النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: طيور الأحزان

  1. #1


     رقم العضوية : 24187
     تاريخ التسجيل : Feb 2011
     المشاركات : 12
     الإقامة : القاهرة
     هواياتي : القراءة وكتابة القصص والمقالات الفلسفية
     اغنيتي المفضلة : الرحيل
     قوة السمعة : 9
     الحالة :  تكتكة المحبوبة غير متصل


     

    طيور الأحزان

    طيور الأحزان

    ما زلت أذكر ذلك اليوم البغيض الذى توفى فيه والدايا.
    تلك الصرخات والدماء المتناثرة فى الأرجاء وأشلاء أبى وأمى المبعثرة حولنا , وتلك الدموع التى تسيل كالجمر على وجنتينا .
    هذة اللقطات تعاد على ذهنى كل يوم فى كل ساعة بل فى كل لحظة آحياها , لم يكن حالنا هو الوحيد فقد كان هذا هو حال كل سكان قريتنا الحزينة فهذا المشهد يكرر نفسه فى كل منزل وكل زقاق لم يفرغ من الصراخ والعويل منذ أن بدأ الأستعمار البغيض يبرز أنيابه ويمارس وحشيته بقتل كل من يجده فى طريقه الرجال والنساء وحتى الأطفال والعجائز لم يسلموا من بطشهم فقد ذاقوا السؤين فهم اما قتلى ورفاتا فى الطرقات أو يتامى ومشردين بلا أهل بلا ديