عمر بن الخطاب، وهي تقول لهم : (( يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).(3) فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فأعدوا على قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها تظفروا بالغنم والكرامة في الخلد والمقامة…)).(4) ، وأصغى أبناؤها إلى كلامها، فذهبوا إلى القتال واستشهدوا جميعا، في موقعة القادسية . وعندما بلغ الخنساء خبر وفاة أبنائها لم تجزع ولم تبك ، ولكنها صبرت، فقالت قولتها المشهورة: ((الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته)). (5) ولم تحزن عليهم كحزنها على أخيها صخر ، وهذا من أثر الإسلام في النفوس المؤمنة ، فاستشهاد في الجهاد لا يعني انقطاعه وخسارته بل يعني انتقاله إلى عالم آخر هو خير له من عالم الدنيا ؛ لما فيه من النعيم والتكريم والفرح ما لا عين رأت ولا أ\ن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم ربهم " ( 6) .
    شعرهـــا وخصائصه:
    تعـد الخنساء من الشعراء المخضرمين ، تفجر شعرها بعد مقتل أخويها صخر ومعاوية ، وخصوصا أخوها صخر ، فقد كانت تحبه حبا لا يوصف ، ورثته رثاء حزينا وبالغت فيه حتى عدت أعظم شعراء الرثاء. ويغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار؛ لأنها سارت على وتيرة واحدة ، ألا وهي وتيرة الحزن والأسى وذرف الدموع ، وعاطفتها صادقة نابعة من أحاسيسها الصادقة ونلاحظ ذلك من خلال أشعارها. وهناك بعض الأقوال والآراء التي وردت عن أشعار الخنساء ومنها :
    يغلب عند علماء الشعر على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. كان بشار يقول: إنه لم تكن امرأة تقول الشعر إلا يظهر فيه ضعف، فقيل له: وهل الخنساء كذلك، فقال تلك التي غلبت الرجال.(7)
    قال نابغة الذبياني: (( الخنساء أشعر الجن والإنس)). ( فإنكان كذلك فلم لم تكن من أصحاب المعلقات ، وأظن أن في هذا القول مبالغة . أنشدت الخنساء قصيدتها التي مطلعها:
    قذى بعينيك أم بالعين عوار ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
    لنابغة الذبياني في سوق عكاظ فرد عليها قائلا : لولا أن الأعشى(أبا البصير) أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر من بالسوق . وسئل جرير عن أشعر الناس فـأجابهم: أنا، لولا الخنساء ، قيل فيم فضل شعرها عنك، قال: بقولها: (9(
    إن الزمان ومـا يفنى له عجـب أبقى لنا ذنبا واستؤصل الــرأس
    إن الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفســد النــاس(10)
    وكان الرسول r يعجبه شعرها وينشدها بقوله لها: ((هيه يا خناس ويوميء بيده)). (11(
    أتى عدي عند رسول الله r فقال له:- يا رسول الله إن فينا أشعـر الناس، وأسخى الناس وأفرس الناس. فقال له النبي r : سمِّهم فقال: فأما عن أشعر الناس فهو امرؤ القيس بن حجر، وأسخى الناس فهو حاتم بن عدي(أباه) ، وأما عن أفرس الناس فهو عمرو بن معد يكرب.(12) فقال له الرسول r:- (( ليس كما قلت يا عدي، أما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأما أسخى الناس فمحمد يعني نفسه r وأما أفرس الناس فعلي بن أبي طالب )) رضي الله عنه وأرضاه.(13)
    بعض أشعارها في الرثاء:
    تعكس أبيات الخنساء عن حزنها الأليم على أخويها وبالأخص على أخيها صخر، فقد ذكرته في أكثر أشعارها. وقد اقتطفت بعض من أشعارها التي تتعلق بالدموع والحزن، فهي في هذه القصائد تجبر عينيها على البكاء وعلى ذر ف الدموع لأخيها صخر، وكأنها تجبرهما على فعل ذلك رغما عنهما، وفي متناول أيدينا هذه القصائد :
    ألا يا عين فانهمري بغدر وفيضـي فيضـة مـن غـير نــــزر
    ولا تعدي عزاء بعد صخـر فقد غلب العزاء وعيل صبري
    لمرزئة كأن الجوف منهـا بعيد النـوم يشعــر حـــر جمـــر(14)
    في هذه الأبيات نرى أن الخنساء دائمة البكاء والحزن والألم على أخيها ولم تعد تقوى على الصبر ، ودموعها لا تجف ، فهي - دائما - منهمرة بغزارة كالمطر ، وعزاؤها لأخيها صخر مستمر.
    من حس لي الأخوين كالغصنين أو من راهما
    أخوين كالصقرين لم ير ناظر شرواهمـا
    قرميــن لا يتظالمان ولا يرام حماهـا
    أبكي على أخـوي والقبــر الذي واراهما
    لا مثل كهلي في الكهول ولا فتى كفتاهما(15)
    وهنا يظهر في أبياتها المدح والثناء لأخويها صخر ومعاوية وذكر مآثرهما، والبكاء عليهما ، وعلى القبر الذي واراهما .
    : ومن شعرها أيضا
    يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل غروب شمس
    ولولا كثرة الباكيـن حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
    وما يبكون على أخي، ولكن أعـزي النفس عنه بالتأسي
    فلا، والله، لا أنساك حتى أفارق مهجتي ويشص رمسي
    فيا لهفي عليه، ولهف نفسي أيصبح في الضريح وفيه يمسي (16)
    وفي الأبيات السابقة ، وصفت الخنساء أخاها صخر بصفتين جميلتين ؛ أولاها : طلوع الشمس ، وفيه دلالة على الشجاعة ، وثانيهما : وغروب الشمس ، وفيه دلالة على الكرم ، وأيضا تبكيه وتعزي نفسها بالتأسي عليه، وأكدت بالقسم ( فلا والله ) على أنها لن تنساه أبداً. وفي يوم من الأيام طلب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: أن صخرا كان الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أي منهما كان أسنى وأفخر ؟ فأجابتهم : بأن صخر حر الشتاء ، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أما صخر فجمر الكبد ، وأما معاوية فسقام الجسد.(17) ثم قالت:
    أسدان محمرا المخالب نجدة بحران في الزمن الغضوب الأنمر
    قمران في النادي رفيعا محتد في المجد فرعا سؤدد مخير (18)
    وعندما كانت وقعة بدر قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فكانت هند بنت عتبة ترثيهم، وتقول بأنها أعظم العرب مصيبة. وأمرت بأن تقارن مصيبتها بمصيبة الخنساء في سوق عكاظ ، وعندما أتى ذلك اليوم، سألتها الخنساء : من أنت يا أختاه؟ فأجابتها : أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك فبم تعاظمينهم أنت؟ فقالت: بأبي عمرو الشريد ، وأخي صخر ومعاوية . فبم أنت تعاظمينهم؟ قالت الخنساء: أوهم سواء عندك؟(19) ثم أنشدت هند بنت عتبة تقول:
    أبكي عميد الأبطحين كليهما ومانعها من كل باغ يريدها
    أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي وشيبة والحامي الذمار وليدها
    أولئك آل المجد من آل غالب وفي العز منها حين ينمي عديدها (20)
    فقالت الخنساء:
    أبكي أبي عمراً بعين غزيـرة قليل إذا نام الخلـي هجودها
    وصنوي لا أنسى معاوية الذي له من سراة الحرتيـن وفودها
    و صخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا بساحته الأبطال قــزم يقودها
    فذلك يا هند الرزية فاعلمي ونيران حرب حين شب وقودها (21)








    (10)



    علي محمود طه
    نبذة عن حياة
    ولد علي محمود طه في الثالث من أغسطس سنة 1901 بمدينة المنصورة عاصمة الدقهلية لأسرة من الطبقة الوسطى وقضى فيها صباه . حصل على الشهادة الابتدائية وتخرج في مدرسة الفنون التطبيقية سنة 1924م حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني . واشتغل مهندساً في الحكومة لسنوات طويلة ، إلى أن يسّر له اتصاله ببعض الساسة العمل في مجلس النواب .
    وقد عاش حياة سهلة لينة ينعم فيها بلذات الحياة كما تشتهي نفسه الحساسة الشاعرة . وأتيح له بعد صدور ديوانه الأول " الملاح التائه " عام 1934 فرصة قضاء الصيف في السياحة في أوربا يستمتع بمباهج الرحلة في البحر ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه عيناه من مناظر جميلة .
    وقد احتل علي محمود طه مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول " الملاح التائه "، وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحاً لا سيما شاعرهم لامارتين . وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه حول المنصورة وبحيرة المنزلة من أمتع قصائد الديوان وأبرزها. وتتابعت دواوين علي محمود طه بعد ذلك فصدر له : ليالي الملاح التائه (1940)- أرواح وأشباح (1942)- شرق وغرب (1942)- زهر وخمر (1943)- أغنية الرياح الأربع (1943)- الشوق العائد (1945)- وغيرها.
    وقد كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة . وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير. قال صلاح عبد الصبور في كتابه " على مشارف الخمسين ": قلت لأنور المعداوي: أريد أن أجلس إلى علي محمود طه. فقال لي أنور : إنه لا يأتي إلى هذا المقهى ولكنه يجلس في محل " جروبي " بميدان سليمان باشا. وذهبت إلى جروبي عدة مرات، واختلست النظر حتى رأيته .. هيئته ليست هيئة شاعر ولكنها هيئة عين من الأعيان . وخفت رهبة المكان فخرجت دون أن ألقاه، ولم يسعف الزمان فقد مات علي محمود طه في 17 نوفمبر سنة 1949 إثر مرض قصير لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وقمة شبابه ، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة . ورغم افتتانه الشديد بالمرأَة وسعيه وراءها إلا أنه لم يتزوج .
    وعلي محمود طه من أعلام مدرسة "أبولو" التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي.. يقول عنه أحمد حسن الزيات: كان شابّاً منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك!!
    ويرى د. سمير سرحان ود. محمد عناني أن "المفتاح لشعر هذا الشاعر هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي.. كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى - كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. كان علي محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا..
    ويعد الشاعر علي محمود طه أبرز أعلام الاتجاه الرومانسي العاطفي في الشعر العربي المعاصر ، وقد صدرت عنه عدة دراسات منها كتاب أنور المعداوي " علي محمود طه: الشاعر والإنسان " وكتاب للسيد تقي الدين " علي محمود طه، حياته وشعره " وكتاب محمد رضوان " الملاح التائه علي محمود طه "، وقد طبع ديوانه كاملاًََ في بيروت

    ومن قصائده
    فلسطين
    أَخِي ، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى ..... فَحَقَّ الجِهَادُ ، وَحَقَّ الفِـدَا
    أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَــةَ ..... مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّــؤْدَدَا ؟
    وَلَيْسُوا بِغَيْرِ صَلِيلِ السُّيُـوفِ ..... يُجِيبُونَ صَوْتَاً لَنَا أَوْ صَدَى
    فَجَرِّدْ حُسَامَكَ مِنْ غِمْــدِهِ ...... فَلَيْسَ لَـهُ، بَعْدُ ، أَنْ يُغْمَـدَا
    ميلاد شاعر
    هبط الأرض كالشعاع السنيّ ..... بعصا ساحر و قلب نبيّ
    لمحة من أشعّة الرّوح حلت ..... في تجاليد هيكل بشريّ
    ألهمت أصغريه من عالم الحكـ .... ـمه و النّور كلّ معنى سريّ
    و حبته البيان ريّا من السحـ ..... ـر به للعقول أعذب ريّ
    قلبي
    كالنّجم في خفق و في ومض .... متفرّدا بعوالم السّدم
    حيران يتبع حيرة الأرض .... و مصارع الأيّام و الأمم
    أميرة الشرق
    يا بشير المنى ، أحلم شباب ..... مرّ بالنهر ، أم غرام جديد ؟
    أم شدا الأنبياء بالضّفة الخضر .... اء أم قام للملائك عيد ؟
    مهرجان ، ممالك الشّرق فيه .... دعوات ، و فرحة و نشيد




    (11)
    إيليا أبو ماضي
    الاسم الحقيقي إيليا ضاهر أبو ماضي 1889-1957
    محل الميلاد المحيدثة ـ المتن الشمالي - لبنان
    سبب الشهرة يأتي ثالثا في شهرته بين شعراء المهجر، بعد جبران ونعيمة..
    يزخر شعر أبي ماضي بالتفاؤل والإقبال على الحياة بإسباغ الجمال على البشر والطبيعة، ويستثنى من ذلك درته الشهيرة "الطلاسم" ..
    وكمعظم المهجريين يتصف بالجرأة في التعامل مع اللغة ومع القالب العمودي الموروث .
    نشأ أبو ماضي في عائلة بسيطة الحال لذلك لم يستطع أن يدرس في قريته سوى الدروس الابتدائية البسيطة؛ فدخل مدرسة المحيدثة القائمة في جوار الكنيسة.
    عندما اشتد به الفقر في لبنان، رحل إيليا إلى مصر عام 1902 بهدف التجارة مع عمه الذي كان يمتهن تجارة التبغ، وهناك التقى بأنطون الجميل، الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين مجلة "الزهور" فأعجب بذكائه وعصاميته إعجابا شديدا ودعاه إلى الكتابة بالمجلة، فنشر أولى قصائده بالمجلة، وتوالى نشر أعماله، إلى أن جمع بواكير شعره في ديوان أطلق عليه اسم " تذكار الماضي " وقد صدر في عام 1911م عن المطبعة المصرية، وكان أبو ماضي إذ ذاك يبلغ من العمر 22 عاما.
    اتجه أبو ماضي إلى نظم الشعر في الموضوعات الوطنية والسياسية، فلم يسلم من مطاردة السلطات، فاضطر للهجرة إلى أمريكا عام 1912 حيث استقر أولا في مدينة " سنسناتي " بولاية أوهايو حيث أقام فيها مدة أربع سنوات عمل فيها بالتجارة مع أخيه البكر مراد، ثم رحل إلى نيويورك وفي "بروكلين"، شارك في تأسيس ******* القلمية في الولايات المتحدة الأمريكية مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.
    أصدر مجلة " السمير" عام 1929م، التي تعد مصدراً أولياً لأدب إيليا أبي ماضي، كما تعد مصدراً أساسياً من مصادر الأدب المهجري، حيث نشر فيها معظم أدباء المهجر، وبخاصة أدباء المهجر الشمالي كثيراً من إنتاجهم الأدبي شعراً ونثراً.
    واستمرت في الصدور حتى وفاة الشاعر عام 1957م .
    يعتبر إيليا من الشعراء المهجريين الذين تفرغوا للأدب والصحافة، ويلاحظ غلبة الاتجاه الإنساني على سائر أشعاره، ولاسيما الشعر الذي قاله في ظل ******* القلمية وتأثر فيه بمدرسة جبران.
    أهم الأعمال دواوين: (تذكار الماضي)، (إيليا أبو ماضي)، (الجداول)، (الخمائل)، (تبر وتر اب)

    ومن قصائد :
    قال السماء كئيبة وتجهما
    قال السماء كئيبة ! وتجهما ...... قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما !
    قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتــسم ..... لن يرجع الأسف الصبا المتصرما !!
    قال: التي كانت سمائي في الهوى ..... صارت لنفسي في الغرام جــهنما
    خانت عــــهودي بعدما ملكـتها ..... قلبي , فكيف أطيق أن أتبســما !
    كن بلسما
    كـن بـلـسماً إن صار دهرك أرقما ..... وحـلاوة إن صـار غـيـرك عـلـقما
    إن الـحـيـاة حـبـتـك كـلَّ كـنـوزهـا .... لا تـبخلنَّ على الحياة ببعض ما ..
    أحـسـنْ وإن لـم تـجـزَ حـتى بالثنا ...... أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى ؟
    العيون السود
    ليت الذي خلق العـــيون الســـودا .... خــلق القلـوب الخــافقات حديدا
    لولا نواعــسـهـا ولولا سـحــرها ..... ما ود مـالك قـلبه لو صــــيدا
    عَـــوذْ فــؤادك من نبال لحـاضها ..... أو مـتْ كمـــا شاء الغرام شهيدا
    إن أنت أبصرت الجمال ولم تهـــــم .... كنت امرءاً خشن الطباع ، بـليــدا
    الدمعة الخرساء
    سمعت عول النائحات عشية .... في الحيّ يبتعث الأسى و يثير
    يبكين في جنح الظلام صبيّة .... إنّ البكاء على الشباب مرير
    فتجهّمت و تلفّتت مرتاعة ..... كالظبي أيقن أنّه مأسور
    و تحيّرت في مقلتيها دمعة .... خرساء لا تهمي و ليس تغور



    (12)


    ديوان أبي نواس (1 )
    المقدمة : نبذة للتعريف
    هو الحسن بن هانينويكنى أبا علي، ولد في الأهواز سنة 139 هـ و توفي سنة 190 هـن و قيل إن أباه ، واسمه هاني ، كان في دمشق، من جند مروان الجعدي، آخر خلفاء بني أمية،وأمه فارسية ،وإسمها جلبان ( بضم الجيم) . و حين آلت الخلافة إللا بني العباس ، بعد هزيمة مروان في معركة الزاب الأعلى، انتقلت أسرة الشاعر إلى البصرة ،والطفل أبو نواس في الثانية من عمره،وقيل في السادسة،و ما لبث أن مات أبوه ، لفأسلمته أمه إلى الكتاب ، ثم إلى عطار يعمل عنده أجيرا ، يبري عيدان الطيب. ولما ترعرع خرج إلى الأهواز ، وفيها اتصل حبله ،بوالبة بن الحباب أحد الشعراء اللامعين في ميدان الخلاعة و التهتك،فعني به والبةأي عناية،إذ عمل على تأديبه و تخريجه. و عندما توفي والبة تلقفه شيخ من شيوخ اللغة و الأدب و الشعر، هو خلف الأحمر، فأخذ شاعرنا عنه كثيرا من من علمه وإدبه، وكان له منه زاد ثقافي كبير ن حتى أنه لم يسمح له بقول الشعر حتى يحفظ جملة صالحة من أشعار العربن و يقال:إن أبا نواس كلما أعلن عن حفظه لما كلفه به، كان خلف يطلب إليه نسيانها، و في هذا لون رفيع من ألوان التعليم، حتى لا يقع هذا الشاعر الناشىء في ربقة من سبقه من الشعراء المتقدمينن و قد روي عن أبي نواس قوله :" ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء و ليلى الأخيليةن فما ظنكم بالرجال؟"
    و ما كاد أبو نواس يبلغ الثلاثين ، حتى ملك ناصية اللغة و الأدب، و أطل على العلوم الإسلامية المختلفة، من فقه و حديث ، و معرفة بأحكام القرآن ، وبصر بناسخه و منسوخه ن و محكمه و متشابهه ، و ما أن تم لابن هاني هذا القدر من المعرفة ن حتى طمح ببصره إلى بغداد ، عاصمة الخلافة، ومحط آمال الشعراء
    من شعره بحرف الهمزة
    لتلك أبكي
    دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
    صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسها حجر مسته ســراء
    من كف ذات حر في زي ذي ذكر لها محبان لوطي وزنـــــــاء
    قامنت بإبريقها،و الليل معتكـــر فلاح من وجهها في البيت لألاء
    فأرسلت من فم الإبريق صافية كأنما أخذها بالعين إعفــــــاء
    رقت عن الماء حتى ما يلائمها لطاقة،وجفا عن شكلها الماء
    فلو مزجت بها نورا لماجزهــا حتى تولــد أنوار و أضــــــــوء
    دارت على فتية دان الزمان لهم فـا يصيــــبهم إلا بما شاؤوا
    لتلك أبكي ، ولا أبكي لمنزلــــــة كانت تحل بها هند و أسمــاء

    اعتذرت إليه

    بنفسي من أمسيت طوع يديه، أبنت ودي فهنت عليه
    إذا جاء ذنبا لم يرم منه مخلصا وإن أنا أذنبت اعتذرت إليه
    عقوبته عندي هي الصفح كلما أساء،وذنبي لا يقال لديه
    وإني،وإن عرضت نفسي للهوى كمبتحث عن حتفه بـيديه





    (13 )




    نبذة عن حياة الشاعر
    أحمد شوقي

    أحمد شوقي.. أمير الشعراء
    كان الشعر العربي على موعد مع القدر ، ينتظر من يأخذ بيده ، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة ، وتعيد له الدماء في الأوصال ، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن ، خامل الحركة ، كليل البصر .

    وشاء الله أن يكون " البارودي " هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي ، ويلبسه أثوابًا قشيبة ، زاهية اللون ، بديعة الشكل والصورة ، ويوصله بماضيه التليد ، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية .

    ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره - وإن كان له فضل السبق والريادة - فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها ، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال : إسماعيل صبري ، وحافظ إبراهيم ، وأحمد محرم ، وأحمد نسيم ، وأحمد الكاشف ، وعبد الحليم المصري . وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضي واختيار ، فقد ملأ الدنيا بشعره ، وشغل الناس ، وأشجى القلوب .



    المولد والنشأة



    ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة في (20 من رجب 1287 هـ = 16 من أكتوبر 1870م) لأب شركسي وأم من أصول يونانية ، وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل ، وعلى جانب من الغنى والثراء ، فتكفلت بتربية حفيدها ونشأ معها في القصر ، ولما بلغ الرابعة من عمره التحق بكُتّاب الشيخ صالح ، فحفظ قدرًا من القرآن وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة ، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية، وأظهر فيها نبوغًا واضحًا كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة ، وانكب على دواوين فحول الشعراء حفظًا واستظهارًا ، فبدأ الشعر يجري على لسانه .

    وبعد أن أنهى تعليمه بالمدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره التحق بمدرسة الحقوق سنة (1303هـ = 1885م) ، وانتسب إلى قسم الترجمة الذي قد أنشئ بها حديثًا ، وفي هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ " محمد البسيوني " ، ورأى فيه مشروع شاعر كبير، فشجّعه ، وكان الشيخ بسيوني يُدّرس البلاغة في مدرسة الحقوق ويُنظِّم الشعر في مدح الخديوي توفيق في المناسبات ، وبلغ من إعجابه بموهبة تلميذه أنه كان يعرض عليه قصائده قبل أن ينشرها في جريدة الوقائع المصرية ، وأنه أثنى عليه في حضرة الخديوي ، وأفهمه أنه جدير بالرعاية ، وهو ما جعل الخديوي يدعوه لمقابلته .




    السفر إلى فرنسا
    وبعد عامين من الدراسة تخرّج من المدرسة ، والتحق بقصر الخديوي توفيق ، الذي ما لبث أن أرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا ، فالتحق بجامعة " مونبلييه " لمدة عامين لدراسة القانون، ثم انتقل إلى جامعة باريس لاستكمال دراسته حتى حصل على إجازة الحقوق سنة (1311هـ = 1893م) ، ثم مكث أربعة أشهر قبل أن يغادر فرنسا في دراسة الأدب الفرنسي دراسة جيدة ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعر .

    العودة إلى مصر
    عاد شوقي إلى مصر فوجد الخديوي عباس حلمي يجلس على عرش مصر ، فعيّنه بقسم الترجمة في القصر ، ثم ما لم لبث أن توثَّقت علاقته بالخديوي الذي رأى في شعره عونًا له في صراعه مع الإنجليز ، فقرَّبه إليه بعد أن ارتفعت منزلته عنده ، وخصَّه الشاعر العظيم بمدائحه في غدوه ورواحه ، وظل شوقي يعمل في القصر حتى خلع الإنجليز عباس الثاني عن عرش مصر ، وأعلنوا الحماية عليها سنة (1941م) ، وولّوا حسين كامل سلطنة مصر ، وطلبوا من الشاعر مغادرة البلاد ، فاختار النفي إلى برشلونة في أسبانيا ، وأقام مع أسرته في دار جميلة تطل على البحر المتوسط .

    شعره في هذه الفترة
    ودار شعر شوقي في هذه الفترة التي سبقت نفيه حول المديح ؛ حيث غمر الخديوي عباس حلمي بمدائحه والدفاع عنه ، وهجاء أعدائه ، ولم يترك مناسبة إلا قدَّم فيها مدحه وتهنئته له ، منذ أن جلس على عرش مصر حتى خُلع من الحكم ، ويمتلئ الديوان بقصائد كثيرة من هذا الغرض .

    ووقف شوقي مع الخديوي عباس حلمي في صراعه مع الإنجليز ومع من يوالونهم ، لا نقمة على المحتلين فحسب ، بل رعاية ودفاعًا عن ولي نعمته كذلك ، فهاجم رياض باشا رئيس النُظّار حين ألقى خطابًا أثنى فيه على الإنجليز وأشاد بفضلهم على مصر ، وقد هجاه شوقي بقصيدة عنيفة جاء فيها :
    غمرت القوم إطراءً وحمدًا @@@ وهم غمروك بالنعم الجسام
    خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا @@@ أضيف إلى مصائبنا العظام
    لهجت بالاحتلال وما أتاه @@@ وجرحك منه لو أحسست دام
    وبلغ من تشيعه للقصر وارتباطه بالخديوي أنه ذمَّ أحمد عرابي وهجاه بقصيدة موجعة ، ولم يرث صديقه مصطفى كامل إلا بعد فترة ، وكانت قد انقطعت علاقته بالخديوي بعد أن رفع الأخير يده عن مساندة الحركة الوطنية بعد سياسة الوفاق بين الإنجليز والقصر الملكي ؛ ولذلك تأخر رثاء شوقي بعد أن استوثق من عدم إغضاب الخديوي ، وجاء رثاؤه لمصطفى كامل شديد اللوعة صادق الأحزان ، قوي الرنين ، بديع السبك والنظم، وإن خلت قصيدته من الحديث عن زعامة مصطفى كامل وجهاده ضد المستعمر ، ومطلع القصيدة :
    المشرقان عليك ينتحبان @@@ قاصيهما في مأتم والدان
    يا خادم الإسلام أجر مجاهد @@@ في الله من خلد ومن رضوان
    لمّا نُعيت إلى الحجاز مشى الأسى @@@ في الزائرين وروّع الحرمان
    وارتبط شوقي بدولة الخلافة العثمانية ارتباطًا وثيقًا ، وكانت مصر تابعة لها، فأكثر من مدح سلطانها عبد الحميد الثاني ؛ داعيًا المسلمين إلى الالتفات حولها ؛ لأنها ******* التي تربطهم وتشد من أزرهم ، فيقول :
    أما الخلافة فهي حائط بيتكم @@@ حتى يبين الحشر عن أهواله
    لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم @@@ فمصيبة الإسلام من جهالة
    ولما انتصرت الدولة العثمانية في حربها مع اليونان سنة (1315هـ = 1987م) كتب مطولة عظيمة بعنوان " صدى الحرب " ، أشاد فيها بانتصارات السلطان العثماني ، واستهلها بقوله :
    بسيفك يعلو والحق أغلب @@@ وينصر دين الله أيان تضرب

    وهي مطولة تشبه الملاحم ، وقد قسمها إلى أجزاء كأنها الأناشيد في ملحمة ، فجزء تحت عنوان " أبوة أمير المؤمنين " ، وآخر عن " الجلوس الأسعد " ، وثالث بعنوان " حلم عظيم وبطش أعظم " . ويبكي سقوط عبد الحميد الثاني في انقلاب قام به جماعة الاتحاد والترقي ، فينظم رائعة من روائعه العثمانية التي بعنوان " الانقلاب العثماني وسقوط السلطان عبد الحميد " ، وقد استهلها بقوله :
    سل يلدزا ذات القصور @@@ هل جاءها نبأ البدور
    لو تستطيع إجابة @@@ لبكتك بالدمع الغزير

    ولم تكن صلة شوقي بالترك صلة رحم ولا ممالأة لأميره فحسب ، وإنما كانت صلة في الله ، فقد كان السلطان العثماني خليفة المسلمين ، ووجوده يكفل وحدة البلاد الإسلامية ويلم شتاتها ، ولم يكن هذا إيمان شوقي وحده ، بل كان إيمان كثير من الزعماء المصريين .

    وفي هذه الفترة نظم إسلامياته الرائعة ، وتعد قصائده في مدح الرسول - r - من أبدع شعره قوة في النظم ، وصدقًا في العاطفة، وجمالاً في التصوير ، وتجديدًا في الموضوع ، ومن أشهر قصائده " نهج البردة " التي عارض فيها البوصيري في بردته ، وحسبك أن يعجب بها شيخ الجامع الأزهر آنذاك محدث العصر الشيخ " سليم البشري " فينهض لشرحها وبيانها . يقول في مطلع القصيدة :
    ريم على القاع بين البان والعلم @@@ أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
    ومن أبياتها في الرد على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف :
    قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا @@@ لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
    جهل وتضليل أحلام وسفسطة @@@ فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
    ويلحق بنهج البردة قصائد أخرى ، مثل : الهمزية النبوية ، وهي معارضة أيضًا للبوصيري ، وقصيدة ذكرى المولد التي مطلعها :
    سلوا قلبي غداة سلا وتابا @@@ لعل على الجمال له عتابًا

    كما اتجه شوقي إلى الحكاية على لسان الحيوان ، وبدأ في نظم هذا الجنس الأدبي منذ أن كان طالبًا في فرنسا ؛ ليتخذ منه وسيلة فنية يبث من خلالها نوازعه الأخلاقية والوطنية والاجتماعية ، ويوقظ الإحساس بين مواطنيه بمآسي الاستعمار ومكائده .

    وقد صاغ شوقي هذه الحكايات بأسلوب سهل جذاب ، وبلغ عدد تلك الحكايات 56 حكاية ، نُشرت أول واحدة منها في جريدة " الأهرام " سنة (1310هـ = 1892م ) ، وكانت بعنوان " الهندي والدجاج " ، وفيها يرمز بالهندي لقوات الاحتلال وبالدجاج لمصر .

    النفي إلى أسبانيا
    وفي الفترة التي قضاها شوقي في أسبانيا تعلم لغتها ، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ ، خاصة تاريخ الأندلس ، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية ، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في اشبيلية وقرطبة وغرناطة .

    وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته " دول العرب وعظماء الإسلام " ، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة ، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة ، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي ، وقد نُشرت بعد وفاته .
    وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه . ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه ، وظفر الشعر العربي


    يتبع




    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  2. #2

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     
    بقصائد تعد من روائع الشعر صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير ، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان " الرحلة إلى الأندلس " ، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى ، ومطلعها :
    صنت نفسي عما يدنس نفسي @@@ وترفعت عن جدا كل جبس

    وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها ، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها ، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها ، ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه إلى مصر قوله :
    أحرام على بلابله الدوح @@@ حلال للطير من كل جنس
    وطني لو شُغلت بالخلد عنه @@@ نازعتني إليه في الخلد نفسي
    شهد الله لم يغب عن جفوني @@@ شخصه ساعة ولم يخل حسي

    العودة إلى الوطن
    عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339 هـ = 1920م ) ، و استقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته ، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير " حافظ إبراهيم " ، وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة 1919 م ، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء ، فمال شوقي إلى جانب الشعب ، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم ، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال .

    لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته ، وخرج من القفص الذهبي ، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين ، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم ، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن ، يصيح فيهم قائلاً :
    إلام الخلف بينكم إلاما ؟ @@@ وهذي الضجة الكبرى علاما ؟
    وفيم يكيد بعضكم لبعض @@@ وتبدون العداوة والخصاما ؟
    وأين الفوز ؟ لا مصر استقرت @@@ على حال ولا السودان داما

    ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر ، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول . ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ آمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة ، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر ؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح ، فنظم قصيدة رائعة مطلعها :
    قفي يا أخت يوشع خبرينا @@@ أحاديث القرون الغابرينا
    وقصي من مصارعهم علينا @@@ ومن دولاتهم ما تعلمينا

    وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في " نكبة دمشق " وفي " نكبة بيروت " وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها ، ومن أبدع شعره قصيدته في " نكبة دمشق " التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي، ومنها :
    بني سوريّة اطرحوا الأماني @@@ وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
    وقفتم بين موت أو حياة @@@ فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
    وللأوطان في دم كل حرٍّ @@@ يد سلفت ودين مستحقُّ
    وللحرية الحمراء باب @@@ بكل يد مضرجة يُدَقُّ

    ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية ، فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي ، وتقوية الأواصر بين شعوبه ، حتى إذا أعلن " مصطفى كمال أتاتورك " إلغاء الخلافة سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة ، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية مطلعها :
    عادت أغاني العرس رجع نواح @@@ ونعيت بين معالم الأفراح
    كُفنت في ليل الزفاف بثوبه @@@ ودفنت عند تبلج الإصباح
    ضجت عليك مآذن ومنابر @@@ وبكت عليك ممالك ونواح
    الهند والهة ومصر حزينة @@@ تبكي عليك بمدمع سحَّاح

    إمارة الشعر
    أصبح شوقي بعد عودته شاعر الأمة المُعبر عن قضاياها ، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره ، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية ، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة ( 1346هـ = 1927م ) في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه "الشوقيات " . وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه ، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً :
    بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي @@@ بشعر أمير الدولتين ورجِّعي
    أعيدي على الأسماع ما غردت به @@@ براعة شوقي في ابتداء ومقطع
    أمير القوافي قد أتيت مبايعًا @@@ وهذي وفود الشرق قد بايعت معي




    مسرحيات شوقي


    أحمد شوقي و سعد زغلول
    بلغ أحمد شوقي قمة مجده ، وأحس أنه قد حقق كل أمانيه بعد أن بايعه شعراء العرب بإمارة الشعر ، فبدأ يتجه إلى فن المسرحية الشعرية ، وكان قد بدأ في ذلك أثناء إقامته في فرنسا لكنه عدل عنه إلى فن القصيد .
    وأخذ ينشر على الناس مسرحياته الشعرية الرائعة ، استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم ، وهما : " مصرع كليوباترا " و " قمبيز " ، والأولى منهما هي أولى مسرحياته ظهورً ، وواحدة من التاريخ الإسلامي هي " مجنون ليلى " ، ومثلها من التاريخ العربي القديم هي " عنترة " ، وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي " علي بك الكبير " ، وله مسرحيتان هزليتان، هما : " الست هدي " ، و " البخيلة " .

    ولأمر غير معلوم كتب مسرحية " أميرة الأندلس " نثرًا ، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد .

    وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته ، وضعف الطابع الدرامي ، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار ، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية ، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث .


    مكانة شوقي
    منح الله شوقي موهبة شعرية فذة ، وبديهة سيالة ، لا يجد عناء في نظم القصيدة ، فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول ، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه ، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره ؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية ؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت ، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث .

    وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب ، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره ، وصحب كبار شعرائه ، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب ، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم ، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ ، وتدل رائعته الكبرى " كبار الحوادث في وادي النيل " التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمة وحديثه .

    وكان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع ، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء .

    وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الإطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها ، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة .

    وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل ، ووصف وحكمة ، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي ، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية ، مثل : " عذراء الهند " ، ورواية " لادياس " ، و "ورقة الآس " ، و"أسواق الذهب"، وقد حاكى فيه كتاب " أطواق الذهب " للزمخشري ، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة .

    وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه " الشوقيات " ، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه ، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه " الشوقيات المجهولة " .

    وفاته
    ظل شوقي محل تقدير الناس وموضع إعجابهم ولسان حالهم، حتى إن الموت فاجأه بعد فراغه من نظم قصيدة طويلة يحيي بها مشروع القرش الذي نهض به شباب مصر ، وفاضت روحه الكريمة في ( 13 من جمادى الآخرة = 14 من أكتوبر 1932م ) .
    (14 )


    (14)
    جبران خليل جبران

    نبي عصره، المجنون، الثائر، المتمرد والحكيم.. جبران خليل جبران، عبقري من بلادنا. نشأ في ظلال الأرز، وانطلق الى العالم محملاً بروحانية أرضه وأوجاع أهلها، فحمله إبداعه الى عرش مجد لم يرتقه سوى قلائل من العباقرة.


    طفولة وغربة

    أبصر جبران خليل جبران النور في بشري في 6 كانون الثاني 1883، وهو الولد البكر لخليل جبران ولكاملة رحمة في زيجتها الثالثة وشقيق بطرس (أخوه من أمه) ومريانا وسلطانة. ترعرع في بشري مدللاً في طفولته، وتلقى في مدرسة الخوري جرمانوس التابعة لدير مار ليشاع، أوليّات السريانية والعربية. تفتح هذا الصبي المدلل على مجتمع مرهق بالتناقضات وتفاعلت في أعماقه عوامل عدة: التربية الدينية، روعة الطبيعة الشمالية وجمالات غابة الأرز الخلابة، وبطولات أسرته الجبرانية المعاندة في رفضها النظام المتصرفي والهوية العثمانية. عرف جبران منذ تفتحه، مرارة أجداده ومعاناتهم وهجرتهم الى الأميركيتين وأوستراليا إثر نفي يوسف بك كرم، فقد تعرضوا للمداهمات المتلاحقة، والتي أدّت إحداها الى سجن والده وهو في الثامنة من عمره، ومصادرة جيوش المتصرف منزل الأسرة العريق وأملاكها. في التاسعة من عمره سقط عن صخرة عالية بالقرب من دير مار ليشاع فانكسر عظم كتفه وصلب على خشبة بضعة أشهر ليلتحم العظم (يجبّر) ، فاكتشف في ذاته معنى الصلب الذي عرفه مشهدياً في طقوس الصوم وأسبوع الآلام. والكسر أودع يده اليمنى ضعفاً لازمه طيلة حياته ودفعه لاقتناء عصاً نراها في صوره ولا تزال في محفوظاته. عندما بلغ جبران الحادية عشرة من عمره خرج الوالد من السجن وكان الجوع يهدد أسرته، الأمر الذي دفعها الى عبور حدود لبنان المتصرفية، فأقلعت في 25حزيران 1895 من مرفأ بيروت متجهة صوب الولايات المتحدة الأميركية وتحديداً الى بوسطن حيث الطموح البعيد.

    الفتى الموهوب

    إلتحق جبران في أوليفربليس بمدرسة الغرباء التي لم تقبله إلا عاماً واحداً، وخلاله اكتشفت المدرّسة جسّي فرمونت بل موهبته في فن الرسم، فبعثت رسالة الى النهضة الأدبية والفنية في بوسطن فردهو لند داي، تعرفه بالفتى الموهوب مختصرة إسمه فيها بخليل جبران، فتولى الأخير التعريف به في أميركا. في الوقت الذي كانت فيه الأسرة تعمل بجد لتحصيل لقمة العيش من خلال الخدمة في البيوت وبيع الأنسجة اليدوية التي تحيكها مريانا ومن الدكان الصغير الذي اقتناه شقيقه بطرس، كان جبران بصحبة قلمه الفحمي الملون يرسم تمثال "الباخوسيات" ويقرأ بشغف ما يقدمه له داي الشغوف بالنماذج الشرقية والذي تعرّف إليه في 9 كانون الأول 1896، فكان هذا اللقاء فاتحة المستقبل المشرق للعبقري اللبناني، فقد تفجّرت طاقاته مع دواوين الشعر الإنكليزي ومعاجم الميثولوجيات التي قدمها له داي، الذي سهّل له التعرّف الى نخبة البيئة البوسطينية وأيقظ في أقلامه حس استنطاق بواطن الكتب، وتجسيدها في رسوم كان لها دور في شهرته. الإنطلاقة الأولى كانت في 8آذار، في معرض صور فوتوغرافية لداي حيث تعرّف على جميلة بوسطن الشاعرة العميقة الثقافة جوزفين برستون بيبادي. وشجعه داي على رسمها فرسمها وكانت نموذجاً لعديد من حالات إلهاماته. التفتح على شيء يشمل كل طاقاته: الحب، الرسم، القراءة الكثيفة، التأمل، التحوّل، تبدل المفاهيم الدينية باتجاه الميثولوجيا المقارنة بين المجتمعات، الغربة، الوطن مسؤولية حياة يعيشها على حساب أسرته... كل ذلك ساهم في نمو الشاعر الضبابي الذي يشد وراءه واقعاً تعبيرياً محدوداً، أما المفتاح فضائع بين الصراعات التي يعيشها وقد اكتشفها داي ووالدة جبران، فنظّما سفره الى لبنان ليتعلم العربية. بين مدرسة الحكمة في ولاية بيروت وبشري لبنان المتصرفية مع والده، يكتشف جبران جرح الوطن وحواجز العبور فينمو في داخله التمرد والعنف. وفي مدرسة الحكمة، اكتشف فيه استاذه في العربية الخوري يوسف الحداد نفساً وثابة وعقلاً متمرداً وعيناً هازئة بكل ما تقع عليه. ولم تطل الأيام حتى بدأ يجد طريقه الفكري، فراح يكتب مقالات ينقحها الخوري الحداد لتنشر في مجلة"النهضة".

    جبران والحب

    رافق جبران في هذه المحطة نخبة كانوا روّاد التجديد في الشعر والرسم والنحت والسياسة أمثال بشارة الخوري والأخطل الصغير ويوسف الحويك، إذ جمعتهم مدرسة الحكمة. في النصف الثاني من هذه المحطة عرف في كيانه حباً جارفاً نحو سلطانة تابت وهي أرملة، توفيت ووفاتها عمّقت في نفسه معنى التجلّد والصلب الداخلي مجدداً. عواطفه ونزواته ومخيلته، كانت سابقة لعقله ومعرفته، وقد أدرك هذا التفاوت فيه. وسط هذا الصراع الداخلي، بلغه خبر وفاة أخته سلطانة، فحمله ليحط في بوسطن في أوائل نيسان 1902. وبعد وفاة سلطانة بالسل ودّع جبران أخاه بطرس بالداء نفسه ومن ثم والدته بداء السرطان، وكان كل ذلك في فترة لا تتجاوز السنة، فكانت الأقدار الموجعة عاملاً إضافياً في تفجير عبقريته. بعد حبه الأول، حب آخر جعل عاطفته أسراً جديداً، إنه حبه لجوزفين. مع هذه المرأة أدرك جبران أن الجمال والعذوبة والشاعرية والصبا ليست الحب. وأدرك أن عليه أن يجد جبران الرجل في نقيضه جبران العاطفي. وكانت تلك التجربة المدخل الى مقالات "دمعة وابتسامة" التي نشرت في "المهاجر" لصاحبها أمين الغريب بمعدل مقالين في الأسبوع. حاول داي مرة جديدة تحريره من صراعاته، فكان وراء رحلته الى الشرق مواكباً أسرة أميركية في جولة شملت مصر وفلسطين وبيروت. وبعين المنكوب المصارع يقرأ مرة أخرى القدر جاثماً على صدر مهبط الحضارات الأولى. معرضه الأول الذي دفعه داي لاقامته في محترفه، ساعده على تحقيقه كل الأصدقاء وبينهم جوزفين وحبيبها ليونيل ماركس بروفسور الفيزياء في هارفورد الذي طلب من صديقته القديمة ماري هاسكل بإصرار أن تزور المعرض... فكانت قصة جديدة ومرحلة جديدة في حياته. تعرف جبران على ماري هاسكل عام 1904، فكانت بالنسبة له السيدة الكريمة التي تعهدت انماء فنه ومواهبه. فقد اكتشفت فيه فناناً كبيراً، وعرفت أن مستوى الفن في بوسطن ليس بقدر طموحه، فدفعته في إتجاه الأكاديمي جوليان في باريس عاصمة الإبداع، متعهدة نفقاته سنتين وأربعة أشهر 1910-1908)) وحفزته أيضاً على الكتابة باللغة الإنكليزية، فكانت تنقّح أكثر مؤلفاته الأولى بهذه اللغة، خصوصاً "المجنون" و"السابق" و"النبي". جمعت ماري هاسكل بجبران قصة حب كتبت على ستة آلاف صفحة من الرسائل والكتابات اليومية، وامتدت بين العام 1908 والعام 1926 تاريخ زواجها من رجل آخر. كانت عوائق الزواج بين جبران وهاسكل كثيرة، فهي تشكو في مذكراتها من كبر سنها بالنسبة إليه (10سنوات) ومن بشاعتها، كما ان وضعه المادي لم يكن مؤاتياً، وأدرك جبران أن عليه أن يرسم للحب هدفاً أبعد منه ويحرره من قيود الزواج. وكان لجبران علاقة حب عبر المسافات جمعته بالشاعرة مي زيادة التي كانت تعيش في القاهرة، وبدأت تراسله الى نيويورك منذ العام 1912 ولغاية آذار 1931، أي قبل وفاته بنحو نصف الشهر. تضمنت الرسائل المتبادلة بينهما دراسات حول مؤلفات جبران وآفاق الحركة الثقافية في نيويورك ومصر. ولا تخلو هذه الرسائل في العديد من صفحاتها من العتوبة والملامة التي يتداولها العشّاق ومن تلميح الى الحب وتصريح به، غير أن هذا الحب ظل من دون لقاء. أما سلمى كرامة فهي شخص ابتكره جبران ابتكاراً، وعندما حلل طبيعة هذا الشخص لماري هاسكل قال:"سلمى كرامة نصفها "بياتريس" ونصفها "فرانشيسكا". ولكنه لا ينفي اختباره للأحداث الواردة في قصة الأجنحة المتكسرة.

    من قصائده :


    قبس بدا من جانب الصحراء


    قبس بدا من جانب الصحراء ..... هل عاد عهد الوحي في سيناء
    أرنو إلى الطور الأشم فأجتلي .... إيماض برق واضح الإيماء
    حيث الغمامة والكليم مروع .... أرست وقوراً أيما إرساء

    لبنان في أسمى المعاني لم يزل


    لبنان في أسمى المعاني لم يزل ..... لأولي القرائح مصدر الإيحاء
    جبل أناف على الجبال بمجده ..... وأناف شاعره على الشعراء
    يا أكرم الإخوان قد أعجزتني .... عن أن أجيب بما يشاء وفائي

    وليلة رائقة البهاء



    وليلة رائقة البهاء ..... مشوبة الظلام بالضياء
    أشبه بالجارية الغراء ..... في حلة شفافة سوداء
    باد جمالها على الخفاء .... سكرى من النسيم والأنداء
    جرت الفلك على الدأماء .... خافقة الفؤاد بالرجاء
    خفيفة كالظل في الإسراء .... تبدي افترارا في ثغور الماء

    صفت السماء فخالفت من عهدها



    صفت السماء فخالفت من عهدها ..... والفصل للأمطار والأنواء
    شفافة يبدي جميل نقائها .... ما في ضميرك من جميل نقاء
    جادت عليك بشمسها وكأنها .... لك تستقل جلالة الإهداء




    (15)


    محمود درويش


    "لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.

    والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.

    مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري
    في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره.

    في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة".

    ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه.

    وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:
    "قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت".

    هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.

    وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.
    إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة

    وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967.

    ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان.

    وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.

    هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.
    يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة(مديح الظل العالي)) فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة.

    وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.

    وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا".

    كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

    من قصائده


    قطار الساعة الواحدة


    رجل و امرأة يفترقان
    ينفضان الورد عن قلبيهما ،
    ينكسران .
    يخرج الظلّ من الظلّ
    يصيران ثلاثة :
    رجلا
    و امرأة
    و الوقت ...
    لا يأتي القطار
    فيعودان إلى المقهى
    يقولان كلاما آخرا ،
    ينسجمان
    و يحبّان بزوغ الفجر من أوتار جيتار
    و لا يفترقان ...
    .. و تلفت أجيل الطرف في ساحات هذا القلب .
    ناداني زقاق ورفاق يدخلون القبو و النسيان في مدريد .
    لا أنسى من المرأة إلّا وجهها أو فرحي ...
    أنساك أنساك و أنساك كثيرا
    لو تأخّرنا قليلا
    عن قطار الواحدة .
    لو جلسنا ساعة في المطعم الصيني ،
    لو مرّت طيور عائدة .
    لو قرأنا صحف الليل
    لكنّا
    رجلا و امرأة يلتقيان ...


    ************

    خطب الديكتاتور الموزونة



    خطـاب الجلوس :
    أمى ومن مذهبى،
    سأختار شعبى سياجا لمملكتي ورصيفُا
    لكل فتى امرأة
    فأحبوا النساء ، ولا تضربوهن إن مسهن الحرام
    ومن يستحق المرور أمام حدائق قصري . .
    سأختار أصلحكم للبقاء . .
    لما فات من دول مزقتها الزوابع !
    يا شعب .. شا شعبى " الحر فاحرس هوائي
    وسرب الذباب وغيم الغبار.
    فتبا لهذا الفساد وتبا لبؤس العباد الثكالى
    وتبًا لوحل الشوارع ..
    فمن كان منكم بلا علة .. فهو حارس كلبى،
    ومن كان منكم طبيبا ..أعينه
    سائسا لحصاني الجديد.
    ومن كان منكم أديبا .. أعينه حاملا لاتجاه
    النشيد و من كان منكم حكيمًا ..أعينه مستشارا
    لصك النقود .
    ومن كان منكم وسيمًا ..أعينه حاجبا
    ومن كان منكم قويًا ..أعينه نائبا للمدائح
    ومن كان منكم بلا ذهب أو مواهب
    ومن كان منكم بلا ضجرٍ ولآلىء
    فلا وقت عندى للقمح والكدح






    (16)

    بدر شاكر السياب

    ولد الشاعر بدر شاكر السياب في 25/12/1925 في قرية جيكور التي اغرم بها وهام أحدهما الآخر... وهي من قري قضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة.
    والده: شاكر بن عبد الجبار بن مرزوق السياب، ولد في قرية (بكيع) واكمل دراسته في المدرسة الرشيدية في أبي الخصيب وفي البصرة أثناء العهد العثماني، زاول التجارة والأعمال الحرة وخسر في الجميع ثم توظف في دائرة (تموين أبي الخصيب) توفي في 7/5/1963. وأولاده (د. عبد الله وبدر ومصطفي).
    والدته: هي كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، توفيت قبله بمدة طويلة، وتركت معه أخوان اصغر منه، فتزوج أبوه امرأة أخري.
    قريته : هي قرية جيكور... قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها آنذاك علي (500) نسمة، اسمها مأخوذ في الأصل من الفارسية من لفظة (جوي كور) أي (الجدول الأعلى)، تحدثنا كتب التاريخ علي أنها كانت موقعاً من مواقع الزنج الحصينة، دورها بسيطة مبنية من طابوق اللبن، الطابوق غير المفخور بالنار وجذوع أشجار النخيل المتواجدة بكثرة في بساتين جيكور التي يملك (آل السياب) فيها أراضٍ مزروعة بالنخيل تنتشر فيها انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب...، وحين يرتفع المد تملئ الجداول بمائه، وكانت جيكور وارفة الظلال تنتشر فيها الفاكهة بأنواعها ـ مرتعاً وملعباً ـ وكان جوّها الشاعري الخلاب أحد ممهدات طاقة السياب الشعرية وذكرياته المبكرة فيه ظلت حتى أخريات حياته تمد شعره بالحياة والحيوية والتفجر (كانت الطفولة فيها بكل غناها وتوهجها تلمع أمام باصرته كالحلم... ويسجل بعض أجزائها وقصائده ملأي بهذه الصور الطفولية...) كما يقول صديقه الحميم، صديق الطفولة : الشاعر محمد علي إسماعيل. هذه القرية تابعة لقضاء أبي الخصيب الذي أسسه (القائد مرزوق أبي الخصيب) حاجب الخليفة المنصور عام 140 هـ والذي شهد وقائع تاريخية هامة سجّلها التاريخ العربي، أبرزها معركة الزنج ما تبعها من أحداث. هذا القضاء الذي برز فيه شعراء كثيرون منهم (محمد محمود) من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث و(محمد علي إسماعيل) صاحب الشعر الكثير في المحافظة و(خليل إسماعيل) الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته و(مصطفي كامل الياسين) شاعر و(مؤيد العبد الواحد) الشاعر الوجداني الرقيق وهو من رواة شعر السياب و(سعدي يوسف) الشاعر العراقي المعروف و(عبد اللطيف الدليشي) الأديب البصري و(عبد الستار عبد الرزاق الجمعة) وآخرين...
    نهر بويب : تنتشر في أبي الخصيب انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب وتتفرع إلي انهار صغيرة... منها (نهر بويب) ، النهر الذي ذكره الشاعر كثيراً في قصائده... هذا النهر الذي كان في الأصل وسيلة اروائية بساتين النخيل، يبعد عن شط العرب اكثر من كيلومتر واحد، والذي لا ينبع منه بل يأخذ مياهه من نهر آخر اسمه (بكيع) بتصغير كلمة (بقعه )، يتفرع إلي فرعين أحدهما نهر بويب، أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات (الحلفاء) وبعض الحشائش. وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب أن يلعب في ماء بويب ويحلو له أن يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب..

    وفي لقاء مع (عبد المجيد السياب) عم الشاعر قال...: (كنت أعرف مكان السياب علي النهر (نهر بويب) من الأوراق... إذ كان عندما يكتب يمزق كثيراً من الأوراق ويرميها في النهر فأهتدي بها إليه...). وعن سر اهتمام السياب بـ (بويب) قال السيد عبد المجيد..lفي نهاية الأربعينيات قرأت قصيدة لبابلو نيرودا يتحدث عن نهر لا اذكر اسمه وكان السياب قريب مني، فقرأ القصيدة واعتقد انه تأثر بها فكتب قصيدته (بويب)..).

    منزل الأقنان: قال أحمد عبد العزيز السياب..: (إن دار السياب قد قسمت إلي قسمين... دار جدي... ومنزل الأقتان الذي خلّده كثيراً في شعره، يبعد هذا المنزل عشرين متراً عن الدار الحقيقية وهو بيت فلاحي جد بدر الذين استغلتهم عائلة السياب، وهو بيت واسع قديم مهجور كان يدعي (كوت المراجيح) وكان هذا البيت في العهد العثماني مأوي عبيد (أسرة السياب) وكان الشعر بدر قد جعل من منزل الأقتان في أيام طفولته مقر الجريدة كان يخطّها ويصدرها الشاعر باسم (جيكور) يتناقلها صبيان القرية ثم تعود في ختام قراءتها من قبل أصدقاء بدر ليلصقها الشاعر علي حائط منزل الأقتان.

    بعض من ارتبط بهن وأحبهنّ: ,لآق. ولابد من ذكر من ارتبط بهن وأحبهن...:

    ـ كانت الراعية (هويله) هي أول امرأة خفق لها قلبه وأحبها، حيث كانت اكبر منه سنا ترعي أغنام لها، يقابلها خارج قريته، وفجأة تحول إلي حب فتاة جميلة عمرها آنذاك (15) سنة، كانت تأتي إلي قريته والسياب في عنفوان شبابه وهو الباحث عن الحنين فالتجأ يتشبث بحب (وفيقه) التي كانت تسكن علي مقربة من بيت الشاعر. كان البيت فيه شباكاً مصبوغاً باللون الأزرق يعلو عن الأرض مترا أو يطل علي درب قرب من بيت قديم، شباك وفيقة التي لم يسعده حظه في الزواج منها، في شباكها قال شعرا جميلا، ولم يعرف لحد الآن هل أن وفيقة كانت تبادله الحب أم لا. ولم يكن في جيكور مدرسة في ذلك الوقت، لذا كان علي السياب أن يسير مشيا إلي قرية (آل إبراهيم) الواقعة بالقرب من جيكور بعد أن انهي الصف الرابع بنجاح وانتقل إلي مدرسة المحمودية والتي كانت إدارة المدرسة مطلة علي الشارع، شناشيل ملونة، وكان بيت الجلبي يقع خلف المدرسة، كان الشاعر يجول في هذه الطرقات المؤدية إليه سيما وان له زملاء وهو بعيد عن جيكور، وكانت (ابنة الجلبي) فتاة جميلة كان يراها السياب وهو ماراً بزقاق يؤدي لمسكنها، فان يتغزل بها ويحبها من طرف واحد فقط.

    ـ وفي دار المعلمين العالية في بغداد وقع في حب جديد، فتاة بغدادية أخذت حظها من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال يأخذ بالألباب وهي التي يصفها بأن لها في وجهها غمّازة، تلبس العباءة وكانت عندما تمر به تضع العباءة علي وجهها كي لا تراه وكانت (نازك الملائكة) صديقة (لباب) التي احبها الشاعر من جانب واحد وكانت ذكية وجميلة جدا وكان أهلها يوصونها أن تعبس عندما تسير لكي لا يطمع الآخرون بملاحقتها وقد أعرضت عن كل الذين خطبوها.

    وأحب زميلة له حبا من طرف واحد أيضا وكان حبا افلاطونيا ارتفع حب الخيال حتى جاوز الحد وتضاءلت فيه رغبة الجسم فما كان منها إلا أن تتزوج رجلا ثريا وتترك السياب بآلامه.

    وتعرّف علي الشاعرة (لميعة عباس عمارة) في دار المعلمين العالية، وكانت علاقة...

    كانت بادئ ذي بدء ذات طابع سياسي ولكن ـ كعادته ـ وقع في حبها لأنها كانت من اخلص صديقاته، وقال فيها قصائد كثيرة ودعاها السياب لزيارته في جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة أيام كانا يخرجان سوية إلي بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير. ويتعرف الشاعر علي صديقة بلجيكية، اسمها (لوك لوران) وقد وعدته ان تزور قريته جيكور فكتب قصيدة تعتبر من أروع قصائده الغزلية... وشاء حظه ان يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمه) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف اسرارا غريبة واعطانا صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته الرائعة (المومس العمياء) التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة.

    زواجه : ويتزوج السياب إحدي قريباته، وأحب زوجته فكان لها الزوج المثالي الوفي، وكانت هي كذلك، فقد انجبت منه غيداء وغيلان والاء، ولمّا اصابه المرض كانت مثال المرأة الحنونة، المحتملة كل متاعب والأم الحياة، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته السيدة اقبال...: (عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءا لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر بثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة).
    تقول عن كيفية زواجها منه...: لم أتعرف عليه بمعني الكلمة (التعارف والحب واللقاء) إنما كانت بيننا علاقة مصاهرة حيث ان اختي الكبري كانت زوجة لعم الشاعر (السيد عبدالقادر السياب) في أوائل الثلاثينات، وكان أخي قد تزوج من أسرة السياب، وبعد نيل الموافقة الرسمية تم عقد الزواج في 19 حزيران (يونيو) 1955 في البصرة ثم انتقلنا إلي بغداد
    كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته فترة رهيبة عرف فيها صراع الحياة مع الموت. لقد زجّ بجسمه النحيل وعظامه الرقاق إلي حلبة هذا الصراع الذي جمع معاني الدنيا في سرير ضيق حيث راح الوهن وهو يتفجرعزيمة ورؤي وحبا، يقارع الجسم المتهافت المتداعي، وجه الموت يحملق به كل يوم فيصدّه الشاعر عنه بسيف من الكلمة... بالكلمة عاش بدر صراعه، كما يجب ان يعيش الشاعر، ولعل ذلك لبدر، كان الرمز الأخير والأمضّ، للصراع بين الحياة والموت الذي عاشه طوال عمره القصير علي مستوي شخصه ومستوي دنياه معاً. فهو قبل ذلك إذ كان جسده الضامر منتصبا، خفيفا، منطلقا يكاد لا يلقي علي الأرض ظلا لشدة شفافيته.

    للسياب اثار مطبوعة هي:
    ازهار ذابلة (شعر)، اساطير (شعر)، المومس العمياء (ملحمة شعرية)، حفار القبور (قصيدة طويلة)، الاسلحة والاطفال (قصيدة طويلة)، مختارات من الشعر العالمي الحديث (قصائد مترجمة)، انشودة المطر (شعر)، المعبد الغريق (شعر)، منزل الاقنان (شعر)، شناشيل ابنة الجلبي (شعر)، ديوان بجزئين (اصدار دار العودة).

    أما اثاره المخطوطة فهي:
    زئير العاصفة (شعر)، قلب اسيا (ملحمة شعرية)، القيامة الصغري (ملحمة شعرية)، من شعر ناظم حكمت (تراجم)، قصص قصيدة ونماذج بشرية، مقالات وبحوث مترجمة عن الانكليزية منها السياسية والادبية.. مقالات وردود نشرها في مجلة الاداب... شعره الاخير بعد سفره إلي الكويت ولم يطبع في ديوانه الاخير (شناشيل ابنة الجلبي) قصائد من ايديث ستويل.

    من قصائده
    أنشودة المطر
    عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
    أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .
    عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
    وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
    يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ
    كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...
    وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
    كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،
    دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،
    وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء ؛
    فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء
    كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !
    كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
    وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...
    وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،
    وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر
    أُنْشُودَةُ المَطَر ...

    هل كانَ حُبّاً
    هَلْ تُسمّينَ الذي ألقى هياما ؟
    أَمْ جنوناً بالأماني ؟ أم غراما ؟
    ما يكون الحبُّ ؟ نَوْحاً وابتساما ؟
    أم خُفوقَ الأضلعِ الحَرَّى ، إذا حانَ التلاقي
    بين عَينينا ، فأطرقتُ ، فراراً باشتياقي
    عن سماءٍ ليس تسقيني ، إذا ما ؟
    جئتُها مستسقياً ، إلاّ أواما
    العيون الحور ، لو أصبحنَ ظِلاً في شرابي
    جفّتِ الأقداحُ في أيدي صِحَابي
    دون أن يَحْضَينَ حتى بالحبابِ
    هيئي ، يا كأسُ ، من حافاتكِ السَّكْرَى ، مكانا
    تتلاقى فيه ، يوماً ، شَفتانا
    في خفوقٍ والتهابِ
    وابتعادٍ شاعَ في آفاقهِ ظلُّ اقترابِ


    الباب تقرعه الرياح
    البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ
    البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ .
    أَيْنَ كَفُّكِ وَالطَّرِيقْ
    نَاءٍ ؟ بِحَارٌ بَيْنَنَا ، مُدُنٌ ، صَحَارَى مِنْ ظَلاَمْ
    الرِّيحُ تَحْمِلُ لِي صَدَى القُبْلاَتِ مِنْهَا كَالْحَرِيقْ
    مِنْ نَخْلَةٍ يَعْدُو إِلَى أُخْرَى وَيَزْهُو في الغَمَامْ
    البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحْ ...
    آهِ لَعَلَّ رُوحَاً في الرِّيَاحْ
    هَامَتْ تَمُرُّ عَلَى الْمَرَافِيءِ أَوْ مَحَطَّاتِ القِطَارْ
    لِتُسَائِلَ الغُرَبَاءَ عَنِّي ، عَن غَرِيبٍ أَمْسِ رَاحْ
    يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ ، وَهْوَ اليَوْمَ يَزْحَفُ في انْكِسَارْ .
    هِيَ رُوحُ أُمِّي هَزَّهَا الحُبُّ العَمِيقْ ،
    حُبُّ الأُمُومَةِ فَهْيَ تَبْكِي :
    " آهِ يَا وَلَدِي البَعِيدَ عَنِ الدِّيَارْ !
    وَيْلاَهُ ! كَيْفَ تَعُودُ وَحْدَكَ لاَ دَلِيلَ وَلاَ رَفِيقْ "
    أُمَّاهُ ... لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبِي خَلْفَ سُورٍ مِنْ حِجَارْ
    لاَ بَابَ فِيهِ لِكَي أَدُقَّ وَلاَ نَوَافِذَ في الجِدَارْ !
    كَيْفَ انْطَلَقْتِ عَلَى طَرِيقٍ لاَ يَعُودُ السَّائِرُونْ
    مِنْ ظُلْمَةٍ صَفْرَاءَ فِيهِ كَأَنَّهَا غَسَق ُ البِحَارْ ؟
    كَيْفَ انْطَلَقْتِ بِلاَ وَدَاعٍ فَالصِّغَارُ يُوَلْوِلُونْ ،
    يَتَرَاكَضُونَ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَفْزَعُونَ فَيَرْجِعُونْ
    وَيُسَائِلُونَ اللَّيْلَ عَنْكِ وَهُمْ لِعَوْدِكِ في انْتِظَارْ ؟
    البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ لَعَلَّ رُوحَاً مِنْك ِ زَارْ
    هَذَا الغَرِيبُ !! هُوَ ابْنُكِ السَّهْرَانُ يُحْرِقُهُ الحَنِينْ
    أُمَّاهُ لَيْتَكِ تَرْجِعِينْ
    شَبَحَاً . وَكَيْفَ أَخَافُ مِنْهُ وَمَا أَمَّحَتْ رَغْمَ السِّنِينْ
    قَسَمَاتُ وَجْهِكِ مِنْ خَيَالِي ؟
    أَيْنَ أَنْتِ ؟ أَتَسْمَعِينْ
    صَرَخَاتِ قَلْبِي وَهْوَ يَذْبَحُهُ الحَنِينُ إِلَى العِرَاقْ




    (17)

    عـنترة بـن شـداد

    هو عنترة بن شداد بن قراد العبسي. أمه زبيبة، حبشية سوداء سباها أبوه في إحدى غزواته. وكان لها أولادا من غير شداد.
    كان عنترة أسود اللون، أخذ السواد من أمه، وكان يكنّى بأبي المغلس لسيره إلى الغارات في الغلس وهو ظلمة الليل. ويلقب بعنترة الفلحاء.
    وعنترة من فرسان العرب المعدودين، ولم يلقب عن عبث بعنترة الفوارس، قال ابن قتيبة:
    كان عنترة من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وقد فرق بين الشجاعة والتهور.
    لكن العرب بالرغم من شجاعته كانوا يستبعدونه وذلك لأنهم كانوا يستبعدون أبناء الإماء، ولا يعترفون بهم إلا إذا نجبوا. وهكذا كان شأن عنترة، فلم يعترف به أبوه إلا بعد أن ظهرت شجاعته وفروسيته.
    وفي ادعاء أبيه إياه روايات منها: إن السبب في ادعاء أبيه إياه أن عبسا أغاروا على طيء، فأصابوا نعما، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقتسم إلا نصيبا مثل أنصبائنا لأنك عبد. فلما طال الخطب بينهم كرت عليهم طيئ فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عددهم، واستنقذت طيئ الإبل. فقال له أبوه: كر يا عنترة! فقال: أويحسن العبد الكر؟ فقال له أبوه: العبد غيرك، فاعترف به، فكر واستنقذ النعم.
    أحب عنترة عبلة بنت عمه مالك بن قراد العبسي، وكان عمه قد وعده بها ولكنه لم يف بوعده، وإنما كان يتنقل بها في قبائل العرب ليبعدها عنه. وحب عبلة كان له تأثير عظيم في نفس عنترة وشعره، وهي التي صيرته بحبها، ذلك البطل المغامر في طلب المعالي، وجعلته يزدان بأجمل الصفات وأرفعها، وهي التي وققت شعره كما رققت عاطفته، ونفحته بتلك العذوبة، وكان سبب تلك المرارة واللوعة اللتين ربما لم تكونا في شعره لولا حرمانه إياها.
    لعنترة شخصية محبوبة لأن كل ما فيها من الصفات يجعل صاحبها قريبا من القلوب: فهو بطل شجاع جريء الفؤاد، حليم الطباع، رقيق القلب، يشكو في حظه العاثر في الحب ومن ظلم قومه له، وإنكارهم جميل فعله نحوهم.
    أما في موت عنترة فهناك روايات كثيرة أشهرها ما رواه صاحب الأغاني، قال: إن عنترة أغلى على بني نبهان فأطرد لهم طريدة، وهو شيخ كبير. وكان وزر بن جابر النبهاني الملقب بالأسد الرهيص في فتوه فرماه وقال: خذها، وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه أي ظهره، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله وهو مجروح. وبذلك تكون نهاية عنترة حسب هذه الرواية.

    معلقة هل غادر الشعراء
    هل غادر الشعراء من iiمتـردم .... أم هل عرفت الدار بعد iiتوهـم
    يادار عبلـة بالجـواء تكلمـي ..... وعمي صباحاًدار عبلة iiواسلمي
    فوقفـت فيهـا ناقتـي iiوكأنهـا ..... فدن لأقضـي حاجـة iiالمتلـوم
    وتحل عبلة في الخدور تجرهـا ..... وأضل في حلق الحديد iiالمبهـم
    حييت من طلـل تقـادم iiعهـده ..... أقوى وأقفـر بعـد أم iiالهيثـم
    حلت بأرض الزائرين iiفأصبحت ..... عسراً علي طلابكم أبنة iiمخـرم
    علقتهـا عرضاوأقتـل قومهـا ..... زعما لعمر أبيك ليس iiبمزعـم
    كيف المزار وقد تربـع iiأهلهـا ..... بعنيزتيـن وأهلـنـا iiبالغيـلـم
    إن كنت أزعمت الفراق iiفأنمـا ..... زمـت ركابكـم بليـل مظلـم
    ماراعنـي الأ حمولـة أهلهـا ..... وسط الديار تسف حب iiالخمخم
    وكأنما نظـرت بعينـي iiشـادن ..... رشا من الغـزلان حـر iiأرثـم
    نظرت أليـه بمقلـة مكحولـة ..... نظر المليـل بطرفـة iiالمقسـم
    وبحاجب كالنون زين iiوجههـا ..... وبناهد حسـن وكشـح iiأهضـم
    إن تغد في دوني القناع iiفأننـي ..... طب بأخـذ الفـارس المستلئـم
    أثني علي بمـا عملـت iiفأننـي .... سمح مخالقتـي إذا لـم iiأضلـم
    إذا ظلمت فـأن ظلمـي باسـل ..... مـر مذاقتـه كطعـم العلـقـم
    وحليل غانيـة تركـت iiمجـدلاً ..... تمكو فريصته كشـدق الأعلـم
    سبقت يداي له بعاجـل طعنـة .... ورشاش نافـذة كلـون iiالعنـدم
    هلا سألت الخيل يابنـة مالـك ..... أن كنت جاهلة بما لـم iiتعلمـي
    لا تسأليني وأسئلي في صحبتي ..... يملأ يديـك تعففـي وتكرمـي
    إذ لا أزال على رحالة iiسابـح ..... نهـد تعـاوره الكمـاة مكـلـم
    طوراً يجـرد للطعـان iiوتـارة ..... يأوي إلى حصد القسي iiعرمرم
    يخبركم من شهد القيعـة iiأننـي ..... أغشى الوغى وأعف عند iiالمغنم
    ولقد ذكرتك والرمـاح iiنواهـل ..... مني وبيض الهند تقطر من iiدمي
    فوددت تقبيل السيـوف iiلأنهـا ..... لمعت كبارق ثغـرك iiالمبتسـم
    ومدجـج كـرة الكمـاة نزالـة ..... لاممعـن هربـاً ولا iiمستسلـم
    جادت له كفي بعاجـل iiطعنـة .... بمثقف صدق الكعـوب iiمقـوم
    فشككت بالرمح الأصـم iiثيابـه ..... ليس الكريم على القنا iiبمحـرم
    فتركته جـزر السبـاع ينشـه ..... يقضمن حسن بنائه iiوالمعصـم
    ومشك سابغة هتكت iiفروجهـا ...... بالسيف عن حامي الحقيقة iiمعلم
    ربـذ يـداه بالقـدام إذا شـتـا ..... هتاك غايـات التجـار iiملـوم
    لما رآنـي قـد نزلـت iiأريـده ...... أبـدى نواجـذه لغيـر iiتبسـم
    عهدي به مـد النهـار iiكأنمـا ...... خصب البنان ورأسه iiبالعضلـم
    فطعنتـه بالمـح ثـم iiعلـوتـه ..... بمهند صافـي الحديـدة مخـذم
    بطل كأن ثيابـه فـي iiسرحـة .... يحذي نعال السبت ليس iiبتـوأم
    ياشاة ما قنص لمن حلـت iiلـه ..... حرمت علي وليته لـم iiتحـرم
    لما رأيت القوم أقبـل iiجمعهـم .... يتذامرون كررت غيـر iiمذمـم
    يدعون عنتر والرمـاح iiكأنهـا ..... أشطان بئر فـي لبـان الأدهـم
    مازلت أرميهـم بثغـرة نحـره ..... ولبانـه حتـى تسربـل iiبالـدم
    فأزروا مـن وقـع iiالقنابلبانـه ..... وشكاإلـي بعبـرة iiوتحمـحـم
    لوكان يدري مالحاورة iiأشتكـى ..... ولكان لو علم الكـلام iiمكلمـي
    وقد شفى نفسي وأذهب سقمهـا ..... قيل الفوارس ويك عنتر iiأقـدم
    والخيل تقتحم الخبـار عوابسـاً ..... من بين شظيمة وآخـر iiشيظـم
    ذلل ركابي حيث شئت iiمشايعي ..... لبـى وأحفـزه بأمـر iiمبـرم
    ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ..... للحرب دائرة على إبني ضمضم
    الشاتمي عرضي ولـم أشتمهـا ..... والناذرين إذا لم ألقمهـا iiدمـي
    إن يفعلا فلقـد تركـت iiأباهمـا ..... جزر السباع وكل نسر iiقشعـم

    ومن قصائده ايضا :
    رمتِ الفؤادَ مليحة ٌ عذراءُ
    رمتِ الفؤادَ مليحة ٌ عذراءُ ..... بسهامِ لحظٍ ما لهنَّ دواءُ
    مَرَّتْ أوَانَ العِيدِ بَيْنَ نَوَاهِدٍ ..... مِثْلِ الشُّمُوسِ لِحَاظُهُنَّ ظِبَاءُ
    فاغتالني سقمِى الَّذي في باطني .... أخفيتهُ فأذاعهُ الإخفاءُ

    ألا ياعبلُ قد زادَ التصابيْ
    ألا ياعبلُ قد زادَ التصابيْ .... ولجَّ اليومَ قومُكِ في عذابي
    وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ .... كما ينْمو مشيبي في شَبابي
    عتبتُ صروفَ دهري فيكِ حتى ... فَني وأَْبيكِ عُمْري في العِتابِ


    أُعاتِبُ دَهراً لاَ يلِينُ لعاتبِ

    أُعاتِبُ دَهراً لاَ يلِينُ لعاتبِ .... وأطْلُبُ أَمْناً من صُرُوفِ النَّوائِبِ
    وتُوعِدُني الأَيَّامُ وعْداً تَغُرُّني .... وأعلمُ حقاً أنهُ وعدُ كاذبِ
    خَدَمْتُ أُناساً وَاتَّخَذْتُ أقارباً .... لِعَوْنِي وَلَكِنْ أصْبَحُوا كالعَقارِبِ


    يتبع




    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  3. #3

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    (18 )
    البـحتري
    شاعر من العصر العباسي الثاني اسمه الوليد بن عبد الله وكنيته أبو عبادة، ولقبه البحتري نسبة إلى جده بحتر من قبيلة طيء.
    ولد سنة (821 م- 205 هـ)، في بلدة منبج من أعمال حلب، وفيها نشأ وترعرع متلقيا علومه الأولى، آخذا إلى البادية صفاء اللغة وصحة الراوية الشعرية وملكة البلاغة.
    ترك بلده في مطلع شبابه وذهب إلى حلب حيث أحب علوة الحلبية المغنية التي ذكرها كثيرا في شعره. ومن حلب اتجه إلى حمص حيث لقي أبا تمام فتتلمذ عليه في الشعر دون أن يتأثر بنزعته إلى الفلسفة والمنطق.
    ولما أتقن صناعة الشعر، ذهب إلى العراق فكان موطن شهرته، وفيه اتصل بالخلفاء والوزراء وعظماء القوم. وقد لازم المتوكل وأصبح شاعر بلاطه، فأحبه كما أحبه وزيره الفتح بن خاقان، فكان ينادمهما في مجالس أنسهما. قتل المتوكل والفتح وكان البحتري حاضرا فرثى الخليفة في قصيدته المشهورة عبر بها عن عاطفته الجياشة الصادقة.
    قفل عائدا إلى وطنه، ولكنه حنّ إلى العراق ثانية، فعاد إليه واتصل بالخلفاء، ثم رجع آخر خلافة المعتمد إلى منبج حيث مات سنة 897 م.
    من قصائده
    أنزاعا في الحب بعد نزوع

    أنَزَاعاً في الحُبّ بَعدَ نُزُوعِ، ..... وَذَهَاباً في الغَيّ بَعْدَ رُجُوعِ
    قَد أرَتْكَ الدّموعُ، يوْمَ تَوَلّتْ ..... ظُعُنُ الحَيّ، مَا وَرَاءَ الدّمُوعِ
    عَبَرَاتٌ مِلْءُ الجُفُونِ، مَرَتها ..... حُرَقٌ في الفُؤادِِ مِلْءُ الضّلُوعِ
    إنْ تَبِتْ وَادِعَ الضّمِيرِ فعِندي ..... نَصَبُ مِنْ عَشِيّةِ التّوْديعِ

    يا بديع الحسن والقد
    يا بَدِيع الحُسنِ والقَدِّ .... ،بهِ وَجدِي بَديعُ
    يا رَبيعَ العَيْنِ إلاَّ .... أَنَّهُ مَرعىً مَنِيعُ
    أَنا منْ حُبِّيكَ حُمِّلتُ .... الَّذي لا أَستَطِيعُ
    فَإِذا باسْمِكَ نادَيتُ .... أَجابَتْني الدُّموعُ

    بعدوك الحدث الجليل الواقع
    بعَدُوّكَ الحِدْثُ الجَليلُ الوَاقِعُ، .... وَلِمَنْ يُكَايدُكَ الحِمَامُ الفَاجِعُ
    قُلْنَا لَعاً لَمّا عَثَرْتَ وَلاَ تَزَلْ ..... نُوَبُ اللّيَالي وَهيَ عَنكَ رَوَاجِعُ
    وَلَرُبّمَا عَثَرَ الجَوَادُ وَشَأوُهُ ..... مُتَقَدّمٌ وَنَبَا الحُسَامُ القاطعُ
    لَنْ يَظفَرَ الأعداءُ منكَ بزَلّةٍ، .... والله دُونَكَ حَاجِزٌ وَمُدافعُ

    أحاجيك هل للحب كالدار تجمع
    أُحاجِيكَ، هل للحُبّ كالدّارِ تَجمعُ، ..... وَللهَائِمِ الظّمْآنِ كالسَماءِِ يَنقَعُ
    وَهَلْ شَيّعَ الأظعانَ، بَغتاً فراقُهمْ، ..... كمُنهَلَةٍ تَدمَى جوًى، حينَ تدمَعُ
    أمَا رَاعَكَ الحَيُّ الحِلالُ بهَجْرِهِمْ، ..... وَهُمْ لَكَ غَدْواً، بالتّفَرّقِ، أرْوَعُ
    بلى، وَخَيَالٍ مِنْ قَتَيلَةَ، كُلّمَا ..... تأوّهْتُ مِنْ وَجْدٍ، تَعَرّضَ يُطمِعُ





    (19)
    حافظ إبراهيم
    ولد الشاعر حافظ إبراهيم سنة 1872 م من أب مصري وأم تركية على ظهر سفينة صغيرة فوق النيل. يتصف حافظ إبراهيم بثلاث صفات يرويها كل من عاشره وهي حلاوة الحديث، وكرم النفس، وحب النكتة والتنكيت.
    كان حافظ إبراهيم – رحمه الله – أحدى أعاجيب زمانه , ليس فقط فى جزالة شعره بل فى قوة ذاكرته التى قاومت السنين ولم يصيبها الوهن والضعف على مر 60 سنة هى عمر حافظ إبراهيم, فإنها ولا عجب إتسعت لآلاف الآلاف من القصائد العربية القديمة والحديثة ومئات المطالعات والكتب وكان بإستطاعته – بشهادة أصدقائه – أن يقرأ كتاب أو ديوان شعر كامل فى عده دقائق وبقراءة سريعة ثم بعد ذلك يتمثل ببعض فقرات هذا الكتاب أو أبيات ذاك الديوان. وروى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن فى بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم او طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه بالروايه التى سمع القارئ يقرأ بها. يعتبر شعره سجل الأحداث، إنما يسجلها بدماء قلبه وأجزاء روحه ويصوغ منها أدبا قيما يحث النفوس ويدفعها إلى النهضة، سواء أضحك في شعره أم بكى وأمل أم يئس، فقد كان يتربص كل حادث هام يعرض فيخلق منه موضوعا لشعره ويملؤه بما يجيش في صدره.
    وللأسف, مع تلك الهبة الرائعة التى قلما يهبها الله – عز وجل – لإنسان , فأن حافظ رحمه الله أصابه - ومن فترة امتدت من 1911 إلى 1932 – داء اللامباله والكسل وعدم العناية بتنميه مخزونه الفكرى وبالرغم من إنه كان رئيساً للقسم الأدبى بدار الكتب إلا أنه لم يقرأ فى هذه الفترة كتاباً واحداً من آلاف الكتب التى تذخر بها دار المعارف! الذى كان الوصول إليها يسير بالنسبه لحافظ, ولا أدرى حقيقة سبب ذلك ولكن أحدى الآراء تقول ان هذه الكتب المترامية الأطراف القت فى سأم حافظ الملل! ومنهم من قال بأن نظر حافظ بدا بالذبول خلال فترة رئاسته لدار الكتب وخاف من المصير الذى لحق بالبارودى فى أواخر أيامه.
    كان حافظ إبراهيم رجل مرح وأبن نكتة وسريع البديهة يملأ المجلس ببشاشته و فكاهاته الطريفة التى لا تخطأ مرماها وأيضاً تروى عن حافظ أبراهيم مواقف غريبة مثل تبذيره الشديد للمال فكما قال العقاد ( مرتب سنة فى يد حافظ إبراهيم يساوى مرتب شهر ) ووما يروى عن غرائب تبذيره أنه استأجر قطار كامل بفرده ليوصله بمفرده أيضاً إلى حلوان حيث يسكن وذلك بعد مواعيد العمل الرسمية!
    مثلما يختلف الشعراء فى طريقة توصيل الفكرة أو الموضوع إلى المستمعين أو القراء , كان لحافظ إبراهيم طريقته الخاصة فهو لم يكن يتمتع بقدر كبير من الخيال ولكنه أستعاض عن ذلك بجزالة الجمل وتراكيب الكلمات وحسن الصياغة بالأضافة أن الجميع اتفقوا على انه كان أحسن خلق الله إنشاداً للشعر. ومن أروع المناسبات التى أنشد حافظ بك فيها شعره بكفاءة هى حفلة تكريم أحمد شوقى ومبايعته أميراً للشعر فى دار الأوبرا, وأيضاً القصيدة التى أنشدها ونظمها فى الذكرى السنوية لرحيل مصطفى كامل التى خلبت الألباب وساعدها على ذلك الأداء المسرحى الذى قام به حافظ للتأثير فى بعض الأبيات,.ومما يبرهن ذلك ذلك المقال الذى نشرته أحدى الجرائد والذى تناول بكامله فن إنشاد الشعر عند حافظ. ومن الجدير بالذكر أن أحمد شوقى لم يلقى فى حياته قصيدة على ملأ من الناس حيث كان الموقف يرهبه فيتلعثم عند الإلقاء!

    أقوال عن حافظ إبراهيم
    حافظ كما يقول عنه خليل مطران "أشبه بالوعاء يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها فى نفسه, فيمتزج ذلك كله بشعوره و إحساسه, فيأتى منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذى يحس كل مواطن أنه صدى لما فى نفسه." ويقول عنه أيضاً "حافظ المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتذوق نفائس مفرادتها وإعلاق حلالها." وأيضاً "يقع إليه ديوان فيتصفحه كله وحينما يظفر بجيده يستظهره, وكانت محفوظاته تعد بالألوف وكانت لا تزال ماثلة فى ذهنه على كبر السن وطول العهد, بحيث لا يمترى إنسان فى ان هذا الرجل كان من أعاجيب الزمان."
    وقال عنه العقاد "مفطوراً بطبعه على إيثار الجزالة و الإعجاب بالصياغة والفحولة فى العبارة."
    كان أحمد شوقى يعتز بصداقه حافظ إبراهيم ويفضله على أصدقائه. و كان حافظ إبراهيم يرافقه فى عديد من رحلاته وكان لشوقى أيادى بيضاء على حافظ فساهم فى منحه لقب بك و حاول ان يوظفه فى جريدة الأهرام ولكن فشلت هذه المحاولة لميول صاحب الأهرام - وكان حينذاك من لبنان - نحو الإنجليز وخشيته من المبعوث البريطانى اللورد كرومر.

    وفاته
    توفي حافظ ابراهيم سنة 1932 م في الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس, وكان قد أستدعى 2 من أصحابه لتناول العشاء ولم يشاركهما لمرض أحس به. وبعد مغادرتهما شعر بوطئ المرض فنادى غلامه الذى أسرع لإستدعاء الطبيب وعندما عاد كان حافظ فى النزع الاخير وتوفى رحمه الله.ودفن في مقابر السيدة نفيسة (رضي الله عنها).
    وعندما توفى حافظ كان أحمد شوقى يصطاف فى الإسكندرية و بعدما بلّغه سكرتيره – أى سكرتير شوقى - بنبأ وفاة حافظ بعد ثلاث أيام لرغبة سكرتيره فى إبعاد الأخبار السيئة عن شوقي ولعلمه بمدى قرب مكانة حافظ منه, شرد شوقي لحظات ثم رفع رأسه وقال أول بيت من مرثيته لحافظ:
    قد كنت أوثر أن تقول رثائي .... يا منصف الموتى من الأحياء

    من أشعاره
    سافر حافظ إبراهيم إلى سوريا، وعند زيارته للمجمع العلمي بدمشق قال هذين البيتين:
    شكرت جميل صنعكم بدمعي .... ودمع العين مقياس الشعور
    لاول مرة قد ذاق جفني .... - على ما ذاقه - دمع السرور

    لاحظ الشاعر مدى ظلم المستعمر وتصرفه بخيرات بلاده فنظم قصيدة بعنوان الامتيازات الأجنبية‏، ومما جاء فيها:
    سكتُّ فأصغروا أدبي .... وقلت فاكبروا أربي
    يقتلنا بلا قود .... ولا دية ولا رهب
    ويمشي نحو رايته .... فنحميه من العطب
    فقل للفاخرين: أما ... لهذا الفخر من سبب؟
    أروني بينكم رجلا .... ركينا واضح الحسب
    أروني نصف مخترع .... أروني ربع محتسب؟
    أروني ناديا حفلا .... بأهل الفضل والأدب؟
    وماذا في مدارسكم .... من التعليم والكتب؟
    وماذا في مساجدكم .... من التبيان والخطب؟
    وماذا في صحائفكم .... سوى التمويه والكذب؟
    حصائد ألسن جرّت .... إلى الويلات والحرب
    فهبوا من مراقدكم .... فإن الوقت من ذهب

    وله قصيدة عن لسانه صديقه يرثي ولده، وقد جاء في مطلع قصيدته:
    ولدي، قد طال سهدي ونحيبي .... جئت أدعوك فهل أنت مجيبي؟
    جئت أروي بدموعي مضجعا .... فيه أودعت من الدنيا نصيبي

    ويجيش حافظ إذ يحسب عهد الجاهلية أرفق حيث استخدم العلم للشر، وهنا يصور موقفه كإنسان بهذين البيتين ويقول:
    ولقد حسبت العلم فينا نعمة .... تأسو الضعيف ورحمة تتدفق
    فإذا بنعمته بلاء مرهق ..... وإذا برحمته قضاء مطبق

    ومن شعره أيضاً:
    كم مر بي فيك عيش لست أذكره .... ومر بي فيك عيش لست أنساه
    ودعت فيك بقايا ما علقت‏ به .... من الشباب وما ودعت ذكراه
    أهفو إليه على ما أقرحت كبدي .... من التباريج أولاه وأخراه
    لبسته ودموع العين طيعة .... والنفس جياشة والقلب أواه
    فكان عوني على وجد أكابده .... ومر عيش على العلات ألقاه
    إن خان ودي صديق كنت أصحبه .... أو خان عهدي حبيب كنت أهواه
    قد أرخص الدمع ينبوع الغناء به .... وا لهفتي ونضوب الشيب أغلاه
    كم روح الدمع عن قلبي وكم غسلت .... منه السوابق حزنا في حناياه
    قالوا تحررت من قيد الملاح فعش ..... حرا ففي الأسر ذلّ كنت تأباه
    فقلت‏ يا ليته دامت صرامته .... ما كان أرفقه عندي وأحناه
    بدلت منه بقيد لست أفلته .... وكيف أفلت قيدا صاغه الله
    أسرى الصبابة أحياء وإن جهدوا .... أما المشيب ففي الأموات أسراه

    وقال:
    والمال إن لم تدخره محصنا .... بالعلم كان نهاية الإملاق
    والعلم إن لم تكتنفه شمائل .... تعليه كان مطية الإخفاق
    لا تحسبن العلم ينفع وحده .... ما لم يتوج ربه بخلاق
    من لي بتربية النساء فإنها .... في الشرق علة ذلك الإخفاق
    الأم مدرسة إذا أعددتها .... أعددت شعبا طيب الأعراق
    الأم روض إن تعهده الحيا .... بالسري أورق أيما إيراق
    اللأم أستاذ الأساتذة الألى .... شغلت مآثرهم مدى الآفاق
    أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا .... بين الرجال يجلن في الأسواق
    يدرجن حيث أرَدن لا من وازع .... يحذرن رقبته ولا من واقي
    يفعلن أفعال الرجال لواهيا .... عن واجبات نواعس الأحداق
    في دورهن شؤونهن كثيرة .... كشؤون رب السيف والمزراق
    تتشكّل الأزمان في أدوارها .... دولا وهن على الجمود بواقي
    فتوسطوا في الحالتيسن وأنصفوا .... فالشر في التّقييد والإطلاق
    ربوا البنات على الفضيلة إنها ... في الموقفين لهن خير وثاق
    وعليكم أن تستبين بناتكم .... نور الهدى وعلى الحياء الباقي



    (20)
    إبراهيم ناجي

    ولد الشاعر إبراهيم ناجي في حي شبرا بالقاهرة في اليوم الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر في عام 1898، وكان والده مثقفاً مما أثر كثيراً في تنمية موهبته وصقل ثقافته، وقد تخرج الشاعر من مدرسة الطب في عام 1922، وعين حين تخرجه طبيباً في وزارة المواصلات ، ثم في وزارة الصحة ، ثم مراقباً عاماً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.

    - وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نـهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي.

    - بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية ، وانضم إلى جماعة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .

    - وقد تأثر ناجي في شعره بالاتجاه الرومانسي كما اشتهر بشعره الوجداني ، وكان وكيلاً لمدرسة أبوللو الشعرية ورئيساً لرابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن العشرين .

    وقد قام ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان أزهار الشر، وترجم عن الإنكليزية رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية الموت في إجازة، كما نشر دراسة عن شكسبير، وقام بإصدار مجلة حكيم البيت ، وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما.

    - واجه نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول من العقاد وطه حسين معاً ، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه ، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في الرابع والعشرين من شهر مارس في عام 1953.

    - وقد صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها: إبراهيم ناجي للشاعر صالح جودت ، وناجي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية .

    ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم ولحنها الموسيقار الراحل رياض السنباطي .

    ومن دواوينه الشعرية :
    وراء الغمام (1934) ، ليالي القاهرة (1944)، في معبد الليل (1948) ، الطائر الجريح (1953) ، وغيرها . كما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في عام 1966 بعد وفاته عن المجلس الأعلى للثقافة.

    من قصائده :
    ذات مساء
    وانتحينا معا مكاناً قصياً .... نتهادى الحديث أخذاً وردّا
    سألتني مللتنا أم تبدلتَ .... سوانا هوىً عنفياً ووجدا
    قلت هيهات! كم لعينيكِ عندي .... من جميلٍ كم بات يهدى ويسدى
    انا ما عشت أدفع الدين شوقا ..... وحنينا إلى حماكِ وسهدا
    وقصيداً مجلجلاً كل بيتٍ ..... خلفَه ألفُ عاصفٍ ليس يهدا
    ذاك عهدي لكل قلبك لم يقض .... ديونَ الهوى ولم يرعَ عهدا
    والوعودُ التي وعدتِ فؤادي .... لا أراني أعيش حتى تؤدَّى

    تحليل قبلة
    ولما ألتقينا بعد نأي وغربة ..... شجيين فاضا من أسى وحنين
    تسائلني عيناك عن سالف الهوى .... بقلبي وتستقضي قديم ديون
    فقمت وقد ضج الهوى في جوانحي .... وأن من الكتمان أيّ أنين
    يبث فمي سرّ الهوى لمقبّل ...... أجود له بالروح غيرَ ضنين
    إذا كنت في شك سلي القبلة التي ..... أذاعت من الأسرار كل دفين
    مناجاة أشواق وتجديد موثق ..... وتبديد أوهام وفض ظنون
    وشكوى جوى قاسٍ وسقم مبرح ..... وتسهيد أجفان وصبر سنين

    عتاب
    هجرت فلم نجد ظلاً يقينا ..... أحلماً كان عطفك أم يقينا
    أهجراً في الصبابة بعد هجر .... أرى أيامه لا ينتهينا
    لقد أسرفت فيه وجرت حتى .... على الرمق الذي أبقيت فينا
    كأن قلوبنا خلقت لأمر ..... فمذ أبصرن من نهوى نسينا
    شغلن عن الحياة ونمن عنها .... وبتن بمن نحب موكلينا
    فإن ملئت عروق من دماءٍ .... فأنا قد ملأناها حنينا

    الفراق
    يا ساعة الحسرات والعبرات ..... أعصفت أم عصف الهوى بحياتي
    ما مهربي ملأ الجحيم مسالكي .... وطغى على سُبُلي وسد جهاتي
    من أي حصن قد نزعت كوامنا .... من أدمعي استعصمن خلف ثباتي
    حطمت من جبروتهن فقلن لي .... أزف الفراق فقلت ويحك هاتي




    (21)


    محمود سامي البارودي
    ولد محمود سامي البارودي بالقاهرة في (27من رجب 1255 هـ = 6 من أكتوبر 1839م) لأبوين من الجراكسة، وجاءت شهرته بالبارودي نسبة إلى بلدة "إيتاي البارود" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر، وكان أحد أجداده ملتزمًا لها ويجمع الضرائب من أهلها.

    نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا في الجيش المصري برتبة لواء، وعُين مديرًا لمدينتي "بربر" و"دنقلة" في السودان، ومات هناك، وكان ابنه محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.

    تلقى البارودي دروسه الأولى في بيته، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيئًا من الفقه والتاريخ والحساب، ثم التحق وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية سنة (1268هـ = 1852م)، وفي هذه الفترة بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، وبعد أربع سنوات من الدراسة تخرّج برتبة "باشجاويش" ثم سافر إلى إستانبول مقر الخلافة العثمانية، والتحق بوزارة الخارجية، وتمكن في أثناء إقامته من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشعرية المتوهجة إلى نظم الشعر بهما كما ينظم بالعربية، ولما سافر الخديوي إسماعيل إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر بعد غيبة طويلة امتددت ثماني سنوات، ولم يلبث أن حنّ البارودي إلى حياة الجندية، فترك معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي.

    حياة الجندية
    وفي أثناء عمله بالجيش اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ = 1865م) لمساندة جيش الخلافة العثمانية في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة "كريت"، وهناك أبلى البارودي بلاء حسنًا، وجرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:

    أخذ الكرى بمعاقد الأجفان ..... وهفا السرى بأعنة الفرسان
    والليل منشور الذوائب ضارب ..... فوق المتالع والربا بجران
    لا تستبين العين في ظلماته ..... إلا اشتعال أسِنَّة المران

    وبعد عودة البارودي من حرب كريت تم نقله إلى المعية الخديوية ياورًا خاصًا للخديوي إسماعيل، وقد ظل في هذا المنصب ثمانية أعوام، ثم تم تعيينه كبيرًا لياوران ولي العهد "توفيق بن إسماعيل" في (ربيع الآخر 1290هـ = يونيو 1873م)، ومكث في منصبه سنتين ونصف السنة، عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتبًا لسره (سكرتيرًا)، ثم ترك منصبه في القصر وعاد إلى الجيش.

    ولما استنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا ورومانيا وبلغاريا والصرب، كان البارودي ضمن قواد الحملة الضخمة التي بعثتها مصر، ونزلت الحملة في "وارنة" أحد ثغور البحر الأسود، وحاربت في "أوكرانيا" ببسالة وشجاعة، غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين، وألجأتهم إلى عقد معاهدة "سان استفانوا" في (ربيع الأول 1295هـ = مارس 1878م)، وعادت الحملة إلى مصر، وكان الإنعام على البارودي برتبة "اللواء" والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة، ونيشان الشرف؛ لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة وألوان البطولة.

    العمل السياسي
    بعد عودة البارودي من حرب البلقان تم تعيينه مديرًا لمحافظة الشرقية في (ربيع الآخر 1295هـ = إبريل 1878م)، وسرعان ما نقل محافظًا للقاهرة، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة حرجة من تاريخها، بعد أن غرقت البلاد في الديون، وتدخلت إنجلترا وفرنسا في توجيه السياسة المصرية، بعد أن صار لهما وزيران في الحكومة المصرية، ونتيجة لذلك نشطت الحركة الوطنية وتحركت الصحافة، وظهر تيار الوعي الذي يقوده "جمال الدين الأفغاني" لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار، وفي هذه الأجواء المشتعلة تنطلق قيثارة البارودي بقصيدة ثائرة تصرخ في أمته، توقظ النائم وتنبه الغافل، وهي قصيدة طويلة، منها:

    جلبت أشطر هذا الدهر تجربة ..... وذقت ما فيه من صاب ومن عسل
    فما وجدت على الأيام باقية ..... أشهى إلى النفس من حرية العمل
    لكننا غرض للشر في زمن ..... أهل العقول به في طاعة الخمل
    قامت به من رجال السوء طائفة .... أدهى على النفس من بؤس على ثكل
    ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت ..... قواعد الملك حتى ظل في خلل

    وبينما كان محمد شريف باشا رئيس مجلس النظار يحاول أن يضع للبلاد دستورًا قويمًا يصلح أحوالها ويرد كرامتها، فارضًا على الوزارة مسؤوليتها على كل ما تقوم به أمام مجلس شورى النواب، إذا بالحكومة الإنجليزية والفرنسية تكيدان للخديوي إسماعيل عند الدولة العثمانية لإقصائه الوزيرين الأجنبيين عن الوزارة، وإسناد نظارتها إلى شريف باشا الوطني الغيور، وأثمرت سعايتهما، فصدر قرار من الدولة العثمانية بخلع إسماعيل وتولية ابنه توفيق.

    ولما تولّى الخديوي توفيق الحكم سنة (1296هـ = 1879م) أسند نظارة الوزارة إلى شريف باشا، فأدخل معه في الوزارة البارودي ناظرًا للمعارف والأوقاف، ونرى البارودي يُحيّي توفيقًا بولايته على مصر، ويستحثه إلى إصدار الدستور وتأييد الشورى، فيقول:

    سن المشورة وهي أكرم خطة ..... يجري عليها كل راع مرشد
    هي عصمة الدين التي أوحى بها .... رب العباد إلى النبي محمد
    فمن استعان بها تأيد ملكه ..... ومن استهان بها لم يرشد

    غير أن "توفيق" نكص على عقبيه بعد أن تعلقت به الآمال في الإصلاح، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه، وأجبر شريف باشا على تقديم استقالته، وقبض هو على زمام الوزارة، وشكلها تحت رئاسته، وأبقى البارودي في منصبه وزيرًا للمعارف والأوقاف، بعدها صار وزيرًا للأوقاف في وزارة رياض.

    وقد نهض البارودي بوزارة الأوقاف، ونقح قوانينها، وكون لجنة من العلماء والمهندسين والمؤرخين للبحث عن الأوقاف المجهولة، وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد، ووضعها في مكان واحد، وكانت هذه المجموعة نواة دار الكتب التي أنشأها "علي مبارك"، كما عُني بالآثار العربية وكون لها لجنة لجمعها، فوضعت ما جمعت في مسجد الحاكم حتى تُبنى لها دار خاصة، ونجح في أن يولي صديقه "محمد عبده" تحرير الوقائع المصرية، فبدأت الصحافة في مصر عهدًا جديدًا.

    ثم تولى البارودي وزارة الحربية خلفًا لرفقي باشا إلى جانب وزارته للأوقاف، بعد مطالبة حركة الجيش الوطنية بقيادة عرابي بعزل رفقي، وبدأ البارودي في إصلاح القوانين العسكرية مع زيادة رواتب الضباط والجند، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً، فخرج من الوزارة بعد تقديم استقالته (25 من رمضان 1298 = 22 من أغسطس 1881م)؛ نظرًا لسوء العلاقة بينه وبين رياض باشا رئيس الوزراء، الذي دس له عند الخديوي.

    وزارة الثورة
    عاد البارودي مرة أخرى إلى نظارة الحربية والبحرية في الوزارة التي شكلها شريف باشا عقب مظاهرة عابدين التي قام بها الجيش في (14 من شوال 1298 هـ = 9 من سبتمبر 1881م)، لكن الوزارة لم تستمر طويلاً، وشكل البارودي الوزارة الجديدة في (5 من ربيع الآخر 1299هـ = 24 من فبراير 1882م) وعين "أحمد عرابي" وزيرًا للحربية، و"محمود فهمي" للأشغال؛ ولذا أُطلق على وزارة البارودي وزارة الثورة؛ لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.

    وافتتحت الوزارة أعمالها بإعداد الدستور، ووضعته بحيث يكون موائمًا لآمال الأمة، ومحققًا أهدافها، وحافظا كرامتها واستقلالها، وحمل البارودي نص الدستور إلى الخديوي، فلم يسعه إلا أن يضع خاتمه عليه بالتصديق، ثم عرضه على مجلس النواب.

    الثورة العرابية
    تم كشف مؤامرة قام بها بعض الضباط الجراكسة لاغتيال البارودي وعرابي، وتم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين، فقضت بتجريدهم من رتبهم ونفيهم إلى أقاصي السودان، ولمّا رفع "البارودي" الحكم إلى الخديوي توفيق للتصديق عليه، رفض بتحريض من قنصلي إنجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرر أنه ليس من حق الخديوي أن يرفض قرار المحكمة العسكرية العليا وفقًا للدستور، ثم عرضت الوزارة الأمر على مجلس النواب، فاجتمع أعضاؤه في منزل البارودي، وأعلنوا تضامنهم مع الوزارة، وضرورة خلع الخديوي ومحاكمته إذا استمر على دسائسه.

    انتهزت إنجلترا وفرنسا هذا الخلاف، وحشدتا أسطوليهما في الإسكندرية، منذرتين بحماية الأجانب، وقدم قنصلاهما مذكرة في (7 من رجب 1299هـ = 25 من مايو 1882م) بضرورة استقالة الوزارة، ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وقد قابلت وزارة البارودي هذه المطالب بالرفض في الوقت الذي قبلها الخديوي توفيق، ولم يكن أمام البارودي سوى الاستقالة، ثم تطورت الأحداث، وانتهت بدخول الإنجليز مصر، والقبض على زعماء الثورة العرابية وكبار القادة المشتركين بها، وحُكِم على البارودي وستة من زملائه بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.

    البارودي في المنفى
    أقام البارودي في الجزيرة سبعة عشر عامًا وبعض عام، وأقام مع زملائه في "كولومبو" سبعة أعوام، ثم فارقهم إلى "كندي" بعد أن دبت الخلافات بينهم، وألقى كل واحد منهم فشل الثورة على أخيه، وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.

    وطوال هذه الفترة قال قصائده الخالدة، التي يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، واشتدت وطأة المرض عليه، ثم سُمح له بالعودة بعد أن تنادت الأصوات وتعالت بضرورة رجوعه إلى مصر، فعاد في (6 من جمادى الأولى 1317هـ = 12من سبتمبر 1899م).

    شعر البارودي
    يعد البارودي رائد الشعر العربي في العصر الحديث؛ حيث وثب به وثبة عالية لم يكن يحلم بها معاصروه، ففكّه من قيوده البديعية وأغراضه الضيقة، ووصله بروائعه القديمة وصياغتها المحكمة، وربطه بحياته وحياة أمته.

    وهو إن قلّد القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضوعات وفي أسلوبهم وفي معانيهم، فإن له مع ذلك تجديدًا ملموسًا من حيث التعبير عن شعوره وإحساسه، وله معان جديدة وصور مبتكرة.

    وقد نظم الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وفخر وهجاء ورثاء، مرتسمًا نهج الشعر العربي القديم، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم؛ فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.

    وترك ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت، طبع في أربعة مجلدات، وقصيدة طويلة عارض بها البوصيري، أطلق عليها "كشف الغمة"، وله أيضًا "قيد الأوابد" وهو كتاب نثري سجل فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، و"مختارات البارودي" وهي مجموعة انتخبها الشاعر من شعر ثلاثين شاعرًا من فحول الشعر العباسي، يبلغ نحو 40 ألف بيت.

    وفاته
    بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء".

    ولم تطل الحياة بالبارودي بعد رجوعه، فلقي ربه في (4 من شوال 1322هـ = 12 من ديسمبر 1904م).

    من قصائده :
    قلدتُ جيدَ المعالى ِ حلية َ الغزلِ
    يأبى لى َ الغى َّ لا يميلُ بهِ ..... عَنْ شِرْعَة ٍ الْمَجْدِ سِحْرُ الأَعْيُنِ النُّجُلِ
    أَهِيمُ بِالْبِيضِ فِي الأَغْمَادِ بَاسِمَة .... عنْ غرة ِ النصرِ ، لا بالبيضِ في الكللِ
    وَقُلْتُ فِي الْجِدِّ مَا أَغْنَى عَنِ الْهَزَلِ .... في لذة ِ الصحوِ ما يغنى عنِ الثملِ
    كمْ بينَ منتدبٍ يدعو لمكرمة .... وَبَيْنَ مُعْتَكِفٍ يَبْكِي عَلَى طَلَلِ

    مَضَى اللَّهْوُ، إِلاَّ أَنْ يُخَبَّرَ سَائِلُ
    مَضَى اللَّهْوُ، إِلاَّ أَنْ يُخَبَّرَ سَائِلُ .... وَوَلَّى الصِّبَا إِلاَّ بَوَاقٍ قَلاَئِلُ
    بواقٍ تماريها أفانينُ لوعة .... يورثها فكرٌ على النأي شاغلُ
    فللشوقِ منى عبرة ٌ مهراقة ..... وَخَبْلٌ إِذَا نَامَ الْخَلِيُّونَ خَابِلُ
    أَلِفْتُ الضَّنَى إِلْفَ السُّهَادِ، فَلَوْ سَرَى ... بِيَ الْبُرْءُ غَالَتْنِي لِذَاكَ الْغَوَائِلُ

    يَا نَاصِرَ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ!
    يَا نَاصِرَ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ! .... خذْ لي بحقي منْ يديْ ماصلي
    جَارَ عَلَى ضَعْفِي بِسُلْطَانِهِ .... وَمَا رَثَى لِلْمَدْمَعِ الْهَاطِلِ
    أجرجني عما حوتهُ يدي .... مِنْ كَسْبِيَ الْحُرِّ بِلا نَاطِلِ
    مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ، سِوَى مَنْطِقٍ ... ذي رونقٍ ، كالصارمِ القاطلِ

    لاَ تَرْكَنَنَّ إِلَى الزَّمَانِ؛ فَرُبَّمَا
    لاَ تَرْكَنَنَّ إِلَى الزَّمَانِ؛ فَرُبَّمَا .... خدعتْ مخيلتهُ الفؤادَ الغافلا
    وَ اصبرْ على ما كانَ منهُ ؛ فكلما ... ذهبَ الغداة َ أتى العشية َ قافلا
    كفلَ الشقاءَ لمنْ أناخَ بربعهِ .... وَ كفى ابنَ آدمَ بالمصائبِ كافلا
    يَمْشِي الضَّرَاءَ إِلَى النُّفُوسِ، وَتَارَة .... يسعى لها بينَ الأسنة ِ رافلا



    (22)
    أحمد عبد المعطي حجازي

     أحمد عبدالمعطي حجازي (مصر).
     ولد عام 1935 بمدينة تلا - محافظة المنوفية - مصر.
     حفظ القرآن الكريم, وتدرج في مراحل التعليم حتي حصل على دبلوم دار المعلمين 1955 , ثم حصل على ليسانس الاجتماع من جامعة السوربون الجديدة 1978, ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي 1979 .
     عمل مدير تحرير مجلة صباح الخير ثم سافر إلى فرنسا حيث عمل أستاذاً للشعر العربي بجامعاتها ثم عاد إلى القاهرة لينضم إلى أسرة تحرير (الأهرام). ويرأس تحرير مجلة (إبداع).
     عضو نقابة الصحفيين المصرية ولجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة, والمنظمة العربية لحقوق الإنسان.
     دعي لإلقاء شعره في المهرجانات الأدبية, كما أسهم في العديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية, ويعد من رواد حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر.
     دواوينه الشعرية: مدينة بلا قلب 1959 - أوراس 1959 - لم يبق إلا الاعتراف 1965 - مرثية العمر الجميل 1972 - كائنات مملكة الليل 1978 - أشجار الإسمنت 1989 .
     مؤلفاته: منها: محمد وهؤلاء - إبراهيم ناجي - خليل مطران - حديث الثلاثاء - الشعر رفيقي - مدن الآخرين - عروبة مصر - أحفاد شوقي.
     حصل على جائزة كفافيس اليونانية المصرية 1989 .
     ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية والإسبانية والإيطالية والألمانية وغيرها.
     عنوانه: 95 شارع الحجاز ـ مصر الجديدة ـ القاهرة.


    من قصائده
    كائنات مملكة الليل
    نا إلهُ الجنسِ والخوفِ..
    وآخرُ الذكور
    (أظنها التقوى وليس الخوفَ
    أو أني أرد الخوف بالذكرى
    فأستحضر في الظلمة آبائي
    وأستعرض في المرآة أعضائي
    وألقي رأسيَ المخمور في
    شقشقة الماء الطهور).
    تركت مخبئي لألقي نظرة على بلادي
    ليس هذا عطشاً للجنس,
    إنني أؤدي واجباً مقدساً
    وأنتِ لستِ غيرَ رمزي فاتبعيني.
    لم يعد من مجد هذه البلاد غير حانةٍ
    ولم يبق من الدولة إلا رجل الشرطة
    يستعرض في الضوء الأخير
    ظله الطويل تارة
    وظله القصير!

    ****

    أنسج ظلي حفرة
    أنسج ظلي شبكه
    أقبع في بؤرتها المُحْلَوْلكه
    بعد قليل ينطفي الضوء,
    وتمتد خيوط الشبكه
    تمسك رِجلَ الملكه!
    في الليل كان الصيف نائماً.
    لماذا لم نعد نشهد في حديقة الأرملة الشابة زواراً?
    لماذا لم تعد تهبُّ في أجسادنا رائحة الفل,
    ويمشي عطرها الفاتر في مسامِّنا?!
    في الليل
    كان الصيف, في حديقةٍ ما, نائماً عريان
    كان رائعاً بمعزلٍ عنا
    بعيداً كصبي صار في غيبتنا شاباً جميلا
    يعبر الآن بنا ولا يرانا
    آه !
    كان الصيف يملأ الشهور
    من غير أن يلمسنا!
    تلك عناقيد الندى
    ترشح في أرنبة الأنف
    وفي تُويْجة النهد الصغير
    والجسدُ الورديُّ يستلقي على عشب السرير
    والفراشاتُ على الأغصان زهرٌ عالقٌ
    وعتمة البستان لون نائم
    فأمكنيني منكِ يا مليكتي
    إنّ أكُفَّ شجر الصبار برعمت
    وكاد الليل ينتهي
    وما زلنا نطير!
    أنسج ظلي برعما
    وكائنات شبقه
    أبحث عن مليكتي
    في غيمة أو صاعقهْ
    أطبع قبلتي على..
    خدودها المحترقهْ
    منتظراً نهايتي
    منتظراً قيامتي
    فراشة, أو يرقهْ!

    ****

    آهٍ من الفل الذي يعبق في واجهة الدار
    من الضوء الذي يشع كالماسات في مفارق النخل
    من الظل الذي يلعق في الماء تجاويف الصخور!
    من اليمامات التي تهدل في الذكرى
    وتستوحي جمالنا المحجّب الأسير!
    من قطرة الماء التي ترشح في آنية الماء
    كوجهٍ من نقاءٍ خالصٍ
    يطلع في الصمت, وفي الظل القرير
    يعشق في المرآة ذاته سويعات الهجير!
    آهٍ من الموت الذي يظهر في رابعة النهار لصاً فاتناً
    فتخرج النساء ينظرن إليه والهاتٍ..

    ****

    ويعرّين له في وهج الشمس الصدور والنحور!
    الليل أنثى في انتظاري.
    هذه مدينة عطشى إلى الحب
    أشم عطرها كأنه مُواء قطة
    أرى رقدتها في اللؤلؤ المنثور
    في حدائق الديجور
    آهٍ !
    كيف صار كل هذا الحسن مهجوراً
    وملقى في الطريق العام
    يستبيحه الشرطي والزاني!
    كأني صرت عِنِّيناً فلم أجب نداءها الحميم المستجير
    تلك هي الريح العقور
    أحسها تقوم سداً بين كل ذكر وأنثى
    إنها السم الذي يسقط بين الأرض والغيم
    وبين الدم والوردة
    بين الشِّعر والسيف
    وبين الله والأمة
    بين شهوة الموت
    وشهوة الحضور!


    كان لي قلب !
    لى المرآة بعض غبار
    و فوق المخدع البالي ، روائح نوم
    و مصباح .. صغير النار
    و كلّ ملامح الغرفة
    كما كانت ، مساء القبلة الأولى
    و حتّى الثوب ، حتّى الثوب
    و كنت بحافّة المخدع
    تردّين انبثاقة نهدك المترع
    وراء الثوب
    و كنت ترين في عيني حديثا .. كان مجهولا
    و تبتسمين في طيبة
    و كان وداع ،
    جمعت اللّيل في سمتي ،
    و لفّقت الوجوم الرحب في صمتي ،
    و في صوتي ،
    و قلت .. وداع !
    و أقسم ، لم أكن صادق
    و كان خداع !
    و لكنّي قرأت رواية عن شاعر عاشق
    أذلّته عشيقته ، فقال .. وداع !
    و لكن أنت صدقت !

    ***

    و جاء مساء
    و كنت عل الطريق الملتوي أمشي
    و قريتنا .. بحضن المغرب الشفقي ،
    رؤى أفق
    مخادع التلوين و النقش
    تنام على مشارفها ظلال نخيل
    و مئذنة .. تلوّي ظلّها في صفحة الترعه
    رؤى مسحورة تمشي
    و كنت أرى عناق الزهر للزهر
    و أسمع غمغمات الطير للطير
    و أصوات البهائم تختفي في مدخل القرية
    و في روائح خصب ،
    عبير عناق ،
    و رغبة كائنين اثنين أن يلدا
    و نازعني إليك حنين
    و ناداني إلى عشّك ،
    إلى عشّي ،
    طريق ضمّ أقدامي ثلاث سنين
    و مصباح ينوّر بابك المغلق
    و صفصافه
    على شبّاكك الحرّان هفهافه
    و لكنّي ذكرت حكاية الأمس ،
    سمعت الريح يجهشّ في ذرى الصفصاف ،
    يقول .. وداع !

    ***

    ملاكي ! طيري الغائب !
    حزمت متاعي الخاوي إلى اللّقمة
    وفت سنيني العشرين في دربك
    و حنّ عليّ ملّاح ، و قال .. أركب !
    فألقيت المتاع ، و نمت في المركب
    و سبعة أبحر بيني و بين الدار
    أواجه ليلي القاسي بلا حبّ ،
    و أحسد من لهم أحباب ،
    و أمضي .. في فراغ ، بارد ، مهجور
    غريب في بلاد تأكل الغرباء
    و ذات مساء ،
    و عمر وداعنا عامان ،
    طرقت نوادي الأصحاب ، لم أعثر على صاحب !
    و عدت .. تدعني الأبواب ، و البوّاب ، و الحاجب !
    يدحرجني امتداد طريق
    طريق مقفر شاحب ،
    لآخر مقفر شاحب ،
    تقوم على يديه قصور
    و كان الحائط العملاق يسحقني ،
    و يخنقني
    و في عيني ... سؤال طاف يستجدي
    خيال صديق ،
    تراب صديق
    و يصرخ .. إنّني وحدي
    و يا مصباح ! مثلك ساهر وحدي
    و بعت صديقتي .. بوداع !

    ***

    ملاكي ! طيري الغائب !
    تعالي .. قد نجوع هنا ،
    و لكنّا هنا اثنان !
    و نعرى في الشتاء هنا ،
    و لكنّا هنا اثنان
    تعالي يا طعام العمر !
    ودفء العمر !
    تعالي لي !




    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  4. #4

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    (23)


    الشاعر عمر أبو ريشة

    ولد عمر أبو ريشة في منبج بلدة أبي فراس الحمداني في سوريا عام 1910م ونشأ يتيما وتلقى تعليمه الابتدائي في حلب .أكمل دراسته الجامعية في بيروت في الجامعة الأمريكية حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم عام 1930م ثم أكمل دراسته في لندن في صناعة النسيج ، وهناك قام بدعوة واسعة للدين الإسلامي بلندن .

    ثار على بعض الأوضاع السياسية في بلادة بعد الاستقلال وامن بوحدة الوطن العربي وانفعل بأحداث الأمة العربية بشدة

    شغل عدة مناصب :
    · عضو المجمع العلمي العربي دمشق
    · عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب كاريوكا- ريودي جانيرو
    · عضو المجمع الهندي للثقافة العالمية
    · وزير سوريا المفوض في البرازيل 1949 م 1953 م
    · وزير سوريا المفوض للأرجنتين والتشيلي 1953 م 1954 م
    · سفير سوريا في الهند 1954 م 1958 م
    · سفير الجمهورية العربية المتحدة للهند 1958م 1959 م
    · سفير الجمهورية المتحدة للنمسا 1959 م 1961م
    · سفير سوريا للولايات المتحدة 1961 م 1963م
    · سفير سوريا للهند 1964 م 1970 م

    · يحمل الوشاح البرازيلي والوشاح الأرجنتيني والوشاح النمساوي والوسام اللبناني برتبة ضابط أكبر والوسام السوري من الدرجة الأولى وآخر وسام ناله وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى وقد منحه إياه الرئيس اللبناني إلياس الهراوي . شردته الكلمة اثنين وعشرين عاما في مشارق الأرض ومغاربها وهذا شأن كل صاحب كلمة .

    وتُوفي رحمه الله في الرياض عام 1990 م .

    من قصائده
    هكذا تقتحم القدس
    صـاح يـا عبد فرف الطيب .... واستعر الكأس وضج المضجع
    مـنتهى دنـياه نـهد شرس .... وفـم سـمح وخـصر طـيع
    بــدوي أورق الـصخر لـه .... وجـرى بـالسلسبيل الـبلقع
    فـإذا الـنخوة والـكبر على .... تـرف الأيـام جـرح موجع
    هـانت الـخيل على فرسانها .... وانـطوت تلك السيوف القطع
    والـخيام الـشم مالت وهوت .... وعـوت فـيها الرياح الأربع
    قال يا حسناء ما شئت اطلبي .... فـكـلانا بـالـغوالي مـولع


    عودي
    قـالت مـللتك اذهـب لست نادمة .... عـلى فـراقك إن الـحب ليس لنا
    سـقيتك الـمر من كاسي شفيت بها .... حقدي عليك وما لي عن شقاك غنى
    لـن أشـتهي بـعد هذا اليوم أمنية .... لـقد حـملت إلـيها الـنعش والكفنا
    قـالت وقـالت ولم أهمس بمسمعها .... ما ثار من غصصي الحرى وما سكنا
    تـركت حـجرتها والدفء منسرحا .... والـعطر مـنسكبا والـعمر مرتهنا
    وسـرت في وحشتي والليل ملتحف .... بالزمهرير وما في الأفق ومض سنا
    ولـم أكـد اجتلي دربي على حدس .... وأسـتلين عـليه الـمركب الخشنا
    حـتى سـمعت ورائي رجع زفرتها .... حـتى لـمست حـيالي قـدها اللدنا
    نـسيت مـا بـي هـزتني فجاءتها .... وفـجرت مـن حـناني كل ما كمنا
    وصـحت يـا فـتنتي ما تفعلين هنا .... الـبرد يـؤذيك عودي لن أعود أنا


    حنين
    لا تـغني فـإن حـشرجة الميت .... وجـهش الـنعاة فـي مـسمعيّا
    أتـغـنين ذكـريـاتي وكـانت .... كـوثرا فـي فـم الـزمان شهيا
    يوم أسقى من راحة الوحي خمري .... وأصـوغ الـحياة شـعرا نـديا
    وأرى تـوبـة الـزمان بـعينيك .... فـأنـسى مـا قـد أسـاء إلـيّا
    أسـمعيني عـلى أنـين الأماني .... مـن عثار الـشباب لحنا شجيا
    أوجـوم فـيم الوجوم منى النفس .... وفـيم الـذهول يـكسو الـمحيا
    أتـرامت عـليك أشـباح ذكرى .... تـترك الـحب يـا هلوك حييّا
    حـولي ناظريك عني فما أسطيع .... أجـلـو ســرا هـناك خـفيا
    ويـح نـفسي ما للعواصف تخبو .... ويـفت الـخذلان فـي سـاعديّا
    أنـا طـفل الحياة يا ضلة الروح .... فـعفوا إن جـئت أمـرا فـريا
    فـبليني فـقد شـعرت بـروحي ..... وثـبت وارتـمت عـلى شـفتيّا
    لـست أنـت الـتي أضـمك بل ..... دنـيـا فـتون وعـالما عـلويا
    أتـبسمت بـعد صـمت رهيب .... كـان يـدوي فـي مسمعيا دويا؟
    خـدريني بـنغمة تـقتل الـيأس .... وتـهـمي بـالـمسكرات عـليا
    حـسنا تـفعلين غـني أعـيدي .... اخـفضي الـصوت تـمتميه إليّا
    اتـركيني عـلى ذراعـك أغفو ..... وأذيـبي الأصـداء شـيا فـشيا





    (24)

    عبد الوهاب البياتي

    شاعر عراقي معاصر،
    ولد في بغداد عام 1926
    تخرج بشهادة اللغة العربية وآدابها 1950م، واشتغل مدرساً 1950-1953م، ومارس الصحافة 1954م مع مجلة "الثقافة الجديدة" لكنها أغلقت، وفصل عن وظيفته، واعتقل بسبب مواقفه الوطنية. فسافر إلى سورية ثم بيروت ثم القاهرة. وزار الاتحاد السوفييتي 1959-1964م، واشتغل أستاذاً في جامعة موسكو، ثم باحثاً علمياً في معهد شعوب آسيا، وزار معظم أقطار أوروبا الشرقية والغربية. وفي سنة 1963 أسقطت عنه الجنسية العراقية، ورجع إلى القاهرة 1964م وأقام فيها إلى عام 1970.

    عضو جمعية الشعر.
    توفي سنة 1999.


    مؤلفاته:
    1- ملائكة وشياطين - شعر - بيروت 1950.
    2- أباريق مهشمة - شعر - بغداد 1954.
    3- المجد للأطفال والزيتون - شعر - القاهرة 1956.
    4- رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى - شعر - بيروت 1956.
    5- أشعار في المنفى - شعر - القاهرة - 1957.
    6- بول ايلوار مغني الحب والحرية - ترجمة مع أحمد مرسي - بيروت 1957.
    7- اراجون شاعر المقاومة- ترجمة مع أحمد مرسي- بيروت 1959.
    8- عشرون قصيدة من بريلن - شعر - بغداد 1959.
    9- كلمات لا تموت - شعر - بيروت 1960.
    10- محاكمة في نيسابور- مسرحية - بيروت 1963.
    11-النار والكلمات - شعر - بيروت 1964.
    12- قصائد - شعر - القاهرة 1965.
    13- سفر الفقر والثورة - شعر - بيروت 1965.
    14- الذي يأتي ولا يأتي - شعر - بيروت 1966.
    15- الموت في الحياة - - شعر - بيروت 1968.
    16-عيون الكلاب الميتة - شعر - بيروت 1969.
    17- بكائية إلى شمس حزيران والمرتزقة - شعر - بيروت 1969.
    18- الكتابة على الطين - شعر - بيروت 1970.
    19- يوميات سياسي محترف - شعر - بيروت 1970.
    20-تجربتي الشعرية بيروت 1968.
    21- قصائد حب على بوابات العالم السبع- - شعر - بغداد 1971.
    22- كتاب البحر - شعر - بيروت 1972.
    23- سيرة ذاتية لسارق النار- - شعر - بيروت 1974.
    24- قمر شيراز - شعر - بيروت 1978.

    من قصائده
    مذكرات رجل مجهول
    8 نيسان
    أنا عامل , ادعى سعيد
    من الجنوب
    أبواي ماتا في طريقهما الى قبر الحسين
    و كان آنذاك
    سنتين - ما اقسى الحياة
    و أبشع الليل الطويل
    و الموت في الريف العراقي الحزين -
    و كان جدي لا يزال
    كالكوكب الخاوي , على قيد الحياة

    13
    مارس
    أعرف معنى أن تكون ؟
    متسولا , عريان , في أرجاء عالمنا الكبير !
    و ذقت طعم اليتم مثلى و ضياع ؟
    أعرف معنى أن تكون ؟
    لصاً تطارده الظلام
    و الخوف عبر مقابر الريف الحزين !

    16 حزيران
    اني لأخجل أن أعري , هكذا بؤسي , أمام الآخرين
    و أن أرى متسولاً , عريان , في أرجاء عالمنا الكبير
    و أن أمرغ ذكرياتي في التراب
    فنحن , يا مولاي , قوم طيبون
    بسطاء , يمنعنا الحياء من الوقوف
    أبداً على أبواب قصرك , جائعين

    13 تموز
    و مات جدي , كالغراب , مع الخريف
    كالجرذ , كالصرصور , مات مع الخريف
    فدفنته في ظل نخلتنا و باركت الحياة
    فنحن , يا مولاي , نحن الكادحين
    ننسى , كما تنسى , بأنك دودة في حقل عالمنا الكبير

    25 آب
    و هجرت قريتنا , و أمي الأرض تحلم بالربيع
    و مدافع الحرب الأخير , لم تزل تعوى , هناك
    ككلاب صيدك لم تزل مولاي تعوي في الصقيع
    و كان آنذاك
    عشرين عام
    و مدافع الحرب الأخير لم تزل .. عشرين عام
    مولاي ... ! تعوى في الصقيع

    29 أيلول
    ما زلت خادمك المطيع
    لكنه علم الكتاب
    و ما يثير برأس أمثالي من الهوس الغريب
    و يقظة العملاق في جسدي الكئيب
    و شعوري الطاغي , بأني في يديك ذبابة تدمى
    و أنك عنكبوت
    و عصرنا الذهبي , عصر الكادحين
    عصر المصانع و الحقول
    ما زال يغريني , بقتلك أيها القرد الخليع

    30 تشرين 1
    مولاي ! أمثالي من البسطاء لا يتمردون
    لأنهم لا يعلمون
    بأن أمثالي لهم حق الحياة
    و حق تقرير المصير
    و ان في أطراف كوكبنا الحزين
    تسيل أنهار الدماء
    من اجل انسان , الغد الآتي , السعيد
    من اجلنا , مولاي انهار الدماء
    تسيل من اطراف كوكبنا الحزين

    19 شرين 2
    الليل في بغداد , و الدم و الظلال
    ابداً , تطاردني كأني لا ازال
    ظمآن عبر مقابر الريف البعيد و كان انسان الغد الآتي السعيد
    انسان عالمنا الجديد
    مولاي ! يولد في المصانع و الحقول


    العرب اللاجئون
    يا مَنْ رأى أحفاد عدنانٍ على خشب الصليب مُسّمرينْ
    النمل يأكل لحمهمْ
    وطيور جارحة السنين.
    يا مَنْ رآهم يشحذون
    يا من رآهم يذرعون
    ليلَ المنافي في محطات القطار بلا عيون
    يبكون تحت القُبعاتِ ،
    ويذبلونَ ،
    ويهرمونْ
    يا مَنْ رأى "يافا" بإعلانٍ صغيرٍ في بلاد الآخرينِ
    يافا على صندوق ليمون معفرة الجبين

    (2)
    يا مَن يدق البابَ ،
    نحن اللاجئين
    مُتنا
    وما "يافا" سوى إعلان ليمونٍ ،
    فلا تُقلق عظام الميتين

    (3)
    "الآخرون هُمُ الجحيم"
    "الآخرون هم الجحيم"

    (4)
    باعوا صلاح الدينِ ،
    باعوا درعه وحصانه ،
    باعوا قبور اللاجئين

    (5)
    من يشتري ؟ - الله يرحمكم
    ويرحم أجمعين
    آباءكم، يا محسنون –
    اللاجئَ العربي والانسان والحرف المبين
    برغيف خبزٍ
    إن أعراقي تجف وتضحكون
    السندباد أنا
    كنوزي في قلوب صغاركم
    السندباد بزي شحاذٍ حزين
    اللاجئُ العربي شحاذ على أبوابكم
    عارٍ طعين
    النمل يأكل لحمه ،
    وطيور جارحة السنين
    من يشتري ؟ يا محسنون !

    (6)
    "الآخرون هم الجحيم"
    "الآخرون هم الجحيم"

    (7)
    العار للجبناءِ ،
    للمتفرجينْ
    العار للخطباء من شرفاتهم ،
    للزاعمين ...
    للخادعين شعوبهم
    للبائعين
    فكلوا ، فهذا آخر الأعياد، لحمي
    واشربوا ، يا خائنون !

    الموت والقنديل
    ( 1 )

    صيحاتك كانت فأس الحطاب الموغل في
    غابات اللغة العذراء, وكانت ملكًا أسطوريًّا
    يحكم في مملكة العقل الباطن والأصقاع
    الوثنية حيث الموسيقى والسحر الأسود
    والجنس وحيث الثورة والموت . قناع الملك
    الأسطوري الممتقع الوجه وراء زجاج نوافذ
    قصر الصيف وكانت عربات الحرب
    الآشورية تحت الأبراج المحروقة كانت
    صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت الأسوار
    المهدومة شعبًا مستلبًا مهزومًا كانت برقًا
    أحمر في مدن العشق أضاء تماثيل الربات .
    وقاع الآبار المهجورة كانت صيحاتك
    صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية
    أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث
    الموسيقى والثورة والحب وحيث الله.

    ( 2 )

    لغة الأسطورةْ
    تسكن في فأس الحطاب الموغل في غابات اللغة العذراء
    فلماذا رحل الملك الأسطوريُّ الحطَّابْ?

    ( 3 )

    مات مغني الأزهار البريةِ
    مات مغني النار
    مات مغني عربات الحرب الآشورية تحت الأسوار.

    ( 4 )

    صيحاتك كانت صيحاتي
    فلماذا نتبارى في هذا المضمار?
    فسباق البشر الفانين, هنا, أتعبني
    وصراع الأقدار.

    ( 5 )

    كان الروم أمامي وسوى الروم ورائي,
    وأنا كنتُ أميل على سيفي منتحرًا تحت الثلج,
    وقبل أفول النجم القطبيِّ وراء الأبراجْ
    فلماذا سيف الدولة ولَّى الأدبارْ?

    ( 6 )

    ها أنذا عارٍ عُري سماء الصحراءِ
    حزينٌ حزنَ حصانٍ غجريٍّ
    مسكونٌ بالنارْ.

    ( 7 )

    وطني المنفى
    منفايَ الكلماتْ.

    ( 8 )

    صار وجودي شكلاً
    والشكل وجودًا في اللغة العذراءْ.

    ( 9 )

    لغتي صارت قنديلاً في باب الله.

    ( 10 )

    أرحل تحت الثلج, أواصل موتي في الأصقاعْ.

    ( 11 )

    أيتها الأشجار القطبية, يا صوت نبي يبكي, يا رعدًا
    في الزمن الأرضيِّ المتفجر حبّا, يا نار الإبداع.
    لماذا رحل الملك الأسطوريُّ الحطاب ليترك هذي
    الغابات طعامًا للنار? لماذا ترك الشعراء
    خنادقهم? ولماذا سيف الدولة ولَّى الأدبار? الروم
    أمامي كانوا وسوى الروم ورائي وأنا كنت أميل
    على سيفي منتحرًا تحت الثلج وقبل أفول النجمِ
    القطبيِّ وراء الأبراج. صرختُ: تعالوا!
    لغتي صارت قنديلاً في باب الله, حياتي
    فرت من بين يدي, صارت شكلاً والشكلُ
    وجودًا. فخذوا تاج الشوك وسيفي
    وخذوا راحلتي
    قطراتِ المطر العالق في شَعْرِي
    زهرةَ عباد الشمس الواضعةَ الخد على خدي
    تذكارات طفولة حبي
    كتبي, موتي
    فسيبقى صوتي
    قنديلاً في باب الله






    (24)

    نازك الملائكة

    نازك الملائكة شاعرة عراقية تمثل أحد أبرز الأوجه المعاصرة للشعر العربي الحديث، الذي يكشف عن ثقافة عميقة الجذور بالتراث والوطن والإنسان.

    ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 وتخرجت في دار المعلمين عام 1944، وفي عام 1949 تخرجت في معهد الفنون الجميلة "فرع العود"، لم تتوقف في دراستها الأدبية والفنية إلى هذا الحد إذ درست اللغة اللاتينية في جامعة برستن في الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك درست اللغة الفرنسية والإنكليزية وأتقنت الأخيرة وترجمت بعض الأعمال الأدبية عنها، وفي عام 1959 عادت إلى بغداد بعد أن قضت عدة سنوات في أمريكا لتتجه إلى انشغالاتها الأدبية في مجالي الشعر والنقد، والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة وسكونسن لدراسة الأدب المقارن، وقد ساعدتها دراستها هذه المرة للاطلاع على اخصب الآداب العالمية، فإضافة لتمرسها بالآداب الإنكليزية والفرنسية فقد اطلعت على الأدب الألماني والإيطالي والروسي والصيني والهندي.

    اشتغلت بالتدريس في كلية التربية ببغداد عام 1957، وخلال عامي 59 و1960 تركت العراق لتقيم في بيروت وهناك أخذت بنشر نتاجاتها الشعرية والنقدية، ثم عادت إلى العراق لتدرس اللغة العربية وآدابها في جامعة البصرة

    تكاد تكون نازك الملائكة رائدة للشعر الحديث، بالرغم من إن مسألة السبق في "الريادة" لم تحسم بعد بينها وبين بدر شاكر السياب، ولكن نازك نفسها تؤكد على تقدمها في هذا المجال عندما تذكر في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" بأنها أول من قال قصيدة الشعر الحر، وهي قصيدة "الكوليرا" عام 1947. أما الثاني -في رأيها- فهو بدر شاكر السياب في ديوانه "أزهار ذابلة" الذي نشر في كانون الأول من السنة نفسها.

    لنازك الملائكة العديد من المجاميع الشعرية والدراسات النقدية منها ما ضمها كتاب ومنها ما نشر في المجلات والصحف الأدبية، أما مجاميعها الشعرية فهي على التوالي:

    عاشقة الليل 1947، شظايا ورماد 1949، قرار الموجة 1957، شجرة القمر1968، مأساة الحياة وأغنية الإنسان "ملحمة شعرية" 1970، يغير ألوانه البحر1977، وللصلاة والثورة 1978.

    ونازك الملائكة ليست شاعرة مبدعة حسب، بل ناقدة مبدعة أيضاً، فآثارها النقدية: (قضايا الشعر المعاصر1962)، (الصومعة والشرفة الحمراء1965) و(سيكولوجية الشعر 1993) تدل على إنها جمعت بين نوعين من النقد، نقد النقاد ونقد الشعراء أو النقد الذي يكتبه الشعراء، فهي تمارس النقد بصفتها ناقدة متخصصة. فهي الأستاذة الجامعية التي يعرفها الدرس الأكاديمي حق معرفة، وتمارسه بصفتها مبدعة منطلقة من موقع إبداعي لأنها شاعرة ترى الشعر بعداً فنياً حراً لا يعرف الحدود أو القيود. لذلك فنازك الناقدة، ومن خلال آثارها النقدية تستبطن النص الشعري وتستنطقه وتعيش في أجوائه ناقدة وشاعرة على حد سواء بحثاً عن أصول فنية أو تجسيداً لمقولة نقدية أو تحديداً لخصائص شعرية مشتركة.


    من قصائدها
    شجرة القمر

    1

    على قمّةٍ من جبال الشمال كَسَاها الصَّنَوْبَرْ
    وغلّفها أفُقٌ مُخْمليٌّ وجوٌّ مُعَنْبَر ْ
    وترسو الفراشاتُ عند ذُرَاها لتقضي المَسَاءْ
    وعند ينابيعها تستحمّ نجومُ السَّمَاءْ
    هنالكَ كان يعيشُ غلامٌ بعيدُ الخيالْ
    إذا جاعَ يأكلُ ضوءَ النجومِ ولونَ الجبالْ
    ويشربُ عطْرَ الصنوبرِ والياسمين الخَضِلْ
    ويملأ أفكارَهُ من شَذَى الزنبقِ المُنْفعلْ
    وكان غلامًا غريبَ الرؤى غامض الذكرياتْ
    وكان يطارد عطر الرُّبَى وصَدَى الأغنياتْ
    وكانت خلاصةُ أحلامِهِ أن يصيدَ القَمَرْ
    ويودعَهُ قفصًا من ندًى وشذًى وزَهَرْ
    وكان يقضِّي المساءَ يحوك الشباكَ ويَحْلُمْ
    يوسّدُهُ عُشُبٌ باردٌ عند نبع مغمغِمْ
    ويسْهَرُ يرمُقُ وادي المساء ووجْهَ القَمَرْ
    وقد عكستْهُ مياهُ غديرٍ بَرُودٍ عَطِرْ
    وما كان يغفو إذا لم يَمُرّ الضياءُ اللذيذ
    على شَفَتيهِ ويسقيهِ إغماءَ كأسِ نبيذْ
    وما كان يشربُ من منبع الماء إلاّ إذا
    أراق الهلالُ عليه غلائلَ سكرى الشَّذَى

    2

    وفي ذات صيفٍ تسلّل هذا الغلامُ مساءْ
    خفيفَ الخُطَى, عاريَ القدمين, مَشُوقَ الدماءْ
    وسار وئيدًا وئيدًا إلى قمَّةٍ شاهقهْ
    وخبّأ هيكلَهُ في حِمَى دَوْحةٍ باسقهْ
    وراح يعُدّ الثواني بقلبٍ يدُقّ يدُقّ
    وينتظرُ القَمَرَ العذْبَ والليلُ نشوانُ طَلْقُ
    وفي لحظةٍ رَفَعَ الشَّرْقُ أستارَهُ المُعْتمهْ
    ولاحَ الجبينُ اللجينيّ والفتنةُ المُلْهِمهْ
    وكان قريبًا ولم يَرَ صيّادَنا الباسما
    على التلِّ فانسابَ يذرَعُ أفْقَ الدُّجَى حالما
    ... وطوّقَهُ العاشقُ الجبليّ ومسّ جبينَهْ
    وقبّلَ أهْدابَهُ الذائباتِ شذًى وليونهْ
    وعاد به: ببحارِ الضِّياءِ, بكأس النعومهْ
    بتلك الشفاهِ التي شَغَلتْ كل رؤيا قديمهْ
    وأخفاه في كُوخه لا يَمَلّ إليه النَّظَرْ
    أذلكَ حُلْمٌ? وكيف وقد صاد.. صادَ القَمرْ?
    وأرقَدَه في مهادٍ عبيريّةِ الرّوْنقِ
    وكلّلَهُ بالأغاني, بعيْنيهِ, بالزّنْبقِ

    3

    وفي القريةِ الجبليّةِ, في حَلَقات السّمَرْ
    وفي كلّ حقلٍ تَنَادَى المنادون: "أين القمر?!"
    "وأين أشعّتُهُ المُخْمليّةُ في مَرْجنا?"
    "وأين غلائلُهُ السُّحُبيّة في حقلنا?"
    ونادت صبايا الجبالِ جميعًا "نُريدُ القَمَرْ!"
    فردّدتِ القُنَنُ السامقاتُ: "نُريدُ القَمَرْ"
    "مُسامِرُنا الذهبيّ وساقي صدى زَهْرنا"
    "وساكبُ عطر السنابِل والورد في شَعْرنا"
    "مُقَبّلُ كلّ الجِراح وساقي شفاه الورودْ"
    "وناقلُ شوقِ الفَرَاشِ لينبوعِ ماءٍ بَرودْ"
    "يضيءُ الطريقَ إلى كلّ حُلْمٍ بعيدِ القَرَارْ"
    "ويُنْمي جدائلَنا ويُريقُ عليها النُّضَارْ"
    "ومن أينَ تبرُدُ أهدابُنا إن فَقَدْنا القَمَر?"
    "ومَنْ ذا يرقّقُ ألحاننا? مَن يغذّي السّمَرْ?"
    ولحنُ الرعاةِ تردّدَ في وحشةٍ مضنيهْ
    فضجّتْ برَجْعِ النشيدِ العرائشُ والأوديهْ
    وثاروا وساروا إلى حيثُ يسكُنُ ذاكَ الغُلامْ
    ودقّوا على البابِ في ثورةٍ ولَظًى واضطرامْ
    وجُنّوا جُنُونًا ولم يَبْقَ فوق المَرَاقي حَجَرْ
    ولا صخرةٌ لم يُعيدا الصُّرَاخَ: "نُريدُ القَمَرْ"
    وطاف الصّدَى بجناحَيْهِ حول الجبالِ وطارْ
    إلى عَرَباتِ النجومِ وحيثُ ينامُ النّهَارْ
    وأشرَبَ من نارِهِ كلّ كأسٍ لزهرةِ فُلِّ
    وأيقَظَ كلّ عبيرٍ غريبٍ وقَطْرةِ طلِّ
    وجَمّعَ مِن سَكَراتِ الطبيعةِ صوتَ احتجاجْ
    ترددَ عند عريش الغلامِ وراء السياجْ
    وهزَّ السكونَ وصاحَ: "لماذا سَرَقْت القَمَرْ?"
    فجُنّ المَسَاءُ ونادى: "وأينَ خَبَأْتَ القَمَرْ?"

    4

    وفي الكوخِ كان الغلامُ يضُمّ الأسيرَ الضحوكْ
    ويُمْطرُهُ بالدموع ويَصْرُخُ: "لن يأخذوك?"
    وكان هُتَافُ الرّعاةِ يشُقّ إليهِ السكونْ
    فيسقُطُ من روحه في هُوًى من أسًى وجنونْ
    وراح يغنّي لملهِمه في جَوًى وانْفعالْ
    ويخلطُ بالدَّمْع والملح ترنيمَهُ للجمالْ
    ولكنّ صوتَ الجماهيرِ زادَ جُنونًا وثورهْ
    وعاد يقلِّبُ حُلْمَ الغلامِ على حدِّ شفرهْ
    ويهبطُ في سَمْعه كالرّصاص ثقيلَ المرورْ
    ويهدمُ ما شيّدتْهُ خيالاتُهُ من قصور
    وأين سيهرُبُ? أين يخبّئ هذا الجبينْ?
    ويحميهِ من سَوْرة الشَّوْقِ في أعين الصائدين?
    وفي أيّ شيء يلفّ أشعَّتَهُ يا سَمَاءْ
    وأضواؤه تتحدّى المخابئَ في كبرياءْ?
    ومرّتْ دقائقُ منفعِلاتٌ وقلبُ الغُلامْ
    تمزِّقُهُ مُدْيةُ الشكِّ في حَيْرةٍ وظلامْ
    وجاء بفأسٍ وراح يشقّ الثَّرَى في ضَجَرْ
    ليدفِنَ هذا الأسيرَ الجميلَ, وأينَ المفرْ?
    وراحَ يودِّعُهُ في اختناقٍ ويغسِلُ لونهْ
    بأدمعِه ويصُبّ على حظِّهِ ألفَ لعنَهْ

    5

    وحينَ استطاعَ الرّعاةُ المُلحّون هدْمَ الجدارْ
    وتحطيمَ بوّابةِ الكوخ في تَعَبٍ وانبهارْ
    تدفّقَ تيّارهم في هياجٍ عنيفٍ ونقمهْ
    فماذا رأوا? أيّ يأسٍ عميق وأيّة صَدْمَهْ!
    فلا شيءَ في الكوخ غيرَ السكون وغيرَ الظُّلَمْ
    وأمّا الغُلامُ فقد نام مستَغْرَقًا في حُلُمْ
    جدائلُهُ الشُّقْرُ مُنْسدلاتٌ على كَتِفَيهِ
    وطيفُ ابتسامٍ تلكّأ يَحلُمُ في شفتيهِ
    ووجهٌ كأنَّ أبولونَ شرّبَهُ بالوضاءهْ
    وإغفاءةٌ هي سرّ الصَّفاءِ ومعنى البراءهْ
    وحار الرُّعاةُ أيسرقُ هذا البريءُ القَمَرْ?
    ألم يُخطِئوا الاتّهام ترى? ثمّ... أينَ القَمَرْ?
    وعادوا حَيارى لأكواخهم يسألونَ الظلامْ
    عن القَمَر العبقريّ أتاهَ وراءَ الغمامْ?
    أم اختطفتْهُ السَّعالي وأخفتْهُ خلفَ الغيومْ
    وراحتْ تكسّرُهُ لتغذّي ضياءَ النجومْ?
    أمِ ابتلعَ البحرُ جبهتَهُ البضّةَ الزنبقيّهْ?
    وأخفاهُ في قلعةٍ من لآلئ بيضٍ نقيّهْ?
    أم الريحُ لم يُبْقِ طولُ التنقّلِ من خُفِّها
    سوى مِزَقٍ خَلِقاتٍ فأخفتْهُ في كهفها
    لتَصْنَعَ خُفّينِ من جِلْدِهِ اللّين اللَّبَنيّ
    وأشرطةً من سَناهُ لهيكلها الزنبقي

    6

    وجاء الصباحُ بَليلَ الخُطَى قمريّ البرُودْ
    يتوّجُ جَبْهَتَهُ الغَسَقيَّةَ عِقْدُ ورُودْ
    يجوبُ الفضاءَ وفي كفّه دورقٌ من جَمالْ
    يرُشّ الندى والبُرودةَ والضوءَ فوق الجبالْ
    ومرَّ على طَرَفَيْ قدمَيْه بكوخ الغُلامْ
    ورشَّ عليه الضياءَ وقَطْرَ النَّدى والسَّلامْ
    وراح يسيرُ لينجز أعمالَهُ في السُُّفُوحْ
    يوزِّعُ ألوانَهُ ويُشِيعُ الرِّضا والوضوحْ
    وهبَّ الغلامُ مِنَ النوم منتعشًا في انتشاءْ
    فماذا رأى? يا نَدَى! يا شَذَى! يا رؤى! يا سماءْ!
    هنالكَ في الساحةِ الطُّحْلُبيَّةِ, حيثُ الصباحْ
    تعوَّدَ ألاَّ يَرَى غيرَ عُشْبٍ رَعَتْهُ الرياحْ
    هنالكَ كانت تقومُ وتمتدّ في الجوِّ سِدْرَهْ
    جدائلُها كُسِيَتْ خُضْرةً خِصْبةَ اللون ِثَرَّهْ
    رعاها المساءُ وغذَّت شذاها شِفاه القَمَرْ
    وأرضَعَها ضوءُه المختفي في الترابِ العَطِرْ
    وأشربَ أغصانَها الناعماتِ رحيقَ شَذَاهُ
    وصبَّ على لونها فضَّةً عُصِرَتْ من سَناهُ
    وأثمارها? أيّ لونٍ غريبٍ وأيّ ابتكارْ
    لقد حار فيها ضياءُ النجومِ وغارَ النّهارْ
    وجُنّتْ بها الشَّجَراتُ المقلِّدَةُ الجامِدَهْ
    فمنذ عصورٍ وأثمارُها لم تَزَلْ واحدهْ
    فمن أيِّ أرضٍ خياليَّةٍ رَضَعَتْ? أيّ تُرْبهْ
    سقتْها الجمالَ المفضَّضَ? أي ينابيعَ عذْبَهْ?
    وأيةُ معجزةٍ لم يصِلْها خَيالُ الشَّجَرْ
    جميعًا? فمن كلّ غُصْنٍ طريٍّ تَدَلَّى قَمَرْ

    7

    ومرَّتْ عصورٌ وما عاد أهلُ القُرى يذكرون
    حياةَ الغُلامِ الغريبِ الرُّؤى العبقريِّ الجُنون
    وحتى الجبالُ طوتْ سرّه وتناستْ خطاهُ
    وأقمارَهُ وأناشيدَهُ واندفاعَ مُناهُ
    وكيف أعادَ لأهلِ القُرى الوالهين القَمَرْ
    وأطلَقَهُ في السَّماءِ كما كانَ دونَ مقرْ
    يجوبُ الفضاءَ ويَنْثرُ فيه النَّدَى والبُرودهْ
    وشِبْهَ ضَبابٍ تحدّر من أمسياتٍ بعيدهْ
    وهَمْسًا كأصداء نبعٍ تحدّر في عمْق كهفِ
    يؤكّدُ أنَّ الغلامَ وقصّتَهُ حُلْمُ صيفِ



    مرثية إمرأة

    [ صور من زقاق بغداديّ ]
    ذهبتْ ولم يَشحَبْ لها خدٌّ ولم ترجُفْ شفاهُ
    لم تَسْمع الأبوابُ قصةَ موتها تُرْوَى وتُرْوَى
    لم تَرتَفِعْ أستار نافذةٍ تسيلُ أسًى وشجوَا
    لتتابعَ التابوت بالتحديقِ حتى لا تراهُ
    إلا بقيّةَ هيكلٍ في الدربِ تُرْعِشُه الذِّكَرْ
    نبأ تعثـّر في الدروب فلم يجدْ مأوًى صداهُ
    فأوَى إلى النسيانِ في بعضِ الحُفَرْ
    يرثي كآبَته القَمَرْ.

    **

    والليلُ أسلم نفسَهُ دون اهتمامٍ, للصَباحْ
    وأتى الضياءُ بصوتِ بائعةِ الحليبِ وبالصيامْ,
    بمُوَاءِ قطٍّ جائعٍ لم تَبْقَ منه سوى عظامْ,
    بمُشاجراتِ البائعين, وبالمرارةِ والكفاحْ,
    بتراشُقِ الصبيان بالأحجار في عُرْضِ الطريقْ,
    بمساربِ الماء الملوّثِ في الأزقّةِ, بالرياحْ,
    تلهو بأبوابِ السطوح بلا رفيقْ
    في شبهِ نسيانٍ عميقْ



    أنا
    الليلُ يسألُ من أنا
    أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
    أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
    قنّعتُ كنهي بالسكونْ
    ولفقتُ قلبي بالظنونْ
    وبقيتُ ساهمةً هنا
    أرنو وتسألني القرونْ
    أنا من أكون?
    والريحُ تسأل من أنا
    أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ
    أنا مثلها في لا مكان
    نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
    نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
    فإذا بلغنا المُنْحَنى
    خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
    فإِذا فضاءْ!
    والدهرُ يسألُ من أنا
    أنا مثلهُ جبّارةٌ أطوي عُصورْ
    وأعودُ أمنحُها النشورْ
    أنا أخلقُ الماضي البعيدْ
    من فتنةِ الأمل الرغيدْ
    وأعودُ أدفنُهُ أنا
    لأصوغَ لي أمسًا جديدْ
    غَدُهُ جليد
    والذاتُ تسألُ من أنا
    أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في ظلام
    لا شيءَ يمنحُني السلامْ
    أبقى أسائلُ والجوابْ
    سيظَل يحجُبُه سراب
    وأظلّ أحسبُهُ دنا
    فإذا وصلتُ إليه ذابْ
    وخبا وغابْ



    (25)
    أمل دنقل
    هو شاعر مصري مشهور ومفكر قومي عربي، ولد في عام 1940 بقرية "القلعة"، مركز "قفط" بمحافظة قنا" في صعيد مصر
    مولد الشاعر ولد امل دنقل عام 1940 بقرية القلعه ,مركز قفط على مسافه قريبه من مدينة قنا في صعيد مصر,وقد كان والده عالما من علماء الازهر الشريف مما اثر في شخصية امل دنقل وقصائده بشكل واضح. سمي امل دنقل بهذا الاسم لانه ولد بنفس السنه التي حصل فيها ابوه على "اجازة العالميه" فسماه باسم امل تيمنا بالنجاح الذي حققه (واسم امل و شائع بالنسبه للبنات في مصر)
    اثر والد امل دنقل عليه
    كما ذكرنا بالاعلى كان والده عالما بالازهر الشريف وكان هو من ورث عنه امل دنقل موهبة الشعر فقد كان يكتب الشعر العمودي,وايضا كان يمتلك مكتبه ضخمه تضم كتب الفقه والشريعه والتفسير وذخائر التراث العربي مما اثر كثيرا في امل دنقل وساهم في تكوين اللبنه الاولى للاديب امل دنقل. فقد امل دنقل والده وهو في العاشره من عمره مما اثر عليه كثيرا واكسبه مسحه من الحزن تجدها في كل اشعاره.
    حياة امل دنقل رحل امل دنقل الى القاهرة بعد ان انهى دراسته الثانويه في قنا وفي القاهره التحق بكلية الآداب ولكنه انقطع عن الدراسة منذ العام الاول لكي يعمل. عمل امل دنقل موظفا بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم بعد ذلك موظفا بمنظمة التضامن الافروآسيوي,وكنه كان دائما ما يترك العمل وينصرف الى كتابة الاشعار. كمعظم اهل الصعيد ,شعر امل دنقل بالصدمه عند نزوله الى القاهرة في اول مره ,واثر هذا عليه كثيرا في اشعاره ويظهر هذا واضحا في اشعاره الاولى. مخالفا لمعظم المدارس الشعرية في الخمسينيات استوحى امل دنقل قصائده من رموز التراث العربي ,وقد كان السائد في هذا الوقت التأثر بالميثولوجيا الغربية عامة واليونانيه خاصة. عاصر امل دنقل عصر احلام العروبه والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر في1967 وعبر عن صدمته في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامه"و مجموعته "تعليق على ما حدث ".
    شاهد امل دنقل بعينيه النصر وضياعه,وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام,ووقتها اطلق رائعته "لا تصالح"والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر كل المصريين ,ونجد ايضا تأثير تلك المعاهده و احداث يناير 1977 واضحا في مجموعته" العهد الآتي"." كان موقف امل دنقل من عملية السلام سببا في اصطدامه في الكثير من المرات بالسلطات المصريه وخاصة ان اشعاره كانت تقال في المظاهرات على السن الآلاف. عبر امل دنقل عن مصر وصعيدها وناسه ,ونجد هذا واضحا في قصيدته "الجنوبي" في آخر مجموعه شعريه له"اوراق الغرفه 8" . عرف القارىء العربي شعره من خلال ديوانه الأول "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (1969) الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارىء ووجدانه.
    صدرت له ست مجموعات شعرية هي:
    البكاء بين يدي زرقاء اليمامة - بيروت 1969.
    تعليق على ما حدث - بيروت 1971.
    مقتل القمر - بيروت 1974.

    العهد الآتي - بيروت 1975.
    أقوال جديدة عن حرب البسوس - القاهرة 1983.
    أوراق الغرفة 8 - القاهرة 1983.
    كلمات سبارتكوس الأخيرة.
    من أوراق أبو نواس.

    اصيب امل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من الاربع سنوات وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته "اوراق الغرفه 8"وهو رقم غرفته في المعهد القومي للاورام والذي قضى فيه ما يقارب ال 4 سنوات,وقد عبرت قصيدته السرير عن آخر لحظاته ومعاناته. لم يستطع المرض ان يوقف امل دنقل عن الشعر حتى قال عنه احمد عبد المعطي حجازي ((انه صراع بين متكافئين ,الموت والشعر)) .

    رحل امل دنقل عن دنيانا في الحادي والعشرين من مايو 1983 لتنتهي معاناته في دنيانا مع كل شيء.


    من قصائده
    العرافة المقدسة
    جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
    أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
    منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
    أسأل يا زرقاء
    عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
    عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة

    عن صور الأطفال في الخوذات... ملقاة علي الصحراء
    عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
    فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
    عن الفم المحشو بالرمال والدماء
    أسأل يا زرقاء
    عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
    عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
    كيف حملت العار
    ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
    ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
    تكلمي أيتها النبية المقدسة
    تكلمي بالله باللعنة بالشيطان
    لا تغمضي عينيك، فالجرذان
    تلعق من دمي حساءها .. ولا أردها
    تكلمي لشد ما أنا مهان
    لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران
    ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها
    ولا احتمائي في سحائب الدخان
    .. تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة
    كان يقص عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادق
    فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادق
    وحين مات عطشا في الصحراء المشمسة
    رطب باسمك الشفاه اليابسة
    وارتخت العينان
    فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟
    والضحكة الطروب: ضحكته ..
    والوجه .. والغمازتان

    ***

    أيتها النبية المقدسة
    لا تسكتي .. فقد سكت سنة فسنة لكي أنال فضلة الأمان
    قيل لي اخرس
    فخرست وعميت ائتممت بالخصيان
    ظللت في عبيد عبس أحرس القطعان
    أجتز صوفها
    أرد نوقها
    أنام في حظائر النسيان
    طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
    وها أنا في ساعة الطعان
    ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
    دعيت للميدان
    أنا الذي ما ذقت لحم الضان
    أنا الذي لا حول لي أو شأن
    أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
    أدعي الى الموت ولم أدعَ الى المجالسة
    تكلمي أيتها النبية المقدسة
    تكلمي تكلمي
    فها أنا علي التراب سائل دمي
    وهو ظمئ يطلب المزيدا
    أسائل الصمت الذي يخنقني
    ما للجمال مشيها وئيدا
    أجندلا يحملن أم حديدا
    فمن تري يصدقني؟
    أسائل الركع والسجودا
    أسائل القيودا
    ما للجمال مشيها ويدا
    ما للجمال مشيها وئيدا؟


    من أوراق " أبو نواس"
    (الورقة الأولى)

    "ملك أم كتابة ؟"
    صاح بي صاحبي، وهو يلقي بدرهم في الهواء
    ثم يلقفه
    (خارجين من الدرس كنا .. وحبر الطفولة فوق الرداء
    و العصافير تمرق عبر البيوت
    وتهبط فوق التخيل البعيد )
    ..
    "ملك أم كتابة؟"
    صاح بي .. فانتبهت، ورفت ذبابه
    حول عينين لامعتين
    فقلت : "الكتابة"
    ...
    ... فتح اليد مبتسماً، كان وجه المليك السعيد
    باسما في مهابة.
    ***
    "ملك ألأم كتابة؟"
    صحت فيه بدوري
    فرفرف في مقلتيه الصبا و النجابة
    وأجاب : " الملك"
    (دون أن يتلعثم .. أو يرتبك)
    وفتحت يدي
    كان نقش الكتابة
    بارزاً في صلابة .
    .....
    ......
    دارت الأرض دورتها
    حملتنا الشواديف من هدأة النهر
    ألقت بنا في جداول أرض الغرابة
    نتفرق بين حقول الأسى .. وحقول الصبابة
    قطرتين ، التقينا على سلم القصر
    ذات مساء وحيد
    كنت فيه : نديم الرشيد
    بينما صاحبي .. يتولى الحجابة !!

    (الورقة الثانية)

    من يملك العملة
    يمسك بالوجهين
    والفقراءُ : بين .. بين .

    (الورقة الثالثة)

    نائماً كنت جانبه ، و سمعت الحرس
    يوقظون أبي
    خارجيّ ؟
    أنا .. ؟!
    مارق ؟
    من ؟ أنا !!
    صرخ الطفل في صدر أمي
    (وأمي محلولة الشعر واقفة .. في ملابسها المنزلية)
    أخرسوا
    واختبأنا وراء الجدار
    أخرسوا
    وتسلل في الحلق خيط من الدم
    (كان أبي يمسك الجرح
    يمسك قامته .. ومهابته العائلية)
    يا أبي
    أخرسوا
    وتواريت في ثوب أمي
    و الطفل في صدرها ما نبسْ
    ومضوا بأبي
    تاركين لنا اليتمَ .. متشحاً بالخرس .

    (الورقة الرابعة)

    - أيها الشعر .. يا أيها الفرح المختلس ّّ
    ...
    (كل ما كنت أكتب في هذه الصفحة الورقية صادرته العسس)
    ....
    (الورقة الخامسة)
    ... وأمي خادمة فارسية
    يتناقل سادتها قهوة الجنس وهي تدير الحطب
    يتبادل سادتها النظرات لأردافها
    عندما تنحني لتضئ اللهب
    يتندر سادتها الطيبون بلهجتها الأعجمية !
    ***
    نائماً كنت جانبها، ورأيت ملاك القدس
    ينجني ، ويربت وجنتها
    وتراخىا الذراعان عني قليلاً
    قليلاً..
    وسارت بقلبي قشعريرة الصمت :
    -أمي
    وعاد لي الصوت
    -أمي
    وجاوبني الموت
    -أميّ
    وعانقتها .. وبكيت
    وغام بي الدمع حتى انحبس !
    (الورقة السادسة)
    لا تسألني إن كان القرآن
    مخلوقاً .. أو أزلي.
    بل سلني إن كان السلطان
    لصاً .. أو نصف نبي !!
    (الورقة السابعة)
    كنت في كربلاء
    قال لي الشيخ أن الحسين
    مات من أجل جرعة ماء ..
    وتساءلت
    كيف السيوف استباحت بني الأكرمين
    فأجاب الذي بصرته السماء :
    انه الذهب المتلألئ : في كل عين .
    .............
    إن تكن كلمات الحسين
    وسيوف الحسين
    وجلال الحسين
    سقطت دون أن تنقذ الحق من ذهب الأمراء
    أفتقدر أن تنقذ الحق ثرثرة لشعراء ؟
    و الفرات لسانٌ من الدم لا يجد الشفتين.
    *****
    مات /ن أجل جرعة ماء
    فاسقني يا غلام .. صباح مساء
    اسقني يا غلام
    علني بالمدام
    أتناسى الدماء

    تعليق على ما حدث في مخيم الوحدات
    1

    قلت لكم مرارا
    إن الطوابير التي تمر
    في استعراض عيد الفطر و الجلاء
    (فتهتف النساء في النوافذ انبهارا)
    لا تصنع انتصارا.
    إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى
    لا تطلق النيران .. الا حين تستدير للوراء
    إن الرصاصة التي ندفع فيها .. ثمن الكسرة و الدواء
    لا تقتل الأعداء
    لكنها تقتلنا .. إذا رفعنا صوتنا جهارا
    تقتلنا ، وتقتل الصغارا

    2

    قلت لكم في السنة البعيدة
    عن خطر الجندي
    عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة
    يحرس من يمنحه راتبه الشهري
    وزيه الرسمي
    ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء
    والقعقعة الشديدة
    لكنه .. إن يحن الموت
    فداء الوطن المقهور و العقيدة :
    فر من الميدان
    وحاصر السلطان
    واغتصب الكرسي
    وأعلن "الثورة" في المذياع و الجريدة !

    3

    قلت لكم كثيرا
    إن كان لابد من الذرية اللعينة
    فليسكنوا الخنادق الحصينة
    (متخذين من مخافر الحدود .. دورا)
    لو دخل الواحد منهم هذه المدينة :
    يدخلها .. حسيرا
    يلقي سلاحه .. على أبوابها الأمينة
    لأنه .. لا يستقيم مرح الطفل
    وحكمة الأب الرزينة
    من المسدس المدلى من حزام الخصر
    في السوق ..
    وفي مجالس الشورى
    ***
    قلت لكم
    لكنكم
    لم تسمعوا هذا العبث
    ففاضت النار على المخيمات
    وفاضت .. الجثث
    وفاضت الخوذات و المدرعات.
    سبتمبر 1970



    لا تصالحْ!
    (1 )


    لا تصالحْ!
    ..ولو منحوك الذهب
    أترى حين أفقأ عينيك
    ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
    هل ترى..؟
    هي أشياء لا تشترى..:
    ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
    حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
    هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
    الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
    وكأنكما
    ما تزالان طفلين!
    تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
    أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
    صوتانِ صوتَكَ
    أنك إن متَّ:
    للبيت ربٌّ
    وللطفل أبْ
    هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
    تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
    إنها الحربُ!
    قد تثقل القلبَ..
    لكن خلفك عار العرب
    لا تصالحْ..
    ولا تتوخَّ الهرب!

    (2)

    لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
    لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
    أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
    أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
    أعيناه عينا أخيك؟!
    وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
    بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
    سيقولون:
    جئناك كي تحقن الدم..
    جئناك. كن -يا أمير- الحكم
    سيقولون:
    ها نحن أبناء عم.
    قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
    واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
    إلى أن يجيب العدم
    إنني كنت لك
    فارسًا،
    وأخًا،
    وأبًا،
    ومَلِك!

    (3)

    لا تصالح ..
    ولو حرمتك الرقاد
    صرخاتُ الندامة
    وتذكَّر..
    (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
    أن بنتَ أخيك "اليمامة"
    زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
    بثياب الحداد
    كنتُ، إن عدتُ:
    تعدو على دَرَجِ القصر،
    تمسك ساقيَّ عند نزولي..
    فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
    فوق ظهر الجواد
    ها هي الآن.. صامتةٌ
    حرمتها يدُ الغدر:
    من كلمات أبيها،
    ارتداءِ الثياب الجديدةِ
    من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
    من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
    وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
    وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
    لينالوا الهدايا..
    ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
    ويشدُّوا العمامة..
    لا تصالح!
    فما ذنب تلك اليمامة
    لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
    وهي تجلس فوق الرماد؟!

    (4)

    لا تصالح
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
    وكيف تصير المليكَ..
    على أوجهِ البهجة المستعارة؟
    كيف تنظر في يد من صافحوك..
    فلا تبصر الدم..
    في كل كف؟
    إن سهمًا أتاني من الخلف..
    سوف يجيئك من ألف خلف
    فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
    لا تصالح،
    ولو توَّجوك بتاج الإمارة
    إن عرشَك: سيفٌ
    وسيفك: زيفٌ
    إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
    واستطبت- الترف

    (5)

    لا تصالح
    ولو قال من مال عند الصدامْ
    ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
    عندما يملأ الحق قلبك:
    تندلع النار إن تتنفَّسْ
    ولسانُ الخيانة يخرس
    لا تصالح
    ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
    كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
    كيف تنظر في عيني امرأة..
    أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
    كيف تصبح فارسها في الغرام؟
    كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
    -كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
    وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
    لا تصالح
    ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
    وارْوِ قلبك بالدم..
    واروِ التراب المقدَّس..
    واروِ أسلافَكَ الراقدين..
    إلى أن تردَّ عليك العظام!

    (6)

    لا تصالح
    ولو ناشدتك القبيلة
    باسم حزن "الجليلة"
    أن تسوق الدهاءَ
    وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
    سيقولون:
    ها أنت تطلب ثأرًا يطول
    فخذ -الآن- ما تستطيع:
    قليلاً من الحق..
    في هذه السنوات القليلة
    إنه ليس ثأرك وحدك،
    لكنه ثأر جيلٍ فجيل
    وغدًا..
    سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
    يوقد النار شاملةً،
    يطلب الثأرَ،
    يستولد الحقَّ،
    من أَضْلُع المستحيل
    لا تصالح
    ولو قيل إن التصالح حيلة
    إنه الثأرُ
    تبهتُ شعلته في الضلوع..
    إذا ما توالت عليها الفصول..
    ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
    فوق الجباهِ الذليلة!

    (7)

    لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
    ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
    كنت أغفر لو أنني متُّ..
    ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
    لم أكن غازيًا،
    لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
    أو أحوم وراء التخوم
    لم أمد يدًا لثمار الكروم
    أرض بستانِهم لم أطأ
    لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
    كان يمشي معي..
    ثم صافحني..
    ثم سار قليلاً
    ولكنه في الغصون اختبأ!
    فجأةً:
    ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
    واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
    وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
    فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
    واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
    لم يكن في يدي حربةٌ
    أو سلاح قديم،
    لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

    (

    لا تصالحُ..
    إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
    النجوم.. لميقاتها
    والطيور.. لأصواتها
    والرمال.. لذراتها
    والقتيل لطفلته الناظرة
    كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
    الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
    وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
    كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
    والذي اغتالني: ليس ربًا..
    ليقتلني بمشيئته
    ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
    ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
    لا تصالحْ
    فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
    (في شرف القلب)
    لا تُنتقَصْ
    والذي اغتالني مَحضُ لصْ
    سرق الأرض من بين عينيَّ
    والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

    (9)

    لا تصالح
    فليس سوى أن تريد
    أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
    وسواك.. المسوخ!

    (10)

    لا تصالحْ
    لا تصالحْ





    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  5. #5

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    (26)
    ابن الفارض


    576 - 632 هـ / 1181 - 1235 م
    عُمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، الملقب شرف الدين بن الفارض.
    شاعر متصوف، يلقب بسلطان العاشقين، في شعره فلسفة تتصل بما يسمى (وحدة الوجود).
    اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره، إلا أنه ما لبث أن زهد بكل ذلك وتجرد، وسلك طريق التصوف وجعل يأوي إلى المساجد المهجورة وأطراف جبل المقطم، وذهب إلى مكة في غير أشهر الحج ‌‍‍‍‍‍‍‍‍! ‍
    وأكثر العزلة في وادٍ بعيد عن مكة.
    ثم عاد إلى مصر وقصده الناس بالزيارة حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.
    وكان حسن الصحبة والعشرة رقيق الطبع فصيح العبارة، يعشق مطلق الجمال وقد نقل المناوي عن القوصي أنه كانت له جوارٍ بالبهنا يذهب اليهن فيغنين له بالدف والشبابة وهو يرقص ويتواجد






    (27)
    شاعرنا المصرى الراحل/عبد القوى الأعلامى

    نشـأتــه :

    ولد عبد القوى عبد القوى عبد الرءوف أبو طالب فى 16 من يوليو عام 1931 م

    وشهرته عبد القوى الأعلامى نسبة إلى مسقط رأسه قرية الأعلام بمحافظة

    الفيوم


    من اهم اعماله


    قصيدة ( أحبك ) ( أغار عليك ) ( شبيه الغزال )

    قصيدة (صيحة الثأر) وقصيدة (صغيرى الشهيد )

    قصيدة ( الموظف ) وقصيدة ( من أين هذا ) و ( العالم يغنى )

    إلى رسول الله ) و ( أقبل يوسف ) 0



    اجمل قصائده



    (1)



    الهي


    إلهى فـؤادي أسيـر الضلـوع ... يناجيك سـرا وأنـت السميـع

    ويرنو إليـك بطـرف الرجـاء...فها قد اغرقتنى بحـار الدمـوع

    تباريج وجدى تسـوق الضنـى...فجد بالوصـال بحـق الشفيـع

    عرفتك يـارب فـى كـل شـئ...فجئت إليـك بشـوق المطيـع

    إلهـى أراك بـنـور اليقـيـن...فأختال كالزهـر عبـر الربيـع

    ويسمو بى الفكر فـوق الـذرا...وتسطع فى درب عمرى الشموع

    ويرقـى جنانـى فيأبـى الدنـا...وأنحوا عن كـل أمـر وضيـع

    إلهـى أحبـك حــب الــذى...تباعـد ثـم احتـواه الرجـوع

    أحبـك يـارب حـب الألــى...تحلو بطهـر كطهـر الرضيـع

    أحبـك حبـا كسـا مهجـتـى...رداء من الصفو بـادى الطـوع

    أحبك حبـا سـرى فـى دمـى...وقد صنتـه فـى مقـام منيـع

    أحبـك يـا سـيـدى خالـقـا...حبانـى بصنـع دقيـق بديـع

    أحبـك يـا رازقـى مؤمـنـا....بأنك بالفضـل ترعـى الجميـع

    أحبـك حبـا جـرى بـحـره...بغير شطـوط يسـود الربـوع

    ومن لـم يحـب إلـه الوجـود...كمن يقتل النفس بئس الصريع

    ويلقى هوانـا بعيـش الضنـى...وعند اللقـاء يـذوق الضريـع


    (2)


    فلسطين

    فلسطين ياجرح كل العرب ... ثراك حرام على المغتصب

    عدوك تب وتبت يداه ... غدا موعدى والعدو اللدود

    أنا فى طريقى حثيثا إليك ... مددت يدى فمدى يديك

    فلسطين حقا أويت الذئاب ... محال فأنت عرين الأسود

    دماء الدخيل ستروى ثراك ... قريبا بلادى سنمحواأساك

    فلسطين إنى ألبى الندا ... فإماأعود وإما الخلود


    (3)

    الي رسول الله



    نُورَ عَرشِ الله أُقـرؤُكَ السَّـلامُ *** قَدْ فَاضَ مَا بينَ الجَّوانحِ مِنْ هَيامِ

    أَبغِى ُرؤَاكَ وَبِى َلواعِـجُ عَاشِـقٍك *** َيمَا أُخفِّفُ مَا بِقْلبِى مِـنْ ضُـرامِ

    رُحْماكَ يَـا طـهَ فَإنَّـكَ هَديُنَـا.. *** وبغيـرِ هَديـكَ لافخَـارَ وَلاسـلامِ

    أَأقُولُ أَنَّـك يَـا حبِيـبُ جَفوتَنَـا *** لِنسيَر فِى دَربِ الغياهِبِ والظَّـلامِ

    أَم يَـا تُـرَى ذَاكَ اختِبـارٌ بَعـدهُ *** نَصر مُبيـن وَانْطِلاقـاتُ الحمَـامِ

    مَالِى أَرَى وَجهُ العُروبَـةِ عَابسـاً *** وَجبينهَا الوَّضاءِ يَعلُـوهُ الرِّغَـام

    عِندِى الجَّوَابَ فَإِنْ قومى أَهْملُـوا *** بَابَ الإلهِ وَكـانَ بيَنهـم احتِـدَامِ

    انظُرْ لِشعبِكَ يَا "مُحمدُ" قـدْ غَـدَا *** دُونَ الأنَامِ بِلا سُرور وَلا ابْتسـامِ

    وَاشْفعْ لَدَى مَلـكِ المُلـوكِ فَإننـا *** لاَ نسْتطيعُ العيشَ فِى كنفِ انْهزَامِ


    (28)
    الشاعر: فاروق جويدة




    *شاعر مصري معاصر ولد عام 1946،

    و هو من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر،

    نظم كثيرام ن ألوان الشعر ابتداء بالقصيدة العمودية وانتهاء بالمسرح الشعري.


    *قدم للمكتبة العربية 20 كتابا من بينها 13 مجموعة شعرية حملت تجربة لها خصوصيتها،

    وقدم للمسرح الشعري 3 مسرحيات حققت نجاحا كبيرا في عدد من المهرجانات المسرحية هي:

    الوزير العاشق ودماء على ستار الكعبة والخديوي.


    *ترجمت بعض قصائده ومسرحياته إلى عدة لغات عالمية منها الانجليزية والفرنسية والصينية واليوغوسلافية،

    وتناول أعماله الإبداعية عدد من الرسائل الجامعية في الجامعات المصرية والعربية.


    *تخرج في كلية الآداب قسم صحافة عام 1968،

    وبدأ حياته العملية محررا بالقسم الاقتصادي بالأهرام، ثم سكرتيرا لتحرير الأهرام،

    وهو حاليا رئيس القسم الثقافي بالأهرام.



    رائعه من روائع الشاعر المبدع

    فاروق جويده





    عتاب من القبر..



    يا أيها الطيف البعيد

    في القلب شيء.. من عتاب

    ودعت أيامي و ودعني الشباب

    لم يبق شيء من وجودي غير ذرات التراب

    و غدوت يا دنياي وحدي لا أنام

    الصمت ألحان أرددها هنا وسط الظلام

    لا شيء عندي لا رفيق.. و لا كتاب

    لم يبق شيء في الحنايا غير حزن.. و اكتئاب

    فلقد غدوت اليوم جزءا من تراب

    بالرغم من هذا أحن إلى العتاب..

    * * *

    أعطيتك الحب الذي يرويك من ظمأ الحياة

    أعطيتك الأشواق من عمر تداعى.. في صباه

    قد قلت لي يوما:

    ((سأظل رمزا للوفاء

    فإذا تلاشى العمر يا عمري

    ستجمعنا السماء))

    * * *

    و رحلت يوما.. للسماء

    و بنيت قصرا من ظلال الحب

    في قلب العراء

    و أخذت أنسج من حديث الصمت

    ألحانا جميلة..

    و أخذت أكتب من سطور العشق

    أزجالا طويلة

    و دعوت للقصر الطيور

    و جمعت من جفن الأزاهر

    كل أنواع العطور

    و فرشت أرض القصر

    أثواب الأمل

    و بنيت أسوارا من الأشواق

    تهفو.. للقبل

    و زرعت حول القصر زهر الياسمين

    قد كنت دوما تعشقين الياسمين

    و جمعت كل العاشقين

    فتعلموا مني الوفاء

    و أخذت أنتظر اللقاء..

    * * *

    و رأيت طيفك من بعيد..

    يهفو إلى حب جديد

    و سمعت همسات الهوى

    تنساب في صوت الطبول..

    لم خنت يا دنياي؟!

    أعطيتك الحب الذي يكفيك عشرات السنين

    و قضيت أيامي يداعبني الحنين..

    ماذا أقول؟

    ماذا أقول و حبي العملاق في قلبي.. يثور؟

    قد صار لحنا ينشد الأشواق في دنيا القبور

    قد عشت يا دنياي أحلم.. باللقاء

    و بنيت قصرا في السماء

    القصر يا عمري هنا أبقى القصور

    فهواك في الدنيا غرور في غرور..

    * * *

    ما أحقر الدنيا و ما أغبى الحياة

    فالحب في الدنيا كأثواب العراة

    فإذا صعدتم للسماء..

    سترون أن العمر وقت ضائع وسط الضباب..

    سترون أن الناس صارت كالذئاب

    سترون أن الناس ضاعت في متاهات الخداع..

    سترون أن الأرض تمشي للضياع

    سترون أشباح الضمائر

    في الفضاء.. تمزقت

    سترون آلام الضحايا

    في السكون.. تراكمت

    و إذا صعدتم للسماء..

    سترون كل الكون في مرآتنا

    سترون وجه الأرض في أحزاننا..

    * * *

    أما أنا

    فأعيش وحدي في السماء

    فيها الوفاء

    و الأرض تفتقد الوفاء

    ما أجمل الأيام في دنيا السحاب..

    لا غدر فيها, لا خداع, و لا ذئاب

    أحلام حائرة

    الموج يجذبني إلى شيء بعيد

    و أنا أخاف من البحار

    فيها الظلام

    و لقد قضيت العمر أنتظر النهار

    أترى سترجع قصة الأحزان في درب الحياة؟

    فلقد سلكت الدرب ثم بلغت يوما.. منتهاه

    و حملت في الأعماق قلبا عله

    ما زال يسبح.. في دماه

    فتركت هذا الدرب من زمن و ودعت الحنين

    و نسيت جرحي.. من سنين

    * * *

    الموج يجذبني إلى شيء بعيد

    حب جديد!

    إني تعلمت الهوى و عشقته منذ الصغر

    و جعلته حلم العمر

    و كتبت للأزهار للدنيا

    إلى كل البشر

    الحب واحة عمرنا

    ننسى به الآلام في ليل السفر

    و تسير فوق جراحنا بين الحفر..

    * * *

    الموج يجذبني إلى شيء بعيد

    يا شاطئ الأحلام

    يوما من الأيام جئت إليك

    كالطفل ألتمس الأمان

    كالهارب الحيران أبحث عن مكان

    كالكهل أبحث في عيون الناس

    عن طيف الحنان

    و على رمالك همت في أشعاري

    فتراقصت بين الربا أوتاري

    و رأيت أيامي بقربك تبتسم

    فأخذت أحلم بالأماني المقبلة..

    بيت صغير في الخلاء

    حب ينير الدرب في ليل الشقاء

    طفل صغير

    أنشودة تنساب سكرى كالغدير

    و تحطمت أحلامنا الحيرى و تاهت.. في الرمال

    و رجعت منك و ليس في عمري سوى

    أشباح ذكرى.. أو ظلال

    و على ترابك مات قلبي و انتهى..

    * * *

    و الآن عدت إليك

    الموج يحملني إلى حب جديد

    و لقد تركت الحب من زمن بعيد

    لكنني سأزور فيك

    منازل الحب القديم

    سأزور أحلام الصبا

    تحت الرمال تبعثرت فوق الربى

    قد عشت فيها و انتهت أطيافها

    و رحلت عنها.. من سنين

    بالرغم من هذا فقد خفقت لها

    في القلب.. أوتار الحنين

    فرجعت مثل العاشقين




    (29)
    شاعر الشرق محمد إقبال..

    تعريف بالشاعر
    شاعر اسلامي باكستاني ولد في اقليم البنحاب ، أنشأ أول مجلة علمية أدبية باللغة الأردية أسمها (مخزن) . عيّن أستاذا للتاريخ والفلسفة الشرقية في لاهور ، ثم سافر الى لندن وحصل على شهادة عالية في الفلسفة والأقتصاد ، من جامعة (كمبورج) ودرس فيها آداب اللغة العربية ، وألقى سلسلة محاضرات اسلامية في لندن نالت شهرة واسعة ،جادت قريحته الشعرية اثر الحرب العالمية الأولى ، صابا غضبه على المستعمرين الغربيين مدافعا عن بلاد الاسلام ،وكان داعية وفيلسوفا اسلاميا وقد خلّف عدة دواوين منها أسرار خودي) أي أسرار معرفة الذات ،(بيام مشرق) أي رسالة الشرق،(بال جبريل )أي جناح جبريل بالأردية ،توفي عام
    1938هـ
    (حديث الروح ) قصيدة للشاعر محمد اقبال


    حديث الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناء
    هتفت به فطار بلا جنــــاح وشق أنينه صدر الفضاء
    ومعــدنه ترابـــي ولــكن جرت في لفظه لغة السماء
    لقد فاضت دموع العشق مني حديثا كان علوي النداء
    وجاوبت المجرة علّ طيفا سرى بين الكواكب في خفاء
    وقال البدر هذا قلب شاك يواصل شجوه عند المساء
    شكواي أم نجواي في هذا الدجى ونجوم ليلى حسّدي أم عودي
    أمسيت في الماضي أعيش كأنما قطع الزمان طريق أمسي عن غدي
    والطير صادحة على أفنائها تبكي الربا بأنينها المتجدد
    قد طال تسهيدي وطال نشيدها ومدا معي كالطل في الغصن الندى
    فالى متى صمتي كأني زهرة خرساء لم ترزق براعة منشد
    قبثارتي مليئت بأنات الجوى لا بد للمكبوت من فيضاني
    صعدت الى شفتي خواطر مهجتي ليبين عنها منطقي ولســـاني
    يشكو لك اللهم قلب لم يعش الا لحمد علاك في الأكوان
    من كان يهتف باسم ذاتك فبلنا من كان يدعو الواحد القهار
    عبدوا الكواكب والنجوم جهالة لم يبلغوا من هديها أنوارا
    هل أعلن التوحيد داع قبلنا وهدى القلوب اليه والأنظار
    ندعو جهارا لا اله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقدار
    اذا الايمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
    ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا
    وفي التوحيد للهمم اتحاد ولن تبنوا العلا متفريقينا
    ألم يبعث لأمتكم نبـــي يوحدكم على نهج الوئــام
    ومصحفكم وقبلتكم جميعا منار للأّخوة والســـلام
    وفوق الكل رحمن رحيم اله واحد رب الأنـــام





    (30)

    أحمد رامي

    البلد:مصر

    تاريخ ميلاده من:1892 تاريخ وفاته 1981 ميلادي

    ـ ولد في القاهرة عام 1892 وتوفي عام 1981
    ـ تخرج في مدرسة المعلمين العالية درس في المكتبات في فرنسا
    ـ عمل في التدريس ثم في دار الكتب المصري
    ـ لقب شاعر الشباب
    ـ صدرت الطبعة الاولي من ديوان رامي عام 1918 كما ترجم رباعيات الخيام


    عودت عيني على رؤياك وقلبي سلم لك أمري
    أشوف هنا عيني في نظرتك لي
    والقي نعيم قلبي يوم ما التقيك جنبي
    وان مر يوم من غير رؤياك
    ما ينحسبش من عمري
    قربك نعيم الروح والعين ونظرتك سحر والهام
    وبسمتك فرحة قلبين عايشين على الأمل البسام
    ان غبت يوم عني أفضل انا وظني
    يقربك مني ويبعدك عني
    واحتار في أمري معاه ومعاك
    وان مر يوم من غير رؤياك مينحسبش من عمري
    لو كنت خدت على بعادك كنت أقدر اصبر واستنى
    واسهر على ضي ميعادك لما الزمان يجمع بينا
    أبات على نجواك واصبح على ذكراك
    واسرح وفكري معاك لكن غالبني الشوق في هواك
    وإن مر يوم من غير رؤياك ما ينحسبش من عمري
    زرعت في ظل ودادي غصن الأمل وانت رويته
    وكل شئ في الدنيا دي وافق هواه انا حبيته
    ومهما شفت جمال وزار خيالي خيال
    انت اللي شاغل البال وانت اللي قلبي روحي معاك
    وإن مر يوم من غير رؤياك ما ينحسبش من عمري
    ويوم ما تسعدني بقربك الاقي كل الناس احباب
    ويفيض على نور حبك اقول مفيش في الحب عذاب
    الحب كله نعيم لا فيه عذول بيلوم
    ولا فيه حبيب محروم
    يا ريت يدوم للقلب صفاك واقضي طول العمر معاك
    ده ان مر يوم من غير رؤياك ما ينحسبش من عمري





    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  6. #6

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    (31)


    عمر بن الخيَّام

    (1040 ـ 1131 م)

    ولد في نيسابور سنة 1040 م وكان أبوه صانع خيام فاشتقّ اسمه من حرفته.

    وكان أثناء صباه يدرس مع صديقين حميمين، وتعاهد ثلاثتهم على أن يساعد من يؤاتيه الحظ الآخرين، وهذا ما كان ..

    فقد وصل إلى الوزارة نظام الملك (الطوسي) فخصّ عمر بن الخيَّام عندها بمائتين وألف مثقال يتقاضاها من بيت المال كل عام.

    وهكذا صار لعمر بن الخيام الوقت الكافي للتفكير بأمور وأسرار الحياة ، بعد أن توفّرت له أسباب المعيشة.

    يقول:

    أفنيتُ عمري في اكتناه القضـاء

    وكشف ما يحجبـه في الخـفاء

    فلم أجـد أسـراره وانقضـى

    عمري وأحسست دبيب الفـناء

    ويقول في رباعياته:

    لبستُ ثوب العمر لـم أُسْتَشَـرْ

    وحرت فيه بيـن شتّـى الفكـر

    وسوف أنضو الثوب عني ولـم

    أدركْ لمـاذا جئـتُ أيـن المقـر

    لـم يبرح الداء فؤادي العليـل

    ولـم أنل قصدي وحان الرحيـل

    وفـات عمـري وأنا جاهـل

    كتاب هذا العمر حسم الـفصول

    وهو يعجب لهذا الفناء السريع للشباب والحياة فيقول:

    تناثرت أيّـام هـذا العـمر

    تناثـر الأوراق حول الشـجر

    فانعم من الدنيـا بلذّاتـهـا

    من قبل أن تسقيك كفّ القدر

    أطْفِىءْ لظى القلب ببرد الشراب

    فإنمـا الأيام مثــل السحاب

    وفي موضع آخر يتدارك نفسه فيقول:

    يا عالم الأسرار علـم اليقين

    يا كاشف الضرّ عن البائـسين

    يا قابـل الأعذار فئنــا إلى

    ظلّك فاقبـل توبـة التائبيـن

    من هنا نرى أن رباعيات الخيام تتراوح بين الإيمان والإلحاد وبين الدعوة للمجون والدعوة للهو وبين طلب العفو من الله عزّ وجلّ وإعلان التوبة.

    لذا اختلف العلماء في تصنيف عمر الخيام والأرجح أنه لم يخرج عن المألوف إنما هي صرخة في وجه الظلم والأمور الدخيلة على الدين الإسلامي في عصره.

    ولم يفكّر أحد ممن عاصره في جمع الرباعيات. فأوّل ما ظهرت سنة 865 هـ، أي بعد رحيله بثلاثة قرون ونصف. ولعلّهم كانوا يخشون جمعها لما حوته من جرأة وحكمة.

    وأوّل ترجمة للرباعيات كانت للغة الإنجليزية، وظهرت سنة 1859، أما الترجمة العربية من الفارسية فقام بها الشاعر المصري أحمد رامي. وهناك ترجمة أخرى للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي.

    عمر الخيام بين فكّي التاريخ

    من أبرز حوادث التزوير في التاريخ أن معظم الناس يقولون بأنّ الخيام لم يكن إلا شاعراً. والصحيح انه كان من أكبر علماء الرياضيات في عصره، واشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه.

    وهو أوّل من اخترع طريقة حساب المثلّثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع الـمخروط.

    وقد وضع الخيام تقويما سنوياً أدقّ من التقويم السنوي الذي نعمل به اليوم.

    وبسبب الفهم الخاطىء لفلسفته ولتصوّفه اتهم بالإلحاد والزندقة وأحرقت كتبه، ولم يصلنا منها سوى الرباعيات لأنّ القلوب أحبّتها وحفظتها من الضياع. غير أن الخيام كان عالماً عبقرياً وملماً ومبدعاً أكثر بكثير من كونه شاعراً . وضياع كتبه في الرياضيات والفلسفة حرم الإنسانية من الاستفادة من الإطلاع على ما وضعه في علوم الجبر والرياضيات.

    من جهة أخرى تم الكشف عن جزء بسيط فقط من عبقريته، من خلال ما تبقى لنا من رباعياته. ولو لم تحرق كتبه لساهمت في الكشف عما خفي على العلماء، وربما توصّلوا لما في كتبه بعد قرون وربما لم يهتدوا حتى الآن إلى ما توصّل إليه..

    آه لو تمهّل أهل السلطة والقرار في إحراق الكتب القيمة .... فقد احرقوا على سبيل المثال لا الحصر كتاب الغزالي "إحياء علوم الدين" بحجة الكفر وحجج أخرى، وما لبث هذا الكتاب أن أصبح بعد سنين الكتاب من أهم الكتب الإسلامية !

    ويذكر هنا أن الأقدار شاءت أن يموت الخيام، وهو الذي اتهم بالإلحاد وأحرقت كتبه، بشكل ملفت للنظر ... مؤكداً إيمانه بالله ... فقد مات الخيام بعد أن صلى ركعتين.




    ( 32)
    الهادي آدم
    (1927 – 2006)

    الهادي آدم شاعر سوداني ولد في بقرية الهلالية في السودان تخرج في كلية دار العلوم بالجامعة المصرية وحصل علي درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، وحصل علي دبلوم عال في التربية من جامعة عين شمس، ثم حصل علي الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري بالسودان وعمل معلما بوزارة التعليم وتدرج في وظيفته الى أن صار مشرفاً تربوياً بوزارة التعليم .

    للشاعر آدم شعر وافر وله دواوين، اشهرها ديوان «كوخ الأشواق»، الذي يعده النقاد من أفضل ما قدم للأدب وللمكتبة السودانية، وكتب في مجالات الابداع الأدبي الأخرى، واشهر ما كتب في هذا المضمار مسرحية باسم «سعاد». كتب عدة أشعار منها قصيدة غداً ألقاك التي غنتها المطربه أم كلثوم. فيما كتب العديد من القصائد آخرها قصيدة لم تنشر بعد بعنوان لن يرحل النيل يصور فيها بريشة الفنان ذكرياته العزيزة التي عاد يتفقدها في حي منيل الروضة الذي سكنه في صباه

    ويعتبر النقاد في الخرطوم الراحل آدم، 80 عاما، أنه ظل لعقود في مصاف الشعراء الكبار، ليس على مستوى السودان، وإنما على مستوى العالم العربي. ورغم انتمائه لجيل سابق للحركة الشعرية المعاصرة، فإنه يعتبر من الشعراء المحدثين.

    والهادي آدم من المعلمين القدامى في السودان في شتى المراحل الدراسية، خاصة المرحلة الثانوية العليا. ويشهد له النقاد ودارسو تاريخ الأدب في بلاده، بأنه من اوائل الذين ساهموا في نهضة الشعر في البلاد، من خلال الجمعيات الأدبية التي كان يشرف عليها في المدارس التي عمل فيها في شتى بقاع السودان.

    يذكر أن قصيدة (أغدا القاك) اختارتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم من بين عشرات القصائد التي قدمت لها إبان زيارتها للسودان في عام 1968، عندما زارت الخرطوم.

    توفي رحمة الله عليه بعد معاناة طويلة من المرض، وشيع الى مثواه الأخير في مدينة الهلالية وسط السودان في 30 نوفمبر 2006.


    مدرسته واتجاهاته الأدبية

    لم يتأثر الهادي آدم بمدرسة شعرية واحدة، ولم يكن ينتمي لتيار أيديولوجي كما أقرانه من الشعراء السودانيين الذين درسوا بمصر كالفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن المعروفين بيساريتهم الصارخة، وكان رائدا في التمثيل الشعري في السودان بمسرحيته الشعرية «سعاد» التي خرجت الى النور عام 1955، والتي أهداها الى الاتحاد النسائي دعما منه لتحرير المرأة من التقاليد البالية التي تؤثر على تقدمها.
    في ديوانه (نوافذ العدم) الذي خرج الى النور عام 1996جمع قصائد كتبها منذ السبعينات للبنان ودمشق وفلسطين ولثورة أبريل 1986 وأفريقيا، وقصائد أخرى لمشاهد من الحياة، كقصيدة نثرية عن (الزار) راسما صورة دقيقة لأحداثه وأبطاله يقول فيها:


    وهناك فلانة تحتضر
    والغرفة توشك تنفجر
    والشيخة تدنو منها تتنهد
    وبيمناها منديل أحمر
    ضمخه المسك ووشاه العنبر
    وبيسراها علبة عسجد
    تفتحها كبتول تتعبد
    وغطاء تجذبه جذبة
    فإذا بفلانة تنهض في جلبة
    وتدور مرارا في الحلبة
    وخروف ذبحته في الدار
    شربت من دمه الحار

    وفي نعي عبد الناصر كتب قصيدة عنوانها (أكذا تفارقنا؟):




    أكـذا تفارقنـا بغيـر وداعيا منية الأبصار والأسمـاع
    أكذا تفارقنا وسينا لـم تـزلتجتاح بين ثعالـب وسبـاع
    وشواهق الجولان عند مكابرمتزايـد الآمـال والأطمـاع
    والقدس في أيدي اللئام تشبثوافيها بأشـرف تربـة وبقـاع



    ورغم قصائده التي تناولت العديد من المواضيع، بالشعر الحر والمقفى إلا أن قلة من الناس يعرفونها، فكما أن بعض الأدباء يكونون (أسرى) للعمل الفذ الذى يطغى على باقي الأعمال الأدبية وأشهرهم الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال)، و(قنديل أم هاشم) ليحيى حقي ، فكذا الحال كان مع الهادي آدم فلا يذكر اسمه إلا ويعقبه التعليق (شاعر قصيدة أغدا ألقاك) !

    كل الشعراء كانوا يحلمون بأن تغني قصائدهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم ويلحنها الموسيقار الكبير عبد الوهاب، وعند زيارتها للخرطوم نهاية الستينات وبعد الاستقبال الكبير لها، قررت أن تغني قصيدة لأحد شعرائها، وكان أن وقع اختيارها على قصيدته (الغد) التي حولت اسمها الى (أغداً ألقاك) وغنتها عام1971 بمسرح سينما (قصر النيل) ليسمعها الجمهور العربي من الخليج الى المحيط.
    وكانت سعادة الهادي آدم كبيرة بهذا العمل، بالرغم من أنه اضطر إلى تغيير أبيات بأكملها بل وتغيير شطرات من أشعاره في هذه القصيدة حتى تغنيها أم كلثوم إلا أنه لم يتوقع أن تصبح حياته أسيرة هذه القصيدة، فرغم دواوينه الثلاثة التي تضم أكثر من مائة قصيدة كتبت منذ أربعينات القرن الماضي وحتى نهاية التسعينات، لم يغن أحد من الفنانين السودانيين أياً من قصائده، ولم يتناولها النقاد بالقدر الكافي من الاهتمام أو الدراسة. ويحكي الصحافيون أنهم عندما يريدون إجراء حوار معه، كان يشترط عليهم بشدة قبل الحوار ألا يسألوه إطلاقا عن قصيدة (أغدا ألقاك)، فيخيب مسعى الصحافي ويظل يدور في فلكها عله يظفر بحديث أو بشيء جديد عنها. وكان الهادي آدم يكتب مقدمات دواوينه الشعرية بنفسه، واللافت أنه لم يشر أبدا لقصيدة (أغدا ألقاك) في أي من المقدمات ولا الى غنائها من قبل أم كلثوم، بل المدهش أن إصدارة المجموعة الكاملة التي خرجت بعد أيام قليلة من وفاته جاءت فيها قصيدة (أغدا ألقاك) بعنوان (الغد). فالهادي آدم ظل محافظا على اسمها الأول في محاولة (يائسة) منه لعدم لفت نظر القارئ إليها حتى لا تكون (جوهرة) الديوان. لكن يبدو أن لعنة (أغدا ألقاك) ـ إذا ما جاز التعبير ظلت تلاحقه، فقد منح وسام الجمهورية الذهبي بسببها، وكذلك كرمته السفارة المصرية بالخرطوم مؤخرا، وبعد وفاته في شهر ديسمبر الماضي نعته وسائل الإعلام والملفات الثقافية بالصحف بـ (رحل صاحب أغدا ألقاك) وأدرج نص القصيدة ومناسبة غنائها، فظلت هي القمة التي وصل إليها باكرا جدا على ما يبدو!


    قصة اختيار أم كلثوم لقصيدة أغداً ألقاك

    في عام 1970نشر الشاعر صالح جودت في إحدى مقالاته الأسبوعية يقول:
    بعد أن غنت أم كلثوم حفلتيها في السودان في إطار حملتها لدعم المجهود الحربي في مصر بعد النكسة عام 1967 ، عادت من هناك تحمل في صدرها شحنة دافئة من الحب للسودانيين وقالت لي يومئذ: إن البلاد العربية جميعاً تعيش مع مصر في محنة النكسة، ولكن أعمقهم شعوراً بها هم أهل السودان.
    إن مستوى الألم في النفس السودانية هو نفس مستواه في النفس المصرية، لقد كنت أدخل بيوتهم فأحس أنني في بيتي وألتقي بهم فأشعر بأنني بين أهلي وعشيرتي .
    ثم أضاف في حديثه ما يتعلق بشأن ما غنته أم كلثوم قائلاً: وسألتني أم كلثوم كيف أستطيع أن أعلن عن حبي لأهل السودان، وقبل أن أجيبها قالت: بأن أغني قصيدة لشاعر من السودان.
    وكانت تلك الرغبة وفق ما رواه الشاعر صالح جودت هي الدافع الأساسي لدى أم كلثوم لكي تغني فعلاً كلمات من إحدى قصائد أحد شعراء السودان المعاصرين.
    ومن أجل ذلك فقد كلفت صالح جودت نفسه بالبحث عن هذه القصيدة.
    وعن هذا قال: اتفقنا على أن نبحث عن القصيدة المنشودة، وطفت بمكتبات القاهرة واستعنت بالأصدقاء فتجمعت لدي سبعة دواوين لسبعة شعراء، ومضيت أدرسها ثم اخترت من كل منها قصيدة تتوفر فيها الصلاحية الغنائية، وأرسلت القصائد السبع لأم كلثوم لتفاضل بينها.
    وبعد أيام سألتني أم كلثوم أيهم أفضل قلت: لقد تركت لك مهمة المفاضلة، حتى لا أكون منحازاً لشاعر دون آخر، قالت لقد اخترت واحدة منها بالفعل ولكن لن أذكرها لك حتى أعرف رأيك.. قلت: إذا كنت تصرين فإنني أفضل قصيدة الهادي آدم فهي أصلحها للغناء.. قالت لخفة ظلها المعهود: برافو عليّ أنا فهذه هي القصيدة التي اخترتها بالفعل .ومن بعد هذا الاختيار شدت أم كلثوم فعلاً بكلمات هذه القصيدة في 6 مايو عام 1971بعد أن وضع لها الألحان المتميزة محمد عبد الوهاب.

    وبالرجوع إلى ديوان الشاعر السوداني الهادي آدم الذي نشرت به هذه القصيدة، يتضح أن ما نشر بالديوان شيء وما غنته أم كلثوم شئ مختلف تماماً حتى أنه قد يبدو أن الشاعر السوداني قد اضطر لإعادة صياغة كلمات هذه القصيدة من جديد وذلك إرضاءً لأم كلثوم وشهرتها العريضة.
    ففي الديوان المنوه عنه والذي صدر في عام 1962تحت عنوان "كوخ الأشواق" عن إحدى دور النشر السودانية بالقاهرة العنوان الاصلى لقصيدة "أغداً القاك" هو "الغد" وأن مطلعها هو:


    أغداً ألقاك
    يا لهف فؤادي من غد
    وأحييك ولكن
    بفؤادي أم يدي

    وقد أشار صالح جودت و الذي يعود إليه الفضل في اختيارها إلى وجود تعديلات على هذه القصيدة حيث قال": "وجاء الهادي أدم إلى القاهرة والتقى بأم كلثوم وكان معها محمد عبد الوهاب وقرأوا القصيدة مرة واثنين وثلاثاً وعشراً وعدلوا وبدلوا وقدموا وأخروا، إلى أن استقروا على الصورة النهائية لهذه القصيدة.
    ولقد بقيت في أدراج أم كلثوم حوالي عام دون أن تشدو بها..

    ومما يجدر الإشارة إلى أن كم التعديلات التي إجريت على كلمات هذه القصيدة كبير لدرجة لم نعهدها في غيرها من القصائد التي تغنت بها أم كلثوم..
    وأولى هذه التعديلات كما سبق وذكرنا كان في عنوان القصيدة نفسها ثم شمل بعد ذلك الأبيات والكثير من كلمات هذه الأبيات.
    إنه ولاشك مجهود كبير بذله الشاعر الهادي آدم حتى تصل كلماته إلى صوت وحنجرة كوكب الشرق أم كلثوم، وكذلك إلى آذان الملايين من عشاقها.. كما كتبت له في الوقت نفسه شهادة بقاء أبدي في عالم الشهرة وعالم قصائد الشعر .


    أغدا ألقاك


    أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غدا
    يالشوق واحترافي في انتظار الموعد
    آه كم أخشى غدي هذا وارجوه اقترابا
    كنت استدينه ولكن هبته لما أهابا
    واهلت فرحة القرب به حين استجابا
    هكذا احتمل العمر نعيما وعذابا
    مهجة جرى وقلبا مسه الشوق فدابا
    أغدا ألقاك ؟
    أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوبي
    أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
    أغدا تشرق أضواؤك في ليل عيوني
    آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني
    كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء
    يا رجائي أنا لم عذبني طول الرجاء
    أنا لك أنت أنت لم أرحل بمن راح وجاء
    أنا أحيا بعد اشواقي بأحلام اللقاء
    فتأت أو لا تأت أو افعل بقلبي ما تشاء
    أغدا ألقاك ؟
    هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر
    هذه الدنيا عيون أنت فيها البصر
    فأرحم القلب الذي يصفو اليك
    لغدا تملكه بين يديك
    وغدا تأتق الجنة أنهارا وظلا
    وغدا للحاضر الزاهر نحيا ليس الا
    وغدا نسمو فلا نعرف للغيب محلا
    وغدا للحاضر الزاهر نحيا ليس الا
    قد يكون الغيب حلوا
    انما الحاضر ..... أحلى
    أغدا ألقاك؟




    (33)


    صلاح جاهين: شاعر الثورة وفيلسوف الفقراء



    لاتستطيع ان تستحضر للذاكرة العبقرى المصرى المبدع صلاح جاهين (1930-1986) الا وتحضر معه بالضرورة كوكبة من المبدعين الذين زاملوه واشتركوا معه فى صنع السيمفونية الباهرة للثقافة والفنون والفكر التحررى المثير فى عصر مصر الذهبى فى الخمسينات والستينات من القرن العشرين. فيحضر معه بالضرورة زميلاه الشاعران أحمد عبد المعطى حجازى وصلاح عبد الصبور وكان الثلاثة يعملون فى غرفة واحدة تضم مكاتبهم الثلاثة فى دار روز اليوسف ويقول حجازى: "كان جاهين أكثرنا نشاطا ومرحا وحضورا، كان يرسم وينظم بالعربية وكان احيانا يغنى بعض الأغنيات الاسبانية من تراث الحرب الأهلية، بالاضافة الى أغنيات روسية، وفى تلك الغرفة سمعت من صلاح جاهين معظم أغنياته التى نظمها فى الخمسينات وأوائل الستينات :ويقول حجازى انه رغم بدانة جاهين فإنه هو الذى علمه رقصة الفالس! ويقول حجازى: "لم يكن صلاح جاهين صوتا بسيطا مفردا، وإنما كان مجمع أصوات، كان صوت مصر وصوت البشرية، صوت الجماعة فى الواقع وفى الحلم معا، صوت جماعة ناهضة حرة متقدمة سعيدة منتمية لحضارة العصر مشاركة فى صنعها. فصلاح جاهين ليس ثمرة تراث قومى مغلق وانما هو ثمرة التراث القومى والتراث الانسانى، وهو يدين للوركا وبول إيلوار بقدر مايدين لشوقى وبيرم التونسى."

    كما لابد أن يحضر معه للذاكرة أيضا شاعر مصر الكبير صلاح عبد الصبور. ليكون هو المقابل المخالف المضاد لصلاح جاهين ربما فى كل شئ، روحا وجسدا، شكلا وموضوعا، فعبد الصبور هادئ حزين متشائم، يكتب بالفصحى شعرا للنخبة المثقفة عاكسا ثقافة عالمية نخبوية، بينما جاهين صاخب مرح متفائل يكتب بالعامية لعامة الشعب شعرا وغناء يفوح برياحين صبايا القرى وأحلام رجل الشارع وتعبه اليومى، دون ان يتخلى عن عمق انسانى فلسفى بالغ التأثير. ولايشترك "الصلاحان" – جاهين وعبد الصبور- سوى فىأن كليهما استطاع ان يؤثر تأثيرا حاسما على جيله فى مجال ابداعه. فيمكن القول أن عبد الصبور قد شكل الذائقة الشعرية والوجدانية لجيل مصرى كامل بقصيدة واحدة هى "احلام الفارس القديم"، والتى اعترف بعض رواد الشعر فى الجيل التالى أنهم كانوا يجوبون طرقات القاهرة ليلا منشدين المقاطع الشهيرة لهذه القصيدة بصوت مرتفع.

    وبينما قام عبد الصبور بتشكيل الذائقة الشعرية لجيل كامل من الشعراء من بعده، قام جاهين بتشكيل الذائقة الوجدانية لجيل الثورة بأكمله، شعراء وفقراء وبسطاء وعمالا وفلاحين وموظفين وعاشقين وحالمين. من هنا تأتى أهمية هذا الشاعر الشعبى العظيم، ولهذا أقوم بالمقارنة بينه وبين صلاح عبد الصبور، فبينما نال عبد الصبور تقديرا كبيرا مستحقا فى الوسط الثقافى المصرى، فإن جاهين فى اعتقادى لم ينل مايستحقه من تقدير يناسب انجازاته الهائلة فى ميادين الابداع المتنوعة التى طرقها، من الرسم الكاريكاتورى الى شعر العامية والزجل والاغنية والأشعار المسرحية والسينمائية والفوازير التليفزيونية ومسرح العرائس والسيناريو السينمائى فضلا عن الأناشيد الوطنية التى صنع منها جاهين فنا جديدا قائما بذاته .

    شاعر الثورة
    بينما اجد بعض النقاد يطلقون على صلاح جاهين لقب "مغنى الثورة" لان كل ماكتبه كان يتحول الى أغنيات ثورية شعبية بصوت فنان الثورة عبد الحليم حافظ بألحان الموسيقار الفريد كمال الطويل، وربما مع بعض التردد فى اطلاق لقب شاعر الثورة عليه، فى ميل للإحتفاظ بلقب شاعر لمن يكتبون بالفصحى، الا أننى لاأجد أى محل للتردد فى وصف جاهين بشاعر الثورة المصرية، فهو وحده من استطاع ان يترجم مشاعر وأحلام وأفراح ملايين المصريين الى كلمات حية متوثبة مليئة بالدفء والزهو والنشوة. فبينما كتب عبد الصبور وحجازى بعض القصائد الفصحى المعبرة عن بعض جوانب تلك الفترة، فإننا لانجد فى قصائدهم تلك حرارة ولهفة وصدق المشاعر اللافحة التى نجدها فى كلمات جاهين، كما وكيفا، ولعل من المفارقة ان القصيدة الوحيدة الدافئة الحس المرهفة الصدق التى كتبها حجازى فى تلك المرحلة بأسرها هى قصيدته العميقة فى رثاء عبد الناصر "مرثية الزمن الجميل" بينما –على العكس- كان رحيل عبد الناصر هو نهاية مرحلة الشعر الثورى لدى جاهين.

    فى أشعاره "الثورية" لم يكتب جاهين شعارات باردة جوفاء بل استطاع ان يغوص فى اعماق الانسان المصرى المتطلع الى عالم أفضل ليستخرج منه بكلمات عامية بسيطة وبليغة فى آن واحد، أجمل ما فيه من أغنيات ومزامير راح ينثر بها البهجة والفرح الحقيقى بالفجر البهى القادم على الأفق. لم تكن فى كلماته أية ظلال لافتعال سياسى او تعبوى، بل كانت مشاعر عفوية صادقة ترقص فى قلبه المتفائل المحب للحياة فتتحول عبر شاعريته الأصيلة الى أناشيد للفرح والحب واللهفة المتوثبة. ولأن هذه المشاعر كانت تعبيرا صادقا عن الوجدان المصرى الجارف فى تلك المرحلة، لم يكن صعبا على مبدع مرهف آخر مثل كمال الطويل أن يضع لها ألحانا نابعة من عمق الوجع المصرى الطويل وصاعدة فى نبرات متسرعة لاهثة فرحة متشوقة للغد الأجمل الذى وعدت به القلوب الفائرة الثائرة.

    وبهذا الصدق والفرح والتفاؤل كتب جاهين –وغنى عبد الحليم- أناشيد إحنا الشعب (56) وبالأحضان (61) والمسئولية (63) وياأهلا بالمعارك (65) وصورة وناصر وغيرها. وكان من المدهش حقا إستقبال الجماهير لهذه الاناشيد وتجاوبها معها حفظا وغناء وكأنها أغنيات فى الحب والصبا والجمال وليس فى الثورة والحرية والكرامة بل والسياسة الاقتصادية (على راس بستان الاشتراكية/ واقفين بنهدس ع المية/ أمة أبطال/ علما وعمال / ومعانا جمال..)

    مزامير الحب والبهجة
    فى نفس الوقت الذى كان يكتب فيه جاهين هذه الأناشيد الوطنية الشعبية الواعدة، كان يكتب أيضا مزامير الزهور والحب والبهجة . فهو عاشق للحياة يحبها بحس شاعر ونزق طفل وتهور شاب مقبل على مباهج الأحلام المنتظرة فى فرح حقيقى. ان علاقة جاهين بالفرح علاقة اساسية حميمة.
    يقول فى رباعياته الشهيرة:
    أنا اللى بالأمر المحال إغتوى
    شفت القمر نطيت لفوق فى الهوا
    طلته ماطلتوش إيه انا يهمنى
    وليه مادام بالنشوة قلبى ارتوى
    عجبى

    ويقول فى رباعية أخرى:
    فتحت شباكى لشمس الصباح
    مادخلش منه غير عويل الرياح
    وفتحت قلبى عشان أبوح بالألم
    ماخرجش منه غير محبة وسماح
    عجبى

    وفى تأكيد على أهمية الفرح العام الجهورى المعلن يقول:
    كرباج سعادة وقلبى منه انجلد
    رمح كأنه حصان ولف البلد
    ورجع لى نص الليل وسألنى ليه
    خجلان تقول أنك سعيد ياولد؟

    ويقول فى شعر الغزل والشقاوة والمحبة:
    يا بنت يام المريله كحلى
    ياشمس هااله، وطاالله م الكومه
    لو قلت عنك فى الغزل قوله
    ممنوع عليا والا مسموح لى؟
    وفى رباعية غزلية آخرى يقول:
    اوقات افوق ويحل عنى غبايا
    واشعر كأنى فهمت كل الخبايا
    أفتح شفايفى عشان اقول الدرر
    مااقولش غير حبة غزل فى الصبايا
    عجبى
    مسئولية الكلمة

    يعرف صلاح جاهين مسئوليته كمبدع وكشاعر. كثيرا ما يشير الى الصمت فى شعره كمرادف للموت، ويشير الى الكلمة كمرادف للحياة. يقول فى قصيدة بعنوان "اتكلموا":
    اتكلموا.. اتكلموا.. اتكلموا
    محلا الكلام، ماألزمه، ماأعظمه
    فى البدء كانت كلمة الرب الاله
    خلقت حياه والخلق منها اتعلموا
    فإتكلموا
    الكلمة ايد الكلمة رجل الكلمة باب
    الكلمة لمبة كهربية فى الضباب
    الكلمة كوبرى صلب فوق بحر العباب
    الجن ياأحباب مايقدر يهدمه
    فاتكلموا

    وفى رباعية جميلة يقول:
    ياعندليب ماتخافش من غنوتك
    قول شكوتك واحكى على بلوتك
    الغنوه مش حتموتك...... إنما
    كتم الغنا هو اللى ح يموتك

    فيلسوف الفقراء
    ينفرد جاهين بخاصية هامة تمنح شعره –على بساطته وعاميته- بعدا فلسفيا لانعرف له مثيلا لدى شعراء العاميه الآخرين بل ولانعرف له مثيلا لدى شعراء الفصحى المصريين، فيما عدا رفيقه صلاح عبد الصبور الذى إتسمت معظم أشعاره بأبعادها الفلسفية والانسانية الشاملة.
    وهنا ايضا –وعلى الأخص- لم يحصل جاهين على حقه من التقدير، بسبب النظرة العدائية من الوسط الثقافى النخبوى للعامية، وربما بسبب التحيز للفصحى والخوف عليها، مع قدر من عدم التصديق لإمكانية ان تقول العامية الدارجة معان تقرب من مدار الفلسفة المقدس. ولكن لايصح ان يمنعنا مثل هذا الموقف الاستعلائى الزائف والخائف من ان نخوض فى رفق وحدب فى أعماق أشعار جاهين لنكتشف مابها من جواهر فكرية ووجدانية بديعة. فإنك لتجد فى رباعياته أصداء لفلسفة سارتر الوجودية ولمواقف البير كامو فى اغترابه ولجرأة نيتشه الذى لم تكن فلسفته سوى شعرا مكثفا. بالإضافة الى نهل جاهين من التراث الفلكلورى المصرى والعربى الاسلامى والمسيحى. ومزجها كلها فى صوت صادق متفرد هو صوته وحده. ولننظر الى بعض رباعياته التى يمكن اعتبار كل رباعية منها أطروحة فلسفية كاملة تطرح كل منها أحد الأسئلة الوجودية الهامة فى تصوير بالغ الإيجاز والإيحاء والدهشة:
    عيد والعيال اتنططوا ع القبور
    لعبوا استغماية ولعبوا بابور
    وبالونات ونايلونات شفتشى
    والحزن ح يروح فين جنب السرور!
    عجبى

    الدنيا صندوق دنيا.. دور بعد دور
    الدكة هى .. وهى كل الديكور
    يمشى اللى شاف ويسيب لغيره مكان
    كان عربجى او كان امبراطور
    عجبى
    أنا شاب لكن عمرى ولا ألف عام
    وحيد ولكن بين ضلوعى زحام
    خايف ولكن خوفى مني أنا
    أخرس ولكن قلبى مليان كلام
    عجبى
    علمى ان كان الخلق من أصل طين
    وكلهم بينزلوا مغمضين
    بعد الدقائق والشهور والسنين
    تلاقى ناس أشرار وناس طيبين
    عجبى
    وكان هذا الفيلسوف الجميل مفتوح القلب سريع البديهه. وأذكر اننى استمعت اليه مرة فى برنامج إذاعى اسمه "جرب حظك" سأله فيه مقدمه عباس أحمد: من فى رأيك أعظم رسام كاريكاتير فى العالم؟ فأجاب جاهين الذى كان بدينا، قصيرا، أصلعا، وكأنه كرة ضخمة: الحقيقة أنى كل ما بصيت فى المراية عرفت ان ربنا سبحانه وتعالى هو أعظم رسام كاريكاتور فى الدنيا ! فانفجر الجمهور ضاحكا.

    عالمى النزعة
    رغم ان صلاح جاهين كان يغنى للاشتراكية فى إخلاص المثقف المنتمى للفكر اليسارى المنحاز للفقراء والبسطاء بشكل اساسى الا انه كان مثقفا وليس ايديولوجيا منغلقا. ومازلت أذكر أنه فى اليوم التالى لإغتيال الرئيس الامريكى الشاب جون كيندى فى عام 1963 فوجئت فى جريدة الاهرام التى كانت تنشر لجاهين رسما كاريكاتوريا شهيرا كل يوم أنها تنشر له قصيدة رائعة فى رثاء الرئيس الامريكى لم أعد أذكر كلماتها ولم اجدها بعد ذلك ولكنى اذكر جيدا انه ختمها وهو يهتف ملتاعا باسم الرئيس الامريكى قائلا: ياجون.. يايوحنا المعمدان! وقد أثرت فى نفس هذه الخاتمة المدهشة للقصيدة. ولم افهم للوهلة الاولى لماذا يخاطبه بيوحنا المعمدان. اذ كنت مازلت طالبا فى ذلك الوقت. ولم يكن فى ذهنى أن جون هى بالعربية يوحنا. فكانت هذه المقاربة الجميلة فى القصيدة والتى تدل على انفتاح جاهين السياسى والدينى معا، فلم تمنعه يساريته الفكرية من التعاطف مع رئيس امريكى شاب كان مثقفا ثقافه انسانية حقيقية وقف امام نفوذ التحالف الصناعى العسكرى فى بلده واشاع فى العالم كله أملا فى مستقبل اجمل.. ولامنعته ثقافته الاسلامية من معرفة واستخدام رمز مسيحى شهير هو يوحنا المعمدان الذى كان يوصف بالصوت الصارخ فى البرية لقوته وشجاعته فى المجاهرة بالحق حتى اوصله هذا الى تقديم رقبته على طبق هدية لسالومى من الملك هيرودس أنتيبى الذى صرخ فى وجهه يوحنا المعمدان يوما: هذا لايحل لك!

    فرسان الثورة
    إستطاعت الثورة المصرية منذ ولادتها وبسبب اهتمام عبد الناصر بالثقافة والفنون والادب اساسا ان تخلق مناخا إجتماعيا مثيرا لعوامل الابداع الانسانى فى جميع المجالات .. وانطلقت مع بداية الثورة وبشكل تلقائى مدهش شرارة الخلق والابداع الفنى والفكرى فى عدد هائل من الشباب المثقف الصاعد من قرى ونجوع مصر الزاحف نحو القاهرة والاسكندرية فإذا بمئات ومئات من المبدعين تتصاعد أنجمهم فى سماء مصر حاملين رايات ملونة زاهية لأعمال جديدة مدهشة فى كل مناحى الابداع.أرصد هذا لأوضح أن صلاح جاهين –وان كان حقا صوتا متفردا مميزا فى الشعر وفنانا مبدعا فى الرسم وغيره من الفنون – لم يكن وحيدا وانما كان واحدا من "جيش" مدهش من المبدعين المجددين الذين استقوا من ينابيع الجسد المصرى المتفجر بإرهاص الولادات الجديدة ووعود الاحلام المثيرة القادمة فى فورة إبداعية نعرف الآن أنها كانت –للأسف- إستثنائية فى تاريخ مصر المعاصر.

    وقد كان لجاهين شاعر الثورة المصرية وواضع مزاميرها الجماعية المحفزة أثر كبير فى حركة النهضة الفكرية التحررية المواكبة، فقد راح فى رسومه وكلماته وأناشيده وأشعاره يرسم ملامح المجتمع الحر القادم فى عيون شباب وصبايا يعانقون أحلام الحب الجميل والحرية الاجتماعية والتحرر الفكرى البادئ بالذات والممتد نحو الانسان فى كل مكان .
    وكان لهذه الفورة الابداعية والتفجر الغنى المثير فعل السحر فى الشباب المثقف الصاعد الى حد انه حتى المثقفين الذين دخلوا السجون فى تلك الفترة بشبهة الميول الشيوعية او اليسارية المتشددة خرجوا منها وهم على إخلاصهم العجيب للثورة التى لم تتورع عن التهام عدة سنوات من شبابهم الحالم، وهى ظاهرة لا نعرف لها مثيلا فى التاريخ.

    هل خان نفسه؟
    حينما أصيبت الثورة المصرية بجرح هزيمة 67 الغائر، ثم برحيل فارسها عبد الناصر عام 70، شاهد جاهين كل شئ ينهار من حوله، فأصاب شاعر الثورة احباط الانكسار ودخل فى صمت المطعون المكلوم. ومع صعود الرئيس "المؤمن" - الذى كان معروفا طوال سنوات الثورة بأنور السادات لنكتشف فجأة ان اسمه الحقيقى هو محمد انور السادات !- أطلقت الاشارة لبدء حركة الهجوم الوحشى والتشويه المجانى لكل جوانب الثورة، المظلم منها والمضئ معا، حتى أن السد العالى نفسه – الذى أعترف العالم مخرا انه اهم عشرة مشاريع هندسية فى العالم فى القرن العشرين – لم يسلم من حملة التشويه الآثمة لإنجازات الثورة.

    ولم يجد شاعر الثورة له مخرجا من نفق الاحباط وظلمة الاحساس بالغبن والضياع وربما لوم الذات وانكار الحلم بل ومعاداته سوى الدخول الى دوامة العمل السينمائى السهل فى حركة هى اقرب الى حركات مهرج السيرك الذى يضحك الآخرين بقلب نازف – فكتب لصديقة دربه سعاد حسنى اغنيات فيلمها "خلى بالك من زوزو" الذى حقق نجاحا جماهيريا ساحقا، بين جماهير متغيرة كانت قد تعبت من وطئة احلامها طوال عشرين عاما، وتعبت من الحروب والمعارك والاناشيد، وارادت ان تنسى وترقص وتلهو على انغام تقول لها ان "الدنيا ربيع، والجو بديع، قفلى على كل المواضيع" وهكذا نظر بعض المثقفين فى حزن الى شاعر الثورة وفارسها القديم وقد انكسرت قوادم احلامه (كما تنبأ صلاح عبد الصبور) وتحول مغنى الجماهيرالى مضحكها . وهو دور استنكروه عليه ولكنه لم يستنكره على نفسه فقد كان دائما منحازا الى الجماهير البسيطة يعبر عن أحلامها وآمالها وعن ضحكاتها وأوجاعها . ولم يجد غضاضة فى ان ينحاز اليها فى لهوها ومزاحها وهو المنحاز أبدا للفرحة والبهجة.

    وقد أراد له –وتوقع منه- البعض ان ينخرط –وهو شاعر الثورة- فى حركة المعارضة الشعبية والطلابية لنظام السادات قبل حرب العبور كما فعل احمد فؤاد نجم بأشعاره الجارفة التى لحنها وغناها الشيخ امام والتى دخلا السجون بسببها . ولكن جاهين لم يفعل ولم يكن له ان يسير فى درب غير دربه فعالمه الشعرى ليس عالم احتجاج ومعارضة ضد النظام فقد كان منسجما مع النظام الناصرى الذى كان منسجما مع أحلام الفقراء وآمال المثقفين معا، وجاهين المنحاز للفرح فى الحياة لم يجد فى نفسه طبيعة الصدام والمعارضة والهجوم على الآخرين. بما فى هذه من العنف العاطفى والخشونة الوجدانية الضرورية للتحمل والصمود . نعم هو شاعر الحلم الثورى لكنه ليس شاعر الغضب والتصدى والتعدى، ولذلك كانت لأناشيده الثورية دائما جانب الاعراس المحفوف بالأجراس والمزامير والرقصات الشعبية، فليدع التصدى والمقاومة والغضب الشعبى لغيره من الشعراء مثل نجم. فهل كان فى هذا خائنا لنفسه أم متسقا معها؟

    لاشك ان هذا سؤال سيستدعى إجابات متناقضة من نقاد مختلفين. اما انا الذى طالما اترعت قلبى مما كان يسكب لنا جاهين كل يوم من مياه المحبة والبهجة والأمل المثير فليس عندى له سوى فيضان من مشاعر العرفان والممنونية والإنحياز الحميم.
    ولعل أجمل مايعبر عن حالة جاهين تلك بعد أنهيار أحلام الثورة التى شارك فى صنعها هى رباعيته التى كتبها عندما أصابه انسداد فى شرايين القلب احتاج الى جراحة فى صيف 1981:
    يامشرط الجراح أمانة عليك
    وانت فى حشايا تبص من حواليك
    فيه نقطة سودة فى قلبى بدأت تبان
    شيلها كمان.. والفضل يرجع اليك.

    لقد كانت النقطة السوداء قد احتلت قلبه الكبير وراحت تكبر فيه وتنهشه هى نفسها النقطة التى اصابت قلب مصر مع جرح 67 ومع رحيل ناصر وانهيار احلام الجيل الصاعد وتسليم السادات مفاتيح مصر للتيارات الدينية الظلامية التى أطفأت مصابيح مصر واحدا بعد الآخر وحاربت الفن والفكر والابداع والتحرر والمساواة والفرح والبهجة والانطلاق والغناء والرقص والمزامير ، فكانت هى الخاتمة السوداء لاحدى أجمل فترات النهضة المصرية فى تاريخها الحديث.

    سيظل جاهين صوتا مميزا مزهوا فى الوجدان المصرى الى الأبد.
    فالشاعر الاصيل لايعرف موتا ولاصمتا. وهو الذى قال:
    دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت
    وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت
    وحاجات كتير بتموت فى ليل الشتا
    لكن حاجات أكتر بترفض تموت.




    (34)
    بيرم التونسي : (1893- 1961)

    ولد الشاعر الشعبي محمود بيرم التونسي في الإسكندرية في 3 مارس 1893م ، وسمي التونسي لأن جده لأبيه كان تونسياً ، وقد عاش طفولته في حي شعبي يدعى " السيالة " ، إلتحق بكُتّاب الشيخ جاد الله ، ثم كره الدراسة فيه لما عاناه من قسوة الشيخ ، فأرسله والده إلى المعهد الديني وكان مقره مسجد أبي العباس ، مات والده وهو في الرابعة عشرة من عمره ، فانقطع عن المعهد وارتد إلى دكان أبيه ولكنه خرج من هذه التجارة صفر اليدين .

    كان محمود بيرم التونسي ذكياً يحب المطالعة تساعده على ذلك حافظة قوية ، فهو يقرأ ويهضم ما يقرؤه في قدرة عجيبة ، بدأت شهرته عندما كتب قصيدته " بائع الفجل " التي ينتقد فيها المجلس البلدي في الإسكندرية الذي فرض الضرائب الباهظة وأثقل كاهل السكان بحجة النهوض بالعمران ، وبعد هذه القصيدة انفتحت أمامه أبواب الفن فانطلق في طريقها ودخلها من أوسع الأبواب .

    أصدر مجلة المسلة في عام 1919 م وبعد إغلاقها أصدر مجلة الخازوق ولم يكن حظها بأحسن من حظ المسلة .

    نفي إلى تونس بسبب مقالة هاجم فيها زوج الأميرة ( فوقية ) ابنة الملك فؤاد ، ولكنه لم يطق العيش في تونس فسافر إلى فرنسا ليعمل حمّالاً في ميناء ( مرسيليا ) لمدة سنتين ، وبعدها استطاع أن يزوّر جواز سفر له ليعود به إلى مصر ، فيعود إلى أزجاله النارية التي ينتقد فيها السلطة والاستعمار آنذاك ، ولكن يلقى عليه القبض مرة أخرى لتنفيه السلطات إلى فرنسا ويعمل هناك في شركة للصناعات الكيماوية ولكنه يُفصل من عمله بسبب مرض أصابه فيعيش حياة ضنكاً ويواجه أياماً قاسية ملؤها الجوع والتشرد ، ورغم قسوة ظروف الحياة على بيرم إلا أنه استمر في كتابة أزجاله وهو بعيد عن أرض وطنه ، فقد كان يشعر بحال شعبه ومعاناته وفقره المدقع . وفي عام 1932 يتم ترحيل الشاعر من فرنسا إلى تونس لأن السلطات الفرنسية قامت بطرد الأجانب فأخذ بيرم يتنقل بين لبنان وسوريا ولكن السلطات الفرنسية قررت إبعاده عن سوريا لتستريح من أزجاله الساخرة واللاذعة إلى إحدى الدول الأفريقية ولكن القدر يعيد بيرم إلى مصر عندما كان في طريق الإبعاد لتقف الباخرة التي تُقلّه بميناء " بور سعيد " فيقف بيرم باكياً حزيناً وهو يرى مدينة بور سعيد من بعيد ، فيصادف أحد الركّاب ليحكي له قصته فيعرض هذا الشخص على بيرم على بيرم النزول النزول في مدينة بور سعيد ، وبالفعل استطاع هذا الشخص أن يحرر بيرم من أمواج البحر ليجد نفسه في أحضان مصر .

    بعدها أسرع بيرم لملاقاة أهله وأسرته ، ثم يقدم التماساً إلى القصر بواسطة أحدهم فيعفى عنه وذلك بعد أن تربع الملك فاروق على عرش مصر فعمل كاتباً في أخبار اليوم وبعدها عمل في جريدة المصري ثم نجح بيرم في الحصول على الجنسية المصرية فيذهب للعمل في جريدة الجمهورية ، وقد قدّم بيرم أعمالاً أدبية مشهورة ، وقد كان أغلبها أعمالاً إذاعية منها ( سيرة الظاهر بيبرس ) و ( عزيزة ويونس ) وفي سنة 1960م يمنحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية لمجهوداته في عالم الأدب . ولكن مرض الربو وثقل السنين يتمكنا من شاعرنا ليتوفى في 5 يناير 1961م .

    غنّت له أم كلثوم عدة قصائد مما ساعد على انتشاره في جميع الأقطار العربية ، وظل إلى آخر لحظة في حياته من حملة الأقلام الحرة الجريئة ، وأصحاب الكلمات الحرة المضيئة حتى تمكن منه مرض الربو وثقل السنين فيتوفى في 5 يناير 1961م بعد أن عاش 69 عاماً .

    من قصائد الشاعر بيرم التونسي من غيرما غنته ام كلثوم بالاضافه الى اسماء اغاني ام كلثوم التي هي من شعره



    الفن ياهل المحبه : روح تخاطب روح ، بلغاها
    و الفن يا اهل البصيره : عين تكلم عين ، بنباهه
    و الفن ياهل القلوب : صوت من سكوت الموت ، احياها
    يا طالب الفن افتح لك كتب في الفن تقراها
    *****
    توت عنخ آمون
    في مصر كنت الملك لك جيش ولك حاميه
    ودوله غير دولتك ما تعمل الموميه
    و امه غير امتك ما تزرع الباميه
    ولما خشوا عليك المقبره يلاقوك
    نايم مفتح .. ولكن في بلد عـميه
    *****
    باريس
    يامدمزيل ياللي ف قصرك يازينه عصرك
    المبسط يحبك على خصرك يتهز قوام
    في الحرب بتواسي المجاريح فوق الطراريح
    وتـقـلبي الغـم بـتـفـريح والنار بغرام
    ومشيتـك في السكه غزال وقيافتـك عال
    كدا سلت ملت مفيش خلخال وسخام لطام
    ولا الايدين فيها غوايش ولا شيء حايش
    كدا لهط مهط فطير بايش اشمط وانام
    اللحم ابيض ومزقـلط وبيـتـزفلط
    والوش ده مش متخطط زي ام لتام
    دول في المدارس ودوكي بيربوكي
    الله يخليكي لابوكي وامك ياتـمام
    طلعتي حافضه جغرافيا وصحه وعافيه
    حتى اللي هوه بلا قافيه حافضاه ياسلام
    البنت عضو في اكاديميا وتعرف كيميا
    خلينا احنا في الباميا والفقر التام
    تمسك ياعم ايد التلفون مش ايد الهون
    اللي تسمّع في الكركون والناس ح تـنام
    فين اللي تعـتر في الحلّه وتكسر قـلّه
    من اللي تـنقـش دانتيلّه من البفته الخام
    مفروده دايما لاتبوز ولا تـتأوز
    عازبه ولما بتجّوز تعمل له مقام
    يبوسها قدام جمعيه وتبوس هيه
    لا ك***ه في الحريه مسيو ومدام
    مادام يحبها وتحبه وداخله ف عبه
    مايسبهاشي ولا بتسبه من عنده كلام
    اما الا نيته ام جلاجل تاخد الراجل
    تركبه الفقر العاجل وتجيب له لجام
    متجوزاه وعاملاه سلم لويتـكلم
    الضرب على صدغه يعلم اكفف واقلام
    تدخل وتخرج ماتشاور عايزه اساور
    ماتخلي شرطي ولامجاور ولا واد خدام
    عليها حته دين عرقوب ولسان مسحوب
    وصدغ اطول م المركوب وتياب قُدام
    وجوزها يشرب بنوره وهيه طاطوره
    تحبل وتولد بالطوره زي الأغنام
    يـيجوا العيال اللي يهرهر واللي يـبربر
    ودا اللي اقرع واللي اعور واللي له خزام
    اطفال اوربا ف عربيات ومربيات
    وبزازات وتبات ونبات ولهم حمام
    لا ده ابوه مليارد كبير ولا دا ابن فقير
    مادام دا يبقى طفل صغير تعذيبه حرام
    قال الكرم خد اموالنا امال مالنا
    يارب سايـبيـن اطفالنا زي الايتام
    مكومين كدا في الشارع روس وكوارع
    والسلسله وعضم الذارع والباقي عضام
    تدوسهم الساده الشماليل يعني المساطيل
    المجعوصين جوا الطومبيل زي الاصنام
    آه لما اشوف رزق الجاهل كدا بالساهل
    صاحب وجاهه دا بيستاهل حكم الاعدام
    الورد
    في كل عام للورد اوان الا النسوان
    بقدرتك نابتين الوان ابيض و احمر
    وانت اللي تعلم وان اجهل فيه ايه اجمل
    من دي الخدود اللي لا تدبل ولا تتغير
    ودي العيون اللي اشهد لك بها و اسجد لك
    دي خلت الطاغي انقاد لك والمتكبر
    والشفتين اللي فالقهم كنت خالقهم
    للابتسام و لا لازقهم دانت تحير
    بذمتي انت اللي جاذبني يا معذبني
    و ياللي ذوقك يعجبني لما تصور
    لك صنعه في العين و الحاجب بيها تتعاجب
    وتقول وجود الله واجب مين بيه يكفر
    ولك قوالب للاجسام غلب الرسام
    يقلدك بحجر و رخام يلقاك اشطر
    يا ست يام زناق محبوك وقميص مفكوك
    حطي على القلب المشبوك ايدك يعمر
    ويام نص ملايه حرير و النص يطير
    على الكتاف انا عقلي صغير غطى المرمر .....
    وياللي ساقـك يسوى رقاب حارت الباب
    في لون حقيقته ان كان بشراب و لا مقـشر
    و ياللي خصرك له حركات تقفل شركات
    ويضج منها داوود بركات لما يحرر
    وياللي لابسه لي جوانتي اربعه سنتى
    على ايه خفيتي و بينتي في اللي ما يظهر
    و ياللي بالدراعات تمشي و لا تحتشمي
    متشمره لي وما اقدرشي عالمتشمر
    و يام شمسيه عايقه على فين سايقه
    يا مركبه الورده اللايقه ع المتشــــــجر
    هواكي الياسمين هافف و حلق رافف
    يصافح العقد اللافف على دى المنحر
    يا مسلمين الله يا حريم انا مالي غريم
    غيركم اروح وياه في جحيم يوم المحشر
    الدنيا و النسوان خلاص و الراجل لاص
    لا طبله تـنفع و لا بلاص لو يتكسر
    *****************************************
    يا شرق فيك جو منور
    والفكر ضلام
    وفيك حراره يا خساره
    وبرود اجسام
    فيك تسعميت مليون زلمه
    لكن اغنام
    لا بالمسيح عرفوا مقامهم
    ولا بالاسلام
    هي الشموس بتخلي الروس
    كدا هو بدنجان
    ******
    يا بــنت باني الهرم لمي هلاليلك
    و البرقع اللي انخرم ويا مناديلك
    يكفي لومان في الحرم
    في قيد خلاخيلك
    ما شفت زيك سجين ساكت و متاوي
    غلبت اقول للرجال خلوا المره حره
    تخش رخره المجال تفهم و تـتـدرى
    العاقله بنت الحلال ما يضرهاش بره
    لكن بتنصح ف مين روس جامده صنطاوي
    جهل النسا بالعلوم خلانا انتيكه
    نفهم في فن الهدوم رقعه و تشتيكه
    وفي البلد عالعموم
    ما تلقى فابريكه
    غير فابريكات الطحين
    فليحيا بدراوي
    راية ولاد العرب في الارض منكوسه
    طول عمرها و السبب احسان و نفوسه
    والله اللي قال ما كدب نسوانا موكوسه
    حتى اللي متعلمين بردون يا شعراوي
    ****************************
    عجلي ملخبط يا خلايج و عنيه مزغللين
    من نسوانك يا فرنسا البيض العريانين
    يا صلاة الزين يا ما شا الله يا ولاد عالنساوين
    على شط السين يا محمد نايمين و ممدين
    واحده عاتعوم في الميه و التانيه في الكابين
    لابسين خلجات للركبه دايبين و مجطعين
    و اللحم زبده طريه كاسياه الفساتين
    مطرح ما دوس و اطبش ملجاشي الا عجين
    ونا هاتعجب يا خوانا يخرب عجلي التخين
    اشمعني جفاهم ابيض و جفايا زي الطين
    ونا ناشف ليه و معضم ودولاته متختخين
    *****
    والله صغير يا محمد حبسوك سبع سنين
    و امك عاتجول يا محمد واختك يا محمدين
    وجرايب جرعت باشا لابسين النياشين
    تلقاهم في الجزيره قاعدين و مفرشين
    للبيه منهم تكريعه يسمعها اللي ف شبين
    صدج من قال بلادنا دي بلاد المنفوخين
    بالبنطلون و الستره عاملين متمدنين
    ليل ونهار يا حبايب مساطيل و منزلين
    ما يشوفوا الطور من النعجه و الفرخه م الهاجين
    ابكي عليك يا معوض مسكين والله مسكين
    وحديك قاعد و حبايبك في البلدان مزعوطين
    زغلول باشا المجاهد في بلاد العيانين
    والسلطه العسكريه قطعت ايدي اليمين
    و اللورد له اوامر مكتوبه عالجبين
    لا البرلمان يمسحها و لا حتى الشياطين


    وهناك المزيد الى من يريد




    اغاني السيده ام كلثوم التي كتبها الشاعر بيرم التونسي






    اكتب لي من غير تأخير




    الأمل


    انا في انتظارك


    انا و انت


    الآهات


    اهل الهوى


    الاولّه في الغرام


    ايه اسمّي الحب


    برضاك يا خالقي


    حبيبي يسعد اوقاته


    حلم


    سلام الله على الحاضرين


    عيني يا عيني


    غني لي شوي شوي


    في نور محياك


    قل لي و لا تخبيش يا زين


    كل الاحبه اثنين


    نصرة قوية


    هو صحيح الهوى غلاّب


    الورد جميل






    بالسلام احنا بدينا




    بطل السلام


    بعد الصبر ما طال


    الحب كده


    شمس الاصيل


    صوت السلام


    ظلموني الناس


    القلب يعشق كل جميل


    نورك يا ست الكل


    يا جمال يا مثال الوطنيه
    (35)



    نبذه عن الشاعراحمد فؤاد نجم
    البطل الثائر ملهم الجماهيرالفاجومي الشاعر الحبيب
    حفظه الله وامد في عمره احمدفؤاد نجم
    قالعنه الشاعرالفرنسي الكبير لويس اراجون
    ان فيه قوه تسقط الاسوار
    واسماه الدكتورعلي الراعيالشاعر البندقيه
    الرئيس الراحل السادات يسميهالشاعر البذيء
    ولقب بآخر الصعاليكالمحترمين
    وبشاعر تكدير الامن العام
    من مواليد مصر شرقيه
    1929 ولد عام

    من قصائده



    حلاويلا
    جيفارا مات
    سقطت سايغون
    يا عرب
    اتجمعوا العشاق
    غابة
    برولوج
    نكسون
    هما مين و إحنا مين
    دلي الشكارة
    القواد الفصيح
    عالمحطة
    البحر بيضحك ليه
    كلمتين ( إلى مصر )
    فاليري جيسكار ديستان
    الممنوعات
    التحالف
    ورقه .. من ملف القضية
    أغنية السلام ..
    يا فلسطينية
    بوتيكات
    طلع الصباح
    المسحراتي
    بقرة حاحا
    أوأه
    جائزة نوبل
    مرحبا
    نويت أصلي
    لا نحالف
    بيان هام
    دور يا كلام على كيفك دور
    نشيد الكروان ( إلى الشعب )
    مقابلة صحفية مع الشاعر
    استغمايه
    الإضراب
    مقدمة أبو العلا 90
    بابلو نيرودا
    عطشان .. يا صبايا
    الشاعر الأكره
    فات الهوى
    هو شي منه
    سايجون
    عنيكي
    أبو العلا 90 الخاتمة
    مٌر الكلام
    النيل عطشان
    ديستان
    تاجر
    حرب الشعب
    الشيخ عاشور
    دعوة
    يا مصر
    أخر الكلام
    الخط دا خطي
    بلح ابريم
    الحمد لله
    كلب الست
    شجرة لو
    أول كلام
    اصحى يا مصر

    ومن اجمل ما قرأت له

    حلاويلا

    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    ده الثوري النوري الكلمنجي .. هلاب الدين الشفطنجي
    قاعد في الصف الاكلنجي ... شكلاطة و كاراميلا ..


    يتمركس بعض الايام ... يتمسلم بعض الايام
    و يصاحب كل الحكام .. و بسطعشر ملة ..


    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    يا حلاولو لو شفتو زمان .. مهموم بقضايا الانسان
    بيتكتك لتقول بركان .. و لا بوتجاز و لا حلة ..


    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    اش حالك يا قريب اليوم .. اش جاب التفاح للدوم
    و اش جاب الغرفة ببدروم ... للعربية و فيلا


    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    جرانين و منابر و ادارة .. و معلق طلبة و زمارة
    يعطل أهو بيسلك يابا .. و يجيبوا المنافيلا


    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    دا ترستق هلاب الدين .. بقى عاقل جداً و رزين
    و يعن عند المجانين .. إن عشنا و متنا بعلة


    حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله


    جيفارا مات

    شعر : أحمد فؤاد نجم

    غناء : الشيخ إمام

    -------------------------------------

    جيفارا مات

    جيفارا مات

    آخر خبر فِ الراديوهات

    و فِ الكنايس

    و الجوامع

    و فِ الحواري

    و الشوارع

    و عَ القهاوي و َ البارات

    جيفارا مات

    جيفارا مات

    و اتمد حبل الداردشة و التعليقات

    ********

    مات المناضل المثال

    يا ميت خسارة عَ الرجال

    مات الجدع فوق مدفعه جوّه الغابات

    جسّد نضاله بمصرعه

    و من سُكات

    لا طبالين يفرقعوا

    و لا اعلانات



    ********

    ما رأيكم دام عزكم

    يا انتيكات

    يا غرقانين

    فِ المأكولات و الملبوسات

    يا دفيانين

    و مولعين الدفايات

    يا محفلطين (1)

    يا ملمّعين يا جيمسنات

    يا بتوع نضال آخر زمن

    ف العوامات

    ما رأيكم دام عزّكم

    جيفارا مات

    لا طنطنة

    و لا شنشنة

    و لا إعلامات و استعلامات

    عيني عليه ساعة القضا

    من غير رفاقه تودّعه

    يطلع أنينه للفضا

    يزعق و لا مين يسمعه

    يمكن صرخ من الألم

    من لسعة النار فِ الحشا

    يمكن ضحك

    أو ابتسم

    أو ارتعش

    أو انتشى

    يمكن لفظ آخر نفس كلمة وداع

    لَجل الجياع (2)

    يمكن وصية للي حاضنين القضية

    بالصراع

    صور كتير ملو الخيال

    و ألف مليون إحتمال

    لكن أكيد و لا جدال

    جيفارا مات موتة رجال



    *******

    يا شغالين و محرومين

    يا مسلسلين (3)

    رجلين و راس

    خلاص خلاص

    مالكوش خلاص

    غير البنادق و الرصاص

    دا منطق العصر سعيد

    عصر الزنوج و الامريكان

    الكلمة للنار و الحديد

    و العدل أخرس أو جبان

    صرخة جيفارا يا عبيد

    في أي موطن أو مكان

    ما فيش بديل

    ما فبش مناص

    يا تجهّزو جيش الخلاص

    يا تقولو عَ العالم
    خلاص





    (36)
    عبدالرحمن الأبنودي

    شاعر مصري ،

    و يعدّ من أشهر شعراء الشعر العامي في العالم العربي شهدت معه وعلى يديه القصيدة العامية مرحلة انتقالية مهمة في تاريخها.

    ولد في قرية أبنود في محافظة قنا في صعيد مصر عام 1938م ، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي متزوج من المذيعة مصرية نهال كمال وله منها بنتان.

    ومن أشهر أعماله السيرة الهلالية التي جمعها من شعراء الصعيد ، دور الأبنودي يتمثل في جمع بعض نصوص الهلالية وليس تأليفها وهو دور ليس هينا ، رغم أن طريقة كتابة اسمه على الأجزاء المطبوعة والمسموعة ، قد توحي بنسبتها اليه.

    كتب أغاني للعديد من المطربين ، ومن أشهر أغانيه :

    عبد الحليم حافظ : المسيح ، عدى النهار ، أحلف بسماها وبترابها ، إبنك يقولك يا بطل ، أنا كل ما أقول التوبة ، الهوى هوايا ،أحضان الحبايب ، وغيرها من أهم أغاني عبد الحليم حافظ .
    محمد رشدي : تحت الشجر يا وهيبة ، عدوية ، وغيرهما .
    فايزة أحمد : يمّا يا هوايا يمّا .
    نجاة الصغيرة : عيون القلب .
    شادية : آه يا اسمراني اللون .
    صباح : ساعات ساعات .
    وردة الجزائرية : طبعًا أحباب .
    ماجدة الرومي : جايي من بيروت ، بهواكي يا مصر
    محمد منير : شوكولاتة ، كل الحاجات بتفكرني ، من حبك مش بريء ، برة الشبابيك ، الليلة ديا، يونس و عزيزة.

    ومن أشهر دواوينه الشعرية :

    المشروع والممنوع
    الموت على الأسفلت
    جوابات حراجي القط
    الأرض والعيال
    الكتابة
    صمت الجرس
    الزحمة
    كتب أغاني العديد من المسلسلات منها : النديم ، وكتب حوار و أغاني فيلم شيء من الخوف ، وحوار فيلم الطوق والإسورة وكتب أغاني فيلم البريء

    و من أشهر كتبه كتاب (أيامي الحلوة) و الذي كان ينشر في ملحق أيامنا الحلوة بجريدة الأهرام في حلقات منفصلة تم جمعهم في هذا الكتاب بأجزائه الثلاث ، و فيه يحكي الأبنودي قصصاً وأحداثاً مختلفة من حياته في صعيد مصر ، و في الكتاب تظهر علاقة الأبنودي بالشاعر المصري أمل دنقل صديق طفولته .

    وقد قام بدوره في مسلسل العندليب حكاية شعب الفنان محمود البزاوى وقد ادى الدور باتقان يحسد عليه ترى محمود البزاوى وكأنك ترىالأبنودى


    يامنه
    والله وشبت يا عبد الرُّحمان ..
    عجّزت يا واد .؟
    مُسْرَعْ؟
    ميتى وكيف؟
    عاد اللي يعجّز في بلاده
    غير اللي يعجز ضيف.!!
    هلكوك النسوان؟
    شفتك مرة في التلفزيون
    ومرة .. وروني صورتك في الجورنان
    قلت : كبر عبد الرحمان.!!
    أمال انا على كده مت بقى لي ميت حول.!!
    والله خايفة يا وليدي القعدة لتطول.
    مات الشيخ محمود
    وماتت فاطنة ابْ قنديل
    واتباع كرم ابْ غبّان
    وانا لسة حية..
    وباين حاحيا كمان وكمان.
    عشت كتير.
    عشت لحد ماشفتك عجّزت يا عبد الرحمان.
    وقالولي قال خَلَّفت
    وانت عجوز خلَّفت يا اخوي؟؟
    وبنات..!!؟
    أمال كنت بتعمل إيه
    طيلة العمر اللي فات؟
    دلوقت مافقت؟
    وجايبهم دِلْوكْ تعمل بيهم إيه؟
    على كلٍّ..
    أهي ريحة من ريحتك ع الأرض
    يونسُّوا بعض.
    ماشي يا عبد الرحمان.
    أهو عشنا وطلنا منك بصة وشمة.
    دلوك بس ما فكرت ف يامنة وقلت: يا عمة؟؟
    حبيبي انت يا عبد الرحمان
    والله حبيبي .. وتتحب.
    على قد ماسارقاك الغربة
    لكن ليك قلب.
    مش زي ولاد الكلب
    اللي نسيونا زمان

    حلوة مرتك وعويْلاتك
    والاّ شبهنا..؟
    سميتهم إيه؟
    قالولي : آية ونور.
    ماعارفشي تجيب لك حتة واد؟
    والاّ أقولك :
    يعني اللي جبناهم..
    نفعونا في الدنيا بإيه؟
    غيرشي الانسان مغرور.!!

    ولسه يامنة حاتعيش وحاتلبس
    لمّا جايب لي قطيفة وكستور؟
    كنت اديتهمني فلوس
    اشتري للركبه دهان.
    آ..با..ي ما مجلّع قوي يا عبد الرحمان.

    طب ده انا ليّا ستّ سنين
    مزروعة في ظهر الباب
    لم طلّوا علينا أحبة ولا أغراب.
    خليهم..
    ينفعوا
    أعملهم أكفان.!!

    كرمش وشي
    فاكر يامنة وفاكر الوش؟
    إوعى تصدقها الدنيا..
    غش ف غش.!!
    إذا جاك الموت يا وليدي
    موت على طول.
    اللي اتخطفوا فضلوا أحباب
    صاحيين في القلب
    كإن ماحدش غاب.
    واللي ماتوا حتة حتة
    ونشفوا وهم حيين..
    حتى سلامو عليكم مش بتعدي
    من بره الأعتاب

    أول مايجيك الموت .. افتح.
    أو ماينادي عليك .. إجلح.
    إنت الكسبان.
    إوعى تحسبها حساب.!!
    بلا واد .. بلا بت..
    ده زمن يوم مايصدق .. كداب.!!
    سيبها لهم بالحال والمال وانفد
    إوعى تبص وراك.

    الورث تراب
    وحيطان الأيام طين
    وعيالك بيك مش بيك عايشين..!!

    يو.....ه يا رمان..
    مشوار طولان
    واللي يطوِّله يوم عن يومه يا حبيبي .. حمار
    الدوا عاوزاه لوجيعة الركبة
    مش لطوالة العمر.
    إوعى تصدق ألوانها صفر وحمر.

    مش كنت جميلة يا واد؟
    مش كنت وكنت
    وجَدَعَة تخاف مني الرجال ..؟
    لكن فين شفتوني ..؟
    كنتوا عيال.!!

    بناتي رضية ونجية ماتوا وراحوا
    وأنا اللي قعدت.
    طيِّب يا زمان..!!
    إ
    إوعى تعيش يوم واحد بعد عيالك
    إوعى يا عبد الرحمان.

    في الدنيا أوجاع وهموم أشكال والوان.
    الناس مابتعرفهاش.
    أوعرهم لو حتعيش
    بعد عيالك ماتموت.

    ساعتها بس ..
    حاتعرف إيه هوّه الموت.!!

    أول مايجي لك .. نط

    لسه بتحكي لهم بحرى حكاية
    فاطنة وحراجي القط..؟

    آ.. باي ماكنت شقي وعفريت
    من دون كل الولدات.
    كنت مخالف..
    برّاوي..
    وكنت مخبي في عينيك السحراوي
    تمللي حاجات.

    زي الحداية ..
    تخوي ع الحاجة .. وتطير .
    من صغرك بضوافر واعرة .. ومناقير.
    بس ماكنتش كداب.
    وآديني استنيت في الدنيا
    لما شعرك شاب..!!

    قِدِم البيت.
    اتهدت قبله بيوت وبيوت.
    وأصيل هوه..
    مستنيني لما أموت..!!

    حاتيجي العيد الجاي؟
    واذا جيت
    حاتجيني لجاي؟
    وحتشرب مع يامنة الشاي .؟؟

    حاجي ياعمة وجيت..
    لالقيت يامنة ولا البيت



    (37)
    حياة حسان بن ثابت قبل الإسلام

    هو أبو الوليد حسان بن ثابت من قبيلة الخزرج التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز وأقامت في المدينة مع الأوس . ولد في المدينة قبل مولد محمد بنحو ثماني سنين ، عاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين أخرى . شب في بيت وجاهة وشرف منصرفا إلى اللهو والشرب والغزل . فأبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي ، من سادة قومه وأشرافهم . وأمه " الفريعة " خزرجية مثل أبيه . وحسان بن ثابت ليس خزرجيا فحسب بل هو أيضا من بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فله به صلة وقرابة .

    وكانت المدينة في الجاهلية ميدانا للنـزاع بين الأوس والخزرج ، تكثر فيها الخصومات والحروب ، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس ، وحسان بن ثابت شاعر الخزرج الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية ، فطارت له في البلاد العربية شهرة واسعة .

    وقد اتصل حسان بن ثابت بالغساسنة ، يمدحهم بشعره ، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أعطيات بني غسان . فقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارف ظلالها . ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر ، فحل محل النابغة ، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان ، إلى أن عاد النابغة إلى ظل أبي قابوس النعمان ، فتركه حسان مكرها ، وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفة بالشعر المدحي وأساليبه ، ومعرفة بالشعر الهجائي ومذاهبه . ولقد كان أداؤه الفني في شعره يتميز بالتضخيم والتعظيم ، واشتمل على ألفاظ جزلة قوية .

    وهكذا كان في تمام الأهبة للانتقال إلى ظل محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام ، والمناضلة دونه بسلاحي مدحه وهجائه .

    حياة حسان بن ثابت في الإسلام

    لما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره ، هاجر إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فدخل في الإسلام . وراح من فوره يرد هجمات القرشيين اللسانية ، ويدافع عن محمد والإسلام ، ويهجو خصومهما . قال صلى الله عليه وسلم يوما للأنصار :

    " ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟ " فقال حسان بن ثابت : أنا لها ، وأخذ بطرف لسانه ، وقال عليه السلام :

    " والله ما يسرني به مِقْول بين بصرى وصنعاء "

    ولم يكن حسان بن ثابت وحده هو الذي يرد غائلة المشركين من الشعراء ، بل كان يقف إلى جانبه عدد كبير من الشعراء الذين صح إسلامهم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على شعر حسان ، وكان يحثه على ذلك ويدعو له بمثل :" اللهم أيده بروح القدس" عطف عليه ، وقربه منه ، وقسم له من الغنائم والعطايا . إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان ، إنما كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب والأنساب . ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا . كان حسان بن ثابت لا يقوى قلبه على الحرب ، فاكتفى بالشعر ، ولم ينصر محمدا بسيفه ، ولم يشهد معركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غزوة .

    مما لا شك فيه أن حسان بن ثابت كان يحظى بمنزلة رفيعة ، يجله الخلفاء الراشدون ويفرضون له في العطاء . في نفس الوقت ، فإننا لا نجد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه موقفا خاصا من الشعر ، ويبدو أن انشغاله بالفتوحات وحركة الردة لم تدع له وقتا يفرغ فيه لتوجيه الشعراء أو الاستماع إليهم . في حين نجد أن عمر رضي الله عنه يحب الشعر ، خاصة ما لم يكن فيه تكرار للفظ والمعنى . وقد روي عن كل من الخليفتين الراشدين عددا من الأبيات لسنا في صدد إيرادها .

    حادثة الإفك : يذهب بعض الرواة إلى أن حسان بن ثابت كان ممن خاض في حديث الإفك الكاذب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قبل إسلامه ، ونراه يعلن براءته من هذا القول الآثم بأشعار يمدحها بها مدحا رائعا مثل قوله :

    حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

    فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطى إلي أنامـل

    ويظهر أن بعض المهاجرين وعلى رأسهم صفوان بن المعطل أثاروه في هذا الحادث ، حتى وجد وجدا شديدا فقال :

    أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

    آثار حسان بن ثابت

    اتفق الرواة والنقاد على أن حسان بن ثابت أشعر أهل المدر في عصره ، وأشعر أهل اليمن قاطبة . وقد خلف ديوانا ضخما رواه ابن حبيب ، غير أن كثيرا من الشعر المصنوع دخله ، لأنه لما كان لحسان بن ثابت موقف خاص من الوجهة السياسية والدينية ، دس عليه كثير من الشعر المنحول ، قام بهذا العمل أعداء الإسلام ، كما قام به بعض كتاب السيرة من مثل ابن إسحاق .

    أغراض شعر حسان بن ثابت

    أكثر شعر حسان في الهجاء ، وما تبقى في الافتخار بالأنصار ، ومدح محمد صلى الله عليه وسلم و الغساسنة والنعمان بن المنذر وغيرهم من سادات العرب وأشرافهم . ووصف مجالس اللهو والخمر مع شيء من الغزل ، إلا أنه منذ إسلامه التزم بمبادئ الإسلام .

    ومن خلال شعر حسان بن ثابت نجد أن الشعر الإسلامي اكتسب رقة في التعبير بعد أن عمر الإيمان قلوب الشعراء ، وهي شديدة التأثير بالقرآن الكريم والحديث الشريف مع وجود الألفاظ البدوية الصحراوية . ومهما استقلت أبيات حسان بن ثابت بأفكار وموضوعات خاصة فإن كلا منها يعبر عن موضوع واحد ، هو موضوع الدعوة التي أحدثت أكبر تغيير فكري في حياة الناس وأسلوب معاشهم . وسنقسم شخصية حسان بن ثابت الشعرية إلى أربعة أقسام هي :

    1. حسان شاعر القبيلة : قبل أن يدخل حسان بن ثابت في الإسلام ، كان منصرفا إلى الذود عن حياض قومه بالمفاخرة ، فكان شعره النضال القبلي تغلب عليه صبغة الفخر. أما الداعي إلى ذلك فالعداء الذي كان ناشبا بين قبيلته والأوس . ولقد كان فخر حسان لنفحة عالية ، واندفاعا شديدا .

    2. حسان شاعر التكسب : اتصل حسان بالبلاط الغساني ، فمدح كثيرا من أمراء غسان أشهرهم عمرو الرابع بن الحرث ، وأخوه النعمان ، ولاسيما جبلة بن الأيهم . وقد قرب الغساسنة الشاعر وأكرموه وأغدقوا عليه العطايا ، وجعلوا له مرتبا سنويا وكان هو يستدر ذلك العطاء بشعره :

    يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلـل

    بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول

    3. حسان شاعر الإسلام : نصب حسان نفسه للدفاع عن الدين الإسلامي ، والرد على أنصار الجاهلية ، وقد نشبت بين الفريقين معارك لسانية حامية ، فكان الشعر شعر نضال يهجى فيه الأعداء ، ويمدح فيه رجال الفريق ، ولم يكن المدح ولا الهجاء للتكسب أو الاستجداء ، بل للدفاع عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . وهذا ينقسم لقسمين :

    · أما المدح الذي نجده في شعر حسان لهذا العهد فهو مقصور على النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه وكبار الصحابة ، والذين أبلوا في الدفاع عن الإسلام بلاء حسنا.وهو يختلف عن المدح التكسبي بصدوفه عن التقلب على معاني العطاء والجود ، والانطواء على وصف الخصال الحميدة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما إلى ذلك مما ينبثق من العاطفة الحقة والعقيدة النفسية ، قال حسان :

    نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

    فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا يلوح كما لاح الصقيل المهنـد

    وأنذرنا نارا وبشر جــنة وعلمنا الإسلام ، فالله نحــمد

    وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ما عمرت في الناس أشهد

    ويلحق بهذا المدح رثاء محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد ضمنه الشاعر لوعة وذرف دموعا حارة ، وتذكرا لأفضال رسول الدين الجديد ، وحنيا للقائد في النعيم :

    مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذلك اليوم أسعى وأجهد

    · وأما الهجاء النضالي : فقد وجهه إلى القرشيين الذين قاموا في وجه الدين الجديد يحاربونه ويهجون محمدا صلى الله عليه وسلم . وكان موقف الشاعر تجاههم حربا لما بينهم وبين محمد من نسب . أما أسلوبه في هجائه فقد كان يعمد إلى الواحد منهم فيفصله عن الدوحة القرشية ، ويجعله فيهم طائرا غريبا يلجأ إليها كعبد ، ثم يذكر نسبه لأمه فيطعن به طعنا شنيعا ، ثم يسدد سهامه في أخلاق الرجل وعرضه فيمزقها تمزيقا في إقذاع شديد ، ويخرج ذلك الرجل موطنا للجهل والبخل والجبن ، والفرار عن إنقاذ الأحبة من وهدة الموت في المعارك .قال حسان هاجبا بني سهم بن عمرو :

    والله ما في قريش كلها نفر أكثر شيخا جبانا فاحشا غمرا

    هذر مشائيم محروم ثويهم إذا تروح منهم زود القـمرا

    لولا النبي ، وقول الحق مغضبة لما تركت لكم أنثى ولا ذكرا

    ويقول في مقطوعة يعير قريشا فيها بهزيمتها يوم بدر :

    فينا الرسول وفينا الحق نتبعه حتى الممات ونصر غير محدود

    مستعصمين بحبل غير منجذم مستحكم من حبال الله ممدود

    من جانب آخر ، فإننا نبعد عن حسان بن ثابت ما اتهمه الرواة به ، وألا نقبل من شعره إلا ما يغلب عليه الإقذاع بالأيام والأنساب .

    4. حسان شاعر اللهو : كان حسان بن ثابت متوفرا على شرب الخمر والاستمتاع بالغناء وما يتبعه من لهو وعبث ، ولا سيما قبل دخوله الإسلام . وله في الخمر أوصاف شهيرة تأتي خصوصا في مدائحه لملوك غسان ، كما له غزل ، وشعره هذا غير مستقل يختلط عادة بالفخر والمدح . وغزله تقليدي في معانيه وصوره .





    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  7. #7

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    قيمة شعر حسان بن ثابت

    شعر حسان بن ثابت طبع مندفع ، وقريحة هائجة . ومن جوانب قيمة شعره :

    1. القيمة الفنية : حسان بن ثابت شاعر شديد التأثر ، قوي العاطفة ، يفوته التأني ، ولهذا ترى شعره يتدفع تدفعا ، متتبعا في ذلك الطبع والفطرة لا الصنعة والتعمل . ومن ثم تلقى شعره خاليا من كل ما يتطلب النظر الهادئ المتفحص ، فمطالعه مقتضبة اقتضابا شديدا ، يسرع في الانتقال منها إلى موضوعة الذي تحتدم به نفسه ، وانتقاله غير بارع عادة . ثم إن كلامه يخلو من الترتيب والتساوق لما في عاطفته في فوران . وهذا الفوران نفسه يحول دون التنقيح . وقد نتج عن ذلك لين وضعف في شعره الإسلامي خصوصا ، لتقدمه في السن ولما كان هنالك من أحوال مثيرة للعاطفة وقد حمي النضال واستعر القتال ، ولانصراف الشاعر إلى الارتجال والسرعة في القول والتدقيق الموضوعي بذكر الغزوات وأربابها . وقد يكون بعض ذلك الضعف ناتجا عما أضيف إلى ديوان حسان بن ثابت من الشعر المنحول . ويخلو شعره من الوصف والتمثيل اللذين كانا في الشعر الجاهلي عموما . إلا أنه لا يخلو على كل حال من الاندفاع العاطفي العنيف ، والصدق في ذلك الاندفاع ، وانتفاض العصب في الأبيات التي تنطلق أحيانا كالسهام أو كالسيل الذي يجرف السخط والهيجان ، والكلام المقذع الذي يهشم تهشيما . وإننا نلمس في كلام حسان أثرا للدين الجديد وللقرآن ، وذلك ظاهر في المعاني الجديدة من ارتياح إلى المصير ، وتفصيل بعض العقائد والشعائر من توحيد وتنزيه وثواب وعقاب ، وذلك ظاهر أيضا في الألفاظ التي أعطاها الإسلام إيحاء جديدا ، ونثرها حسان في شعره . ولقد حق بعد ذلك أن يقال أن حسان بن ثابت هو مؤسس الشعر الديني في الإسلام .

    2. القيمة التاريخية : لشعر حسان ، فضلا عن القيمة الفنية ، قيمة تاريخية كبرى ، فهو مصدر من مصادر تاريخ تلك الأيام ، يسجل مآتي الغساسنة ويصف غزواتهم وممتلكاتهم ، ويسجل أحداث الفجر الإسلامي ، ويطلعنا على أخبار محمد صلى الله عليه وسلم في غاراته وغزواته وفتح مكة ، كما يطلعنا على أسماء الصحابة وأعداء الإسلام . وهكذا كان حسان بن ثابت شاعرا ومؤرخا كما كان شعره فاتحة للشعر السياسي الذي ازدهر في عهد بني أمية .

    نماذج من شعر حسان بن ثابت

    لحسان بن ثابت لاميته التي يمدح بها الغساسنة بمثل قوله :

    بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول

    ومقطوعته الدالية التي يستهلها بقوله :

    وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

    ومقطوعته الميمية التي يقول فيها :

    لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعام

    وقصيدته الهمزية التي يقول فيها لأبي سفيان بن الحارث :

    هجوت محمد فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

    وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء

    فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

    أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء

    وهو في هذه القصيدة يعرض لنا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعة قومه له ونصرتهم لدينه . ويقول أيضا في دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم :

    إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبــع

    أعفة ذكرت في الوحي عفتهم لا يطمعون ولا يزري بهم طمع

    قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

    لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع

    ومن رثائه :

    مرثيته البديعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها أبو زيد الأنصاري فيقول :

    ما بال عينك لا تنام كأنما كحلت مآقيها بكحل الأرمد

    جزعا على المهدي أصبح ثاويا يا خير من وطئ الثر : لا تبعد

    جنبي يقيك الترب لهفي ليتني غيبت قبلك في بقيع الغرقد

    ورثاؤه لعمر حين توفي على إثر طعنة فيروز أبو لؤلؤة المجوسي :

    وفجعنا فيروز لا در دره بأبيض يتلو المحكمات منيب

    إن من يتعمق في ديوان حسان بن ثابت ، يجد أن فحلولة شعره لم تفارقه في جاهليته وإسلامه ، وفي فخامته وعذوبته ، ولا شك في أن ما يظهر من ضعف ولين في بعض إسلامياته ليس أصيلا في فنه وإنما هو عارض ، ساقته ظروف طارئة ، أو منحول دس عليه لغرض ديني أو فكاهي . فلقد كان حسان بن ثابت رمزا من رموز المدافعين عن حياض الإسلام والمسلمين ، فلقد سخر هجاءه في ذم أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، ولقد مضى مفتخرا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين ، وإخوانه الأنصار .



    رحم الله حسان بن ثابت ، وجزاه عنا خير الجزاء




    (38)
    الشاعر عمر ابو ريشه


    مولده وحياته:
    (ولد في منبج بلدة أبي فراس الحمداني في سوريا عام 1910م ونشأ يتيما وتلقى تعليمه الابتدائي في حلب .وأكمل دراسته الجامعية في بيروت في الجامعة الأمريكية وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم عام
    1930م ثم أكمل دراسته في لندن في صناعة النسيج ، وهناك قام بدعوة واسعة للدين الإسلامي بلندن.
    ثار على بعض الأوضاع السياسية في بلادة بعد الاستقلال وامن بوحدة الوطن العربي وانفعل بأحداث الأمة العربية بشدة .
    شغل عدة مناصب :
    · عضو المجمع العلمي العربي دمشق
    · عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب كاريوكا- ريودي جانيرو
    · عضو المجمع الهندي للثقافة العالمية
    · وزير سوريا المفوض في البرازيل 1949 م 1953 م
    · وزير سوريا المفوض للأرجنتين والتشيلي 1953 م 1954 م
    · سفير سوريا في الهند 1954 م 1958 م
    · سفير الجمهورية العربية المتحدة للهند 1958م 1959 م
    · سفير الجمهورية المتحدة للنمسا 1959 م 1961م
    · سفير سوريا للولايات المتحدة 1961 م 1963م
    · سفير سوريا للهند 1964 م 1970 م
    · يحمل الوشاح البرازيلي والوشاح الأرجنتيني والوشاح النمساوي والوسام اللبناني برتبة ضابط أكبر والوسام السوري من الدرجة الأولى وآخر وسام ناله وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى وقد منحه إياه
    الرئيس اللبناني إلياس الهراوي.
    شردته الكلمة اثنين وعشرين عاما في مشارق الأرض ومغاربها وهذا شأن كل صاحب كلمة.
    وتُوفي رحمه الله في الرياض عام 1990 م. وقيل انه دفن في مسقط رأسه.. في سوريا.){1}







    نفسيته في شعره:
    (الشاعر عمر أبو ريشة شاعر أصيل متمكن في مجال الشعر له أسلوبه المميز والمنفرد ، وله طريقته في الشعر وسمته التي يتميز بها عن غيره من الشعراء فأنت تقرأ قصيدة من شعره تسير على نمط معين ولكنه
    يفاجئك في أخرها ببيت يختم به قصيدته تلك ويكون هذا البيت خلاف ما تتصور فيكون بيت مفاجأة أو إثارة بالإضافة إلى أن الشاعر يحشد كما هائلا من الصور والأخيلة في قصيدته حتى لكأنك وسط معمعة من المفاجآت
    والخيالات والظواهر التي لا تتخيلها في الموقف فمثلا في قصيدته اقرئيها تجد :

    إنها حجرتي لقد صدئ النسيان** فيها وشاخ فيها السكوت
    ادخلي بالشموع فهي من الظلمة** وكر في صدرها منحوت
    وانقلي الخطو باتئاد فقد** يجفل منك الغبار والعنكبوت
    عند كأسي المكسور حزمة أوراق** وعمر في دفتيها شتيت

    انظر كيف يقدم لنا الشاعر كما هائلا من الصور والأخيلة والأشباح
    صدئ النسيان ، شاخ السكوت ، وكر ، في صدرها منحوت ، يجفل ، الغبار ، العنكبوت ، كاسي المكسور ، حزمة أوراق ، دفتيها ، شتيت.... كلمات تنهال على الخيال فتعيش القصيدة وكأنك تدخل وكرا فيه أشباح
    وأشياء مرعبة ثم تجده في مجالات أخرى يحلق بنا في الفضاء مع النجوم والشموس والكواكب وكأنما يشعرنا أنه يتطلع إلى الصعود لكن معوقات الواقع تقيده وله نظرة سامية عليا يعبر عنها كثيرا بالنجم والكوكب والشمس
    والفضاء اقرأ له في عدد من قصائده :
    فكم جبل يغفو على النجم خده
    وتهاديت كأني ساحب ** مئزري فوق جباه الأنجم
    وثبت تستقرب النجم مجالا
    جناحه بعدما طال المطال به ** مخضب من شظايا الشهب منكسر
    لأظن جناحي محترقا ** محترقا من لمسة نجمة
    وحمائم بيض في اليم ** مدت أجنحة للنجم
    ما بعدك يا أفقي الأعلى ** دنياي توارت في العتمة
    قدم تجرح أحشاء الثرى ** وفم يلثم خد الفرقد
    وتناقلت آيات رحمتها شفاه الأنجم
    ***
    كلمات كلها تتعلق بالسماء وكأنما تعبر لنا عن نفسية الشاعر الذي عاش يبحث عن الرقي والكمال والرفعة والعلو فهو صاحب همة عالية وارتقاء في الفكر والسلوك لا يرضى بالوضيع بل يحب ان يجلس عاليا رغم كل
    شيء وعلى الرغم مما عاناه هذا الشاعر من معوقات ومن متاعب جنتها عليه همته العالية إلا انه ظل كذلك إلى أن مات مرفوع الرأس اقرأ قوله:

    عشت حرا بلغت جنة دنياي** وجفني بنورها اكتحلا
    إنها نعمة أقطع فيها ** العمر مستغفرا ومبتهلا
    اعف عني يارب بدد همومي** فلقد عشت مرة رجلا


    أيضا نجد في شعر الشاعر نبرة الفخر والاعتزاز بالنفس والثقة ولا نستغرب في رجل لم يفتأ يتجرع غصص المجد ليصل إلى مبتغاه ولو خذلته الدروب ولكنه بذل من أجلها الكثير فاستطاع أن يصل إلى الكثير مما تمناه
    ولو لم يستطع الإتمام إلا أنه لم يكن محابيا ولو حابى لاستطاع الوصول لكن طموحة أبى عليه وتألقه منعه من أن يصل بالتنازل عن مبادئه التي يؤمن بها فرضي أن يظل حسب ما أمكنه مع الاحتفاظ بكرامته التي يراها أعز
    ما لديه وما أغلى الكرامة ، بل ربما يرفض المجد إن كان بطريقة غير مشروعه يقول:

    ما أرخص المجد إذا زارني ** ولم يكن لي معه موعد

    وهي نظرة تخصه كما قال البارودي قبله :

    أسير على نهج يرى الناس غيره ** لكل امرئ فيما يحاول مذهب

    ولذا تجد تشابها بين الرجلين في نظرتهما للحياة ، ولمكاسبها ولذا كان البارودي وأبو ريشة يدفعان ثمن إبائهما غاليا لكنهما نفذا رغبتيهما بثمن باهض، وعاشا وهما يعانيان نتيجة الرفض والإباء ولكل ثمن ، يعبر عنه امرؤ
    القيس عندما بكى صاحبه وهما مسافران طلبا للملك :

    بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ** وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
    فقلت له لا تبك عينك إنما ** نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

    إذن،أشعرُ أن أبا ريشة عاش غريبا ومات غريبا حفاظا على مبدإٍ اعتقده فعبر عن ذلك في شعره :
    أتكلم ما ذا أتكلم
    أقلامي جف عليها الدم
    ولهاتي سالت في المأتم
    أتكلم ؟ هل أحمل في صدري أسرار
    أخشى أن تفشى أو تكتم
    إني لا احمل غير العار
    في الدرب الموحش والمبهم
    إني غنيت إلى الآلام فكيف عليها أتألم
    أتكلم ، أعرفني شبحا لا ظل له فوق الأرض
    في الهدأة من غصص الذكرى
    يتساءل بعضي عن بعض
    فأغض واختصر الآلام وأمسك بالريح وأمضي
    وهكذا مضى عمر وهو لا يمسك بشي إلا بكرامته ورفعة نفسه وإبائه وكفاه ذلك



    وثبت تستقرب النجم مجالا



    وثبتْ تَستقربُ النجم مجالا
    وتهادتْ تسحبُ الذيلَ اختيالا



    وحِيالي غادةٌ تلعب في
    شعرها المائجِ غُنجًا ودلالا



    طلعةٌ ريّا وشيءٌ باهرٌ
    أجمالٌ ؟ جَلَّ أن يسمى جمالا



    فتبسمتُ لها فابتسمتْ
    وأجالتْ فيَّ ألحاظًا كُسالى



    وتجاذبنا الأحاديث فما
    انخفضت حِسًا ولا سَفَّتْ خيالا



    كلُّ حرفٍ زلّ عن مَرْشَفِها
    نثر الطِّيبَ يميناً وشمالا



    قلتُ يا حسناءُ مَن أنتِ ومِن
    أيّ دوحٍ أفرع الغصن وطالا ؟



    فَرَنت شامخةً أحسبها
    فوق أنساب البرايا تتعالى



    وأجابتْ : أنا من أندلسٍ
    جنةِ الدنيا سهولاً وجبالا



    وجدودي ، ألمح الدهرُ على
    ذكرهم يطوي جناحيه جلالا



    بوركتْ صحراؤهم كم زخرتْ
    بالمروءات رِياحاً ورمالا



    حملوا الشرقَ سناءً وسنى
    وتخطوا ملعب الغرب نِضالا



    فنما المجدُ على آثارهم
    وتحدى ، بعد ما زالوا الزوالا



    هؤلاء الصِّيد قومي فانتسبْ
    إن تجد أكرمَ من قومي رجالا



    أطرق القلبُ ، وغامتْ أعيني
    برؤاها ، وتجاهلتُ السؤالا




    (39)
    النابغة الذبياني


    (... - 18 ق. هـ = ... - 605 م)

    هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن مرّة بن عوف بن سعد، الذبياني، الغطفاني، المضري. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، ينتهي نسبه كما قال التبريزي إلى قيس بن عيلان، ويكنى بأبي أمامة، وقيل بأبي ثمامة، كما هو وارد في "الشعر والشعراء"، وبأبي عقرب على ما يذهب إليه البغدادي في خزانة الأدب. والنابغة لقب غلب على الشاعر، اختلف النقاد في تعليله وتفسيره، أما ابن قتيبة فيذكر أنه لقب بالنّابغة لقوله:
    وحلّت في بني القين بن جسر- فقد نبغت لهم منا شؤون
    وردّ ابن قتيبة هذا اللقب إلى قولهم: "ونبغ- بالشعر- قاله بعد ما احتنك وهلك قبل أن يهتر". وفي رأي البغدادي، أن هذا اللقب لحقه لأنه لم ينظم الشعر حتى أصبح رجلاً. وربّما كان اللقب مجازاً، على حدّ قول العرب: نبغت الحمامة، إذا أرسلت صوتها في الغناء، ونبغ الماء إذا غزر. فقيل: نبغ الشاعر، والشاعر نابغة، إذا غزرت مادة شعره وكثرت. ولا يعرف شيئاً يذكر عن نشأة الشاعر قبل اتصاله بالبلاط، فيما خلا ما نقله صاحب الروائع عن المستشرق دي برسفال، من مزاحمة النّابغة لحاتم الطائيّ على ماوية، وإخفاقه في ذلك.
    ويذكر ابن قتيبة أن النّابغة كان شريفاً فغضّ الشعر منه، ويرى صاحب أدباء العرب أن النّابغة من سادات قومه، ويخالف هذا الاتجاه حين يقول: نشأ النّابغة في الوسط من قومه، لا في الذروة من الشرف. ويقول آخرون: ولا معنى لقول الرواة: أنه أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم.
    والنابغة من سادات قومه، لما كان للشعراء من منزلة في الجاهلية وللدور الذي لعبه في توسطه لقومه عند الغساسنة ومنعهم من حربهم، في مواقف عديدة. أما لماذا "غضّ الشعر منه" فزعم لا يقبله النقد الحديث، فقد كان النّابغة معزّزاً عند الملوك، ومكرماً في قومه، وإنما هو حسد الحاسدين الذين لم يقووا على الارتفاع إلى منزلة الشاعر، فراحوا يعيّرونه لتكسبه بالشعر، وربّما قصد بتلك الغضاضة هروبه من بلاط النعمان إثر حادثة "المتجردة".
    كان أول اتصال النّابغة ببلاط الحيرة، دخوله على المنذر الثالث ابن ماء السماء في أواخر ملكه على ما يرجّح النقاد. ومع اندحار اللخميين أمام المناذرة في معركة يوم حليمة التي دارت بين جيش المنذر الثالث وجيش الحارث بن جبلة الغسّاني، فقد ظل النّابغة وطيد الصلة بالمناذرة إذ هنأ عمرو بن هند حين ارتقى العرش بعد أبيه. ولكن علاقة الشاعر بالمناذرة انقطعت بعد ذاك ولا سيما في الفترة بين (570- 580)، وهي الفترة التي مثّل فيها دور الشاعر السياسي، لاهتمامه آنذاك بحوادث حرب السباق. ومن الطبيعي أن يمثل النّابغة في حرب "السباق" دوراً له شأنه، وهو شاعر ذبيان الرفيع المكانة.
    ولما كان للشعر، منزلته في نفوس القوم، ومكانته في مواطن المنافرة والخصومة إذ من شأنه أن يكسب القبيلة من القوة ومنعة الجانب، ما لا تظفر به في قتال، رأينا النّابغة الذبياني، يهتم في ظروف هذه الحرب، بأمور قومه فراح يخوض غمارها بشعره، لا بسيفه فكشف لنا بذلك عن جانب حيّ من شاعريته، وناحية رئيسة من شخصيته.
    كان همّ الشاعر في تلك الرحى الدائرة، أن يرجّح كفة ذبيان، على عبس فاستهدف في شعره "السياسي": اصطناع الأحلاف لقبيلته، من أحياء العرب ومن بينها بنو أسد. وكما مثّل النّابغة دور الشاعر السياسي، في ظروف حرب داحس والغبراء فقد مثّل دور شاعر القبيلة، في التوسط لقومه عند الغساسنة في أكثر من موقف: كانت بعض القبائل العربية، تنتهز فرصة انشغال الغساسنة في حربهم ضد المناذرة، فتغير على أرض غسّان طمعاً في الغنيمة، ومن بين هذه القبائل، قوم الشاعر بنو ذبيان.
    وكان الغساسنة بكتائبهم، يوقعون بهؤلاء المغيرين، فيأسرون رجالاً منهم وكثيراً ما وقع رجال من فزارة أقرباء ذبيان، في قبضة الغساسنة، فكان النابغة بما له من مكانة عند أمراء الغساسنة، يتلطّف في الشفاعة لهم، ويتوسط للعفو عنهم. وعندما رقي النعمان الثالث، أبو قابوس عرش الحيرة، أراد أن يظهر بمظهر الملك العزيز الجانب وينافس أعداءه الغسانيين بمظاهر العظمة. وكان النعمان على ما يظهر محباً للأدب أو كان يدرك على الأقل ما للشعر من أثر كبير في الدعاية للبلاط وتصويره بصورة الفخامة، وهكذا اجتمع في بلاطه جملة من الشعراء كان النّابغة أبرزهم وقد ترك آنذاك الغساسنة وعاد إلى الحيرة.
    وتتفق روايات المؤرخين على أن النّابغة نال حظوة كبيرة عند النعمان الذي قرّبه إليه بعد أن أحسن وفادته. ولا شك أن الشاعر نزل من نفس الملك منزلة طيبة فآثره هذا بأجزل عطاياه وأوفر نعمه، مما لم ينله شاعر قبله، ويذكر أبو الفرج في أغانيه أن النّابغة كان يأكل ويشرب في آنية من الفضة والذهب. وعن ابن قتيبة عن ابن الكلبي الرواية الآتية التي تثبت مكانة الشاعر عند النعمان. قال حسان بن ثابت: رحلت النعمان فلقيت رجلاً فقال: أين تريد فقلت هذا الملك قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً، ثم يسأل عنك رأس الشهر ثم أنت متروك شهراً آخر ثم عسى أن يأذن لك فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النّابغة فاظعن، فإنه لا شيء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بي ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالاً كثيراً ونادمته فبينما أنا معه في قبة إذ جاء رجل يرجز. فقال النعمان: أبو أمامة فأذنوا له، فدخل فحيا وشرب معه، ووردت النعم السود، فلما أنشد النابغة قوله:
    فإنك شمسٌ والملوكُ كواكب- إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ
    دفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحداً حسدي النّابغة لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره. واستبد النابغة بمودة الملك النعمان وجزيل عطائه وسابغ نعمه، فلا عجب أن يثير هذا حفيظة الشعراء ليعملوا على إفساد علاقته ببلاط الحيرة. ومهما يكن من أمر فإن الدسيسة قد نجحت بعد لأي، وبات الشاعر مهدداً بدمه وحياته، لكنّ حاجب أبي قابوس عصام بن شهبر الجرمي- وكان بينه وبين النّابغة إخاء وصداقة- حذّره من غضب النعمان، ونصحه بترك البلاط، فاضطر النّابغة إلى الفرار، فلجأ إلى الغساسنة، وفي نفسه حسرة، وغيظ، وأمل في العودة. يذكر ابن قتيبة، أن الرواة اختلفوا في السبب الذي حمل الملك النعمان على أن ينذر دم شاعره، على أننا نستطيع أن نحيط بأبرز الدوافع التي أوقعت الجفاء بين أبي قابوس والنابغة. وذكر قوم أن النابغة هجا الملك بقوله:
    قبّح الله ثم ثنّى بلعن- وارثَ الصائغ الجبانَ الجهولا
    ويقال بأن السبب في مفارقة النّابغة النعمان، ومصيره إلى غسّان، خبر يتصل بحادثة المتجردة. والمتجردة هذه، امرأة النعمان، وكانت فائقة الحسن، بارعة الجمال، وكان النعمان على ما يروى قصيراً دميماً أبرش. وقد تعددت الروايات حول وصف النابغة للمتجردة. قيل بأن النابغة دخل على النعمان، ذات يوم، فرأى زوجته المتجردة وقد سقط نصيفها فاستترت منه بيدها. فأمره النعمان بأن يصفها له فأنشأ قصيدته التي يقول فيها:
    سقط النصيف ولم ترد إسقاطه- فتناولتْه واتّقتنا باليدِ
    وأردف ابن قتيبة يقول: وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكري يتهمِ بالمتجردة ويظن بولد النعمان منها أنهم منه، وكان المنخّل جميلاً، وكان النعمان قصيراً دميماً، فلما سمع المنخل هذا الشعر، قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلا من قد جرّب. فوقر ذلك في نفسه، وبلغ النابغة ذلك فخافه فهرب إلى غسان.
    ولعلّ اتصال النابغة بالغساسنة، أعداء المناذرة، كان سبباً آخر من أسباب حقد الملك على الشاعر، ولا مسوّغ هنا للتفصيل ومناقشة هذه الآراء. وأقام النابغة في بلاط الغساسنة، منقطعاً إلى عمرو بن الحارث الأصغر وإلى أخيه النعمان بن الحارث، وقد امتدح هؤلاء بقصائد عديدة، منها القصيدة البائية التي قالها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر والتي مطلعها:
    كليني لهمّ يا أميمة ناصب- وليل أقاسيه بطيء الكواكب
    وبقي النابغة عند الغساسنة مدة من الزمن، ينشدهم شعره، ويشاركهم في محافلهم ومجالسهم، جاهداً في ذكر مفاخرهم وانتصاراتهم، إلى أن توفرت أسباب عودته إلى بلاط النعمان فترك جوارهم. وذكر ابن قتيبة أن النعمان قد غمّه امتداح النابغة للغساسنة أعدائه وأيقن أن الذي قذف به عنده باطل، فبعث يستقدمه إليه من جديد بقوله: "إنك صرت إلى قوم قتلوا جدّي فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن إن كنا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه". هكذا نظم النابغة اعتذارياته، ثم جاء أبا قابوس مع رجلين من فزارة هما: زيّان بن سيار ومنظور بن سيّار الفزاريين وبينهما وبين النعمان مودة وصفاء وكان الملك قد ضرب لهما قبة، وهو لا يعلم أن النابغة معهما. وقد أشار النابغة على إحدى القيان أن تغني أبياتاً من قصيدته "يا دار مية" ومنها قوله:
    أنبئت أن أبا قابوس أوعدني- ولا قرار على زأر من الأسد
    فلما سمع الملك النعمان، هذا الشعر قال: هذا شعر علوي، هذا شعر النابغة. وسأل عنه، فأخبر مع صديقيه الفزاريين، اللذين كلّماه فيه، فأمّنه النعمان. ومهما يكن من أمر الاختلاف حول أسباب عودة النابغة إلى بلاط الحيرة، فإن الشاعر استرجع مكانته عند الملك النعمان واستأنف مدائحه فيه.
    واجتمعت كلمة النقاد على أن النابغة أحد شعراء الطبقة الأولى إن لم يكن رأس هذه الطبقة بعد امرئ القيس، وليس أدلّ على علو منزلته من ترأسه سوق عكاظ وفي ذلك يقول الأصمعي: كان النابغة يضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. ومما روي عن أبي عبيدة قوله: يقول من فضّل النابغة على جميع الشعراء: هو أوضحهم كلاماً وأقلهم سقطاً وحشواً، وأجودهم مقاطع، وأحسنهم مطالع ولشعره ديباجة.
    وذكر أبو عبيدة أيضاً أنه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول: "كان الأخطل يشبّه بالنابغة". وعن أبي قتيبة، قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل لا أعرفه، فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس فقال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين فتعجب عبد الملك من عجلتي فقال: هذا الأخطل، فقلت أشعر منه الذي يقول:
    هذا غلام حسن وجهه- مستقبل الخير سريع التمّام
    فقال الأخطل: صدق أمير المؤمنين، النابغة أشعر مني، فقال عبد الملك: ما تقول في النابغة قلت قد فضله عمر بن الخطاب على الشعراء غير مرّة. ولم تكن منزلة النابغة عند المحدثين بأقل منها عند الأقدمين فقد شهد كثيرون منهم بما في شعره من إيقاع موسيقي، وروعة في التشبيه، وبراعة في أغراض الشعر المتباينة ولا سيما في الوصف والمدح والاعتذار، وفي ديوانه من هذه الفنون العديد من القصائد الدالة على نبوغه وشاعريته، في مخاطبة الملوك وكسب مودّتهم والاعتذار إليهم حتى قيل "وأشعر الناس النابغة إذا رهب"، وقال عنه بديع الزمان الهمذاني: والنابغة "لا يرمي إلا صائباً".
    وفي طليعة العوامل التي أسهمت في تفوق شاعرية أبي أمامة في ضروب المعاني ومختلف الأساليب، رجاحة فكره، إذ كان ذا بصيرة بمواطن الكلام، متميزاً بنظرته الثاقبة والقدرة على الملاءمة بين الأقوال والمواقف، يحسن بباعث الموهبة والذائقة التي صقلتها الدربة والمراس، الملاءمة بين ركني المقال أي بين الصورة والجوهر، فهو يؤدي الدلالات دقيقة لأنه يجيد انتقاء الألفاظ الدالة ووضعها في مواضعها الصحيحة في سياقه الشعري العام.
    ولعلّ السمة اللافتة في شعره ذاك التأثر بالظروف المكانية والزمانية الذي حمله على أن يضفي على فنونه طابعاً من الواقعية مستمداً من البيئة البدوية أو الحضرية، فهو جزل شديد الأسر في أوصافه الصحراوية، رقيق عذب واضح العبارة بعيد عن الخشونة ممعن في السهولة، في وصف حالات الوجدان، وفي أداء الخواطر أو إرسال الحكم، إلا إذا اقتضت البلاغة الإبقاء على لفظة غير فصيحة لكنها دالة، كلفظة الشعثِ في قوله:
    ولستَ بِمُسْتبْق أخا- لا تلمّه على شَعَثِ.
    أيّ الرجال المهذّبُ. اعتمدنا في ذلك على: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص 317-326




    (40)
    شاعر العامية الكبير مأمون الشناوي
    وهو شقيق الأديب الكبير الشاعر كامل الشناوي ، والحقيقة لا أعرف إن كان الأخ الأكبر أم الأصغر
    عرف عنه البساطة في التعبير ، وأن كلماته تمس قلب المواطن المصري البسيط على عكس أخيه كامل الشناوي والذي اتسمت قصائده وكلماته بالتركيبات المعقدة بالنسبة لغير المتخصصين .. والذي يتابع أعماله يجدها خفيفة الظل بسيطة سلسة ، تدخل الوجدان وتمس المشاعر والأحاسيس بسهولة ، بالإضافة إلى أنها متنوعة ، فقد لا يصدق البعض أن مأمون الشناوي وهو الذي ألف أغاني " بعيد عنك " ، و"دارت الأيام " لأم كلثوم ، و" الربيع " و " يا زهرة في خيالي " لفريد الأطرش ، هو نفسه مؤلف أغنية " كراكشنجي دبح كبشه " لأحمد عدوية . وهذا هو التنوع الذي عرف به مأمون الشناوي وتميز به في عصره الذي كان ممتلئ بفطاحلة الشعر والزجل آنذاك ..
    أعرف له هذه الأغاني وهي طبعا على سبيل المثال وليس الحصر :
    أنا لك على طول
    الي انشغلت عليه
    صـــدفة
    كل ليلة وكل يوم
    ودارت الأيام
    كفاية نورك عليا
    ويلك ويلك يا مشتاق
    حكاية غرامي
    أول همسة
    سنة وسنتين
    .....
    وغيرهم كثير من الأغاني الجميلة التي طالما استمعنا واستمتعنا بها


    حبيبها .. لست وحدك حبيبها
    حبيبها أنا. . حبيبها أنا قبلك ! !
    وربما جئت بـعدك
    وربما كنت مثلك ! !
    حبيبها...حبيبها

    *******************
    فلم تزل تلقاني
    وتستبــيح خداعى
    بلهفــة فى اللقاء
    بــرجفة فى الوداع
    بـــدمعة ليس فيها
    كالدمع . . إلا البريق
    برعشـة هى نبض
    .. نبض بغير عروق

    ****************
    حبيبها ، وروت لى
    ماكان منك ومنهم فهم كثير . . . ولكن
    لا شىء نعرف عنهم
    وعانقتنى ، وألقت
    برأسها فوق كتفى
    تباعدت وتـدانت
    كإصبعين بكفى

    *********************
    ويحقر الحب قلبى
    بالنار ، بالسكين
    وهاتف يهتف بى
    : حذار يامسكين

    *******************
    وسرت وحدى شريدًا
    محطم الخطوات
    تهزنى أنفـــاسى
    تخيفنى لفتاتى
    كهارب ليس يدرى
    من أين ، أو أين يمضى ؟
    شك ! ضباب ! حطام !
    بعضى يمزق بعضى

    ******************
    سألت عقلى فأصغى
    وقال : لا ، لن تراهـــا
    وقال قلبى : اراها
    ولن تحب سواها
    ما أنت ياقلب قل لى ؟
    أأنت لعنة حبى ؟!
    أأنت نقمة ربى ؟
    إلى مـتى .. إلى متى
    أنت قلبى ؟


    (41)
    مرسي جميل عزيز في سطور

    - هو أحد أكبر شعراء الأغنية العربية المعاصرة، ومن أوسعهم شهرة وأغزرهم عطاءً يفيض شاعريةً وجمالاً .. شاعر كبير رقيق الإحساس، وزجّالٌ موهوب يغرف من بحر، له مئات من الأغاني الشهيرة على مدى حقبة الأربعينات والخمسينات الميلادية من القرن الماضي وما تلاها تردّدت على حناجر أكبر المطربين مثل .. أم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالعزيز محمود ومحمد قنديل ومحمد فوزي وشادية ونجاة وفايزة أحمد وعبدالحليم حافظ الذي غنى له 35 أغنية، وفيروز وكارم محمود وصباح ..

    - ولد مرسي جميل مرسي عزيز في 9 يونيو 1921م بمحافظة الشرقيّة مدينة الزقازيق بلد صلاح عبدالصبور وطلعت حرب .. وأبوه الحاج جميل مرسي من كبار تجار الفاكهة الميسورين .. وبعد أن حصل الشاعر على شهادة البكالوريا ( أي الثانوية) في عام 1940 التحق بكلية الحقوق وتخرّج منها ..
    - ولما أنشئ معهد السينما في عام 1963كان مرسي جميل عزيز شاعر الأغاني الوحيد الذي التحق بالمعهد وحصل على دبلوم في كتابة السيناريو .. وقد كرمته الدولة فمنحته وسام الجمهورية للآداب والفنون في عام 1965كرائد للأغنية الشعبية والوصفية وكفارس للأغنية العاطفية.

    - توفي مرسي جميل عزيز يوم 9فبراير عام 1980على إثر إصابته بمرض خطير سافر بسببه إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج.. وبعد فترة علاج في المستشفيات عاد ليموت فوق تراب الوطن ..

    بواكير الشاعرية الأولى .. الشرارة تشتعل !..

    اللقاء مع أم كلثوم .. سيرة الحب

    أم كلثوم

    كتب مرسي جميل عزيز 3 أغاني لأم كلثوم هي على التوالي .. "سيرة الحب" عام 1964 .. "فات المعاد" 1967 .. "ألف ليلة وليلة" عام 1969 .. والملاحظ أن جميع تلك الأغاني من ألحان بليغ حمدي الذي اقترح على الشاعر أن يكتب نصّا تؤديه السيدة أم كلثوم، ويعبّر عن التجديد الموسيقي في الألحان الذي ينتهجه بليغ حمدي، فكتب أولى كلماته بعنوان "سيرة الحب" حققت نجاحاً ورواجاً .. وهي أشبه ماتكون بفلسفة تشرح أحوال العاشقين وحالات الحب والغرام .. ومن كلماتها :
    طول عمري بخاف م الحب.. وسيرة الحب.. وظلم الحب لكل أصحابه
    وأعرف حكايات مليانه آهات.. ودموع وآنين.. والعاشقين دابو ما تابوا
    طول عمري بأقول لا أنا قد الشوق.. وليالي الشوق.. ولا قلبي قد عذابه
    وقابلتك إنت ولقيتك
    بتغير كل حياتي
    ما أعرفش إزاي حبيتك
    ما أعرفش إزاي يا حياتي
    من همسة حب لقيتني با حب.. وأدوب في الحب.. وصبح وليل على بابه

    ################

    فات من عمري سنين وسنين
    شفت كثير وقليل عاشقين
    اللي بيشكي حاله لحاله
    واللي بيبكي على مواله
    أهل الحب صحيح مساكين
    يا ما الحب نده على قلبي
    ما ردش قلبي جواب
    يا ما الشوق حاول يحايلني
    وأقول له روح يا عذاب
    يا ما عيون شغلوني
    لكن ولا شغلوني
    إلا عيونك إنت
    دول بس اللي خدوني
    وبحبك أمروني
    أمروني أحب لقيتني با حب.. وأدوب في الحب.. وصبح وليل على بابه

    بليغ حمدي

    فات المعاد .. هل كانت نبوءة سياسيّة بهزيمة 67 ؟!

    في يوم الخميس 2 فبراير عام 67 وفي حفلتها الشهريّة وقفت أم كلثوم لتغني من كلمات شاعرنا هذه الأغنية :
    فات الميعاد وبقينا بعاد
    والنار بقت دخان ورماد
    تفيد بإيه يا ندم
    وتعمل إيه يا عتاب
    طالت ليالي الألم
    واتفرقوا الأحباب
    وكفاية بقى تعذيب وشقا
    ودموع في فراق ودموع في لقا
    تعتب علي ليه أنا بإيديّه إيه
    فات الميعاد
    ###############
    الليل ودقة الساعات تصحّي الليل
    الليل وحرقة الآهات في عز الليل
    وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد لسه ما همش بعيد
    وعايزنا نرجع زي زمان
    قول للزمان ارجع يا زمان
    وهات لي قلب لا داب ولا حب
    ولا انجرح ولا شاف حرمان
    تفيد يإيه يا ندم
    وتعمل إيه يا عتاب
    تعتب على ليه
    أنا بإيديه إيه
    فات الميعاد

    أشهر الأغاني .. أوراق الورد !
    يصعب إحصاء تراث غنائي كبير وغزير .. ولكن سنقف عند أعمال أساسية في الذاكرة الفنيّة الغنائية المعاصرة لايمكن نسيانها .. ومن تلك النماذج :

    (سيرة الحب، فات المعاد،ألف ليلة وليلة، ، يامواعدني بكرة، ليه تشغل بالك ، كامل الأوصاف فتني، نعم ياحبيبي نعم، اسبقني ياقلبي، أنا لك على طول، ياخليّ القلب، الحلوة الحلوة، حبك نار، بتلوموني ليه، باحلم بيك، الحلو حياتي، العيون السود، هي دي هي، يا قلبي خبّي، ضحك ولعب وجد وحب، قاضي البلاج، بأمر الحب، جبت قلب منين، أنا قلبي إليك ميّال، ليه ياقلبي ليه، يمّه القمر ع الباب، ياتمر حنه، مال الهوى يمّه، نورا يانورا، أنا وانت وبس، منحرمش العمر منك، إسمع لما أقول لك، ياحبيبي ياواحشني، يا حبايبي يا غايبين، أما براوة، عيون القلب سهرانة مابتنامشي، أنا باستنّاك، عطشان يا أسمراني محبة، شباكنا ستايره حرير، سنة وسنتين، لولا الملامة ياهوى، لعبة الأيام، يا اسمر يا جميل يابو الخلاخيل، يا مرزوق يا ورد، ، باصعب على روحي ، الأرض أرضنا، أي والله أي والله، بلدي، وحياة محبتك، قلبي وعينيّ اختاروا، ياضنين الأمس، أموت أنا في حبيبي، يا عيني فين قلبي، أكدب عليك، ، ياغزال اسكندراني، حيران، سوف أحيا ...)

    مقاطع من إبداعات مرسي جميل عزيز





    -1-
    أنا قلبي إليك ميال
    ومفيش غيرك ع البال
    إنت وبس اللي حبيبي
    مهما يقولوا العُذال
    ................
    وبحبّك قدّ عينيه
    حتى اكتر منها شويّه
    واسألها انت وحلّفها
    على طول حتقول لك هيّه
    ................
    والدنيا إنت بهجتها
    والبهجة إنت فرحتها
    والفرحة انت ياحبيبي
    حلاوتها وابتسامتها
    ...............
    ومليت الدنيا عليّه
    ودّ .. حبّ .. حنيّة
    خلّيتني أحب الدنيا
    طول أيامي ولياليّه

    -2-
    يا حبيبي .. الليل وسماه ..
    ونجومه وقمره .. قمره وسهره
    وإنت وأنا.. يا حبيبي أنا .. يا حياتي أنا..
    كلنا .. كلنا.. في الحب سوا ..
    والهوى آه من الهوى
    سهران الهوى يسقينا الهنا .. ويقول بالهنا .. يا حبيبي
    يللى نعيش في عيون الليل
    ونقول للشمس تعالى تعالى بعد سنه .. مش قبل سنه
    دي ليلة حب حلوه بألف ليله وليله ..
    بكل العمر .. هو العمر إيه غير ليله زي الليله
    .....................................
    إزاي أوصفلك يا حبيبي إزاي
    قبل ما أحبك كنت إزاي
    كنت ولا إمبارح فاكراه .. ولا عندي بكره أستناه..
    ولا حتى يومي عايشاه..
    خدتني بلحب في غمضة عين ..
    وريتني حلاوة الأيام فين ..
    الليل بعد ما كان غربه مليته أمان
    والعمر إللي كان صحرا أصبح بستان
    يالا نعيش في عيون الليل
    ونقول للشمس تعالى تعالى بعد سنه .. مش قبل سنه
    دي ليلة حب حلوه بألف ليله وليله ..
    بكل العمر .. هو العمر إيه غير ليله زي الليلة
    ...................................
    يا قمر ليلى .. يا ظل نهاري يا حبي .. يا أيامي الهنية
    عندي لك أجمل هديه ..
    كلمة الحب إللي بيها .. تملك الدنيا وما فيها
    واللي يفتح لك كنوز الدنيا ديه ..
    قولها ليه ..
    قولها للطير .. للشجر .. للناس
    لكل الدنيا ... قولها ..
    الحب نعمه ... مش خطيه
    الله محبه .. الخير محبه .. النور محبه ... يا رب
    تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا
    وفرح أول ميعاد منقاد شموع حوالينا
    ويفوت علينا الزمان يفرش أمانه علينا
    يا رب ....
    لا عمر كاس الفراق المر يسقينا
    ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا
    وغير شموع الفرح ما تشوف ليالينا
    يا حبيبي ....
    يلا نعيش في عيون الليل
    ونقول للشمس تعالى تعالى بعد سنه . مش قبل سنه
    دي ليلة حب حلوه بألف ليله وليله...
    بكل العمر .. هو العمر إيه غير ليله زي الليلة ..
    ونقول للشمس تعالى بعد سنه . مش قبل سنه
    دي ليلة حب حلوه بألف ليله وليله...
    بكل العمر .. هو العمر إيه غير ليله زي الليلة ..


    -3-
    ليه ياقلبي ليه .. بتحلفني ليه
    أخبّي الحكاية .. وأداري عليه
    مااوصفلوش عذابي .. وحيرة شبابي
    وحبّه اللي خدني .. من أهلي وصحابي
    وازاي بس أداري .. وازاي يبقى جاري
    واتشوّق إليه
    ...................
    لا مش قادرة اخبّي .. بحبّه يا قلبي
    وأحلف إنه اول .. وآخر حبايبي
    واديني حقول له .. كلامك دا كلّه
    شوف حتعمل إيه
    ...................
    راح أقول له كل اللي داريته .. راح أقول له إزاي حبّيته
    راح أقول له وحأقوله وأقول له .. وياريته يسمعني ياريته
    ياقلبي بحبّه .. ومغلّبني حبّه
    لكن أعمل إيه

    --5-
    لولا الملامة يا هوى لولا الملامة
    لأفرد جناحى ع الهوى زى اليمامة
    وأطير وأرفرف فى الفضا
    و أهرب من الدنيا الفضا
    و كفاية عمرى اللى إنقضى و انا
    بأخاف من الملامة و آه من الملامة
    .............................
    سألونى كتير سألونى عليك بتحبيه
    أيوه أيوه و حأنكر ليه
    فرشوا لى الأرض دموع
    والشمس جراح و ده كله عشان حبيت
    ولا عشان قلت أنا حبيت
    ..........................
    ياعيون عطشانه سهر يا قلوب مشتاقة سفر
    كتروا م الحب تلاقوا فى الضلمة ألف قمر
    بنحبّ يا ناس ننكر لو قلنا ما بنحبش
    بنحب يا ناس وما حدش فى الدنيا ماحبش
    والدنيا يا ناس من غير الحب ما تنحبش
    حتى اللايمين زينا عاشقين
    لكن خايفين لايمين تانيين
    لولا الملامة يا هوى لولا الملامة

    - 6 -
    مال الهوى يامّه مال الهوى يامه
    انا لا ملت اليه ولا ندهت عليه
    هو اللي مال يامه مال الهوى يامه
    مال الهوى
    فات الهوى عالعين ما عرفتش جالها منين
    سرق سواد الليل وكحل الجفين
    واحترت اقوله ايه وانا لا ملت اليه
    ولا ندهت عليه هوه اللي مال يامه
    مال الهوى
    ضلل عليه جناح هفهف شوية وراح
    وزين الخدين بالورد والتفاح
    واحترت اقول ايه وانا لاملت اليه
    ولا ندهت عليه وهو اللي مال ايامه
    مال الهوى
    يا خوفي يامه يعود يطلب عيوني الشود
    ويقطف التفاح والورد من عالعود
    واحتار اقوله ايه وانا لا ملت اليه
    ولا ندهت عليه هو اللي مال يامه
    مال الهوى

    -7-
    فى يوم فى شهر فى سنه تهدى الجراح وتنام
    ************
    وعمرى جرحى أنا أطول من الايام
    ************
    وداع يادنيا الهنا وداع ياحب ياأحلام
    ***********
    حبيبى شيفك وانت بعيد وانا فى طريق السهد وحيد
    ***********
    وكل خطوه فى بعدك ليل وشوق وذكرى جديد
    ***********
    حبيبى شايفك بقلبى شايفك بروحى شايفك بعينى شيفك
    **********
    شايف سلامك شايف كلامك ضحكه شفايفك
    ************
    على جريح مشتاق يعرف نهايه جراحه
    ***********
    فى يوم فى شهر فى سنه
    **********
    كنت اتمنى واعيش حواليك
    ولا اشوف عمرى دمعه حزينه تملا عنيك
    لو كان بايدى كنت افضل جنبك واجيب لعمرى ألف عمر واحبك
    ***********
    يافرحه كانت ماليه عنيه واستكترتها الدنيا عليه
    **********
    حبيبى راح اللى راح وفرقنا الليالى
    **********
    ومهما ادارى الجراح حيعرف اللى جرالى
    **********
    فى يوم فى شهر فى سنة

    -8-
    نورا يانورا يانورا .. ياورده ناديه ف بنوره
    اسمك على رسمك صوره .. م القمر انه ياقمورة
    نورا يانورا يانورا
    نورا يا اسم على مسمى .. الليل بيه يبقى نهار
    عشت انت وعاش من سمى .. يا اميره على النوار
    يانسيم رفاف .. يا شعير شفاف .. ولافيش اوصاف
    توفيكى الحق يانورا
    ياحلو ياللى الهو هفهف على توبك
    أغير عليك م الهوا واحسد عليك توبك
    مجروح ومالك دوا يا قلبى مكبوبك
    اسمك على رسمك لايق .. سبحان من ابدع رسمك
    ياندى الصبيحه الرايق .. اسم الله يانورا على اسمك
    ياليالى العيد من غير مواعيد
    ابو حظ سعيد اللى تحن عليه نورا
    نورا يانورا يانورا

    -9-
    شباكنا ستايره حرير من نسمة شوق بيطير
    وبقى لي كتير يا حبيبي يا حبيبي بقالي كتير
    استنى تجيب الفرحه والتوب الابيض والطرحه
    ونطير زي العصافير
    شباكنا ستايره حرير ياللا يا حبيبي نطير
    واقطف لي من البستان عقدين حب الرمان
    وتلات وردات اخوات اشبكهم ع الفستان
    ونطير زي العصافير
    شباكنا ستايره حرير يلا يا حبيبي نطير
    والنسمه تلعب بينا وتجيبنا وتودينا
    نصبح على فرحة ورده ونبات على نور الياسمينا
    ونطير زي العصافير
    افرد جناحين الشوق وتعالى نطير من فوق
    نسكن مع نجمه بعيد مشغوله بحب جديد
    لا حد هناك يسمعنا مهما نقول ولا نعيد
    ونطير زي العصافير
    شباكنا ستايره حرير من نسمة شوق بيطير

    -10-
    كامل الاوصاف فتنى والعيون السود خدونى
    **********
    ليه يا قلبى ليه خدونى توهونى غربونى العيون السود
    ***********
    العيون السود رموشهم ليل بتحلم باللى غايب
    **********
    العيون السود خدونى اه ياقلبى ياللى دايب
    ***********
    علموك تسهر تغنى علموك شوق الحبايب
    **********
    ليه قلبى ليه خدونى توهونى غربونى العيون السود
    **********
    كامل الاوصاف فتنى والعيون السود خدونى
    **********
    من هواهم رحت اغنى ليه يا قلبى ليه خدونى
    **********
    توهونى غربونى العيون السود قالوا الصبر بحوره بعيده
    **********
    قالوا شفايفه نايات بتقول تنهيده وسهرت استنى والنجوم معايا
    *********
    دوبنى ودوبنا فى عيون نسايه ليه ياقلبى ليه خدونى
    *********
    توهونى غرقونى العيون السود كامل الاوصاف فتنى
    **********
    والعيون السود رمونى من هواهم رحت اغنى
    *********
    ليه ياقلبى خدونى العيون السود

    -11-
    عيون القلب سهرانة مابتنامش
    لاأنا صاحية ولانايمة مابقدرش
    يبات الليل يبات سهران على رمشى
    وانا رمشى ماداق النوم وهوا عيونو تشبع نوم
    وانا رمشى ماداق النوم وهوا عيونو تشبع نوم
    روح يانوم من عين حبيبى روح يانوم
    ****
    حبيتك يا حبيبى من غيرماسأل سؤال
    وحاسهر يا حبيبى مهما طال المطال
    انا بس الى محيرنى وخلانى انام
    ازاى انا اقدر اسهر وازاى تقدر تنام



    اتمنى ان ينال اعجابكم




    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  8. #8

    أ يوحشني الزمان
    الصورة الرمزية نَغَمْ
     رقم العضوية : 22842
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 3,843
     الإقامة : مـصـــر
     هواياتي : عشق بلدي
     إعجاب متلقى : 637 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 1169 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  نَغَمْ غير متصل


     
    مجهود رائع ورائع جداً

    شكراً حبيبتي

    تسلم ايدك



    رنوووده تسلم ايدك




  9. #9

    الصورة الرمزية عاشقة القيصر1
     رقم العضوية : 22863
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 4,392
     الإقامة : روحي
     هواياتي : الكتابة
     اغنيتي المفضلة : انا وليلى ، كثر الحديث
     إعجاب متلقى : 2462 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 2948 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 8
     الحالة :  عاشقة القيصر1 غير متصل


     

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نَغَمْ مشاهدة المشاركة
    مجهود رائع ورائع جداً

    شكراً حبيبتي

    تسلم ايدك

    تسلميلي قمري
    منورة الموضوع




    اسد الثورة أنت أبيت الظلم........... فلبيت مقبلا للثورة النداء

    عرفناك حرا عرفناك بطلا ..............وها أنت شهيد الشهــداء

    سنذكرك دوما ويوم نزحـف ........... وندك عقر دار الطغـاة

    سنذكــرك يوم نثأر قسمـــا ...........يوم نقتص لكل الشهـداء

    رحيلك عنا أليما صاعقا ............... ولكن ثمن الحرية الفداء

    على دربك سنسير عهدا............... على أبواب النصر اللقاء

    جنة الخلد مقامك أبــــدا ............. وسنحمل من بعدك اللواء

    لا نهاب في سبيل الوطن ............ الموت وأرواحنا له فداء

    وداعا يا حبيب الثوار ولن ............. نرضى دون النصر عزاء

  10. #10

    الصورة الرمزية مدينةالحب85
     رقم العضوية : 23347
     تاريخ التسجيل : Nov 2010
     المشاركات : 44
     إعجاب متلقى : 5 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 0 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 4
     الحالة :  مدينةالحب85 غير متصل


     

    افتراضي

    تسلم يداكي
    موضوع رائع
    تحياتي

    [IMG]http://kr.cool****.com/rendered/cool****496278996.gif[/IMG]


صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
اتصل بنا - الرئيسية - الإرشيف - sitemap - الأعلى

 عالم عشاق القيصر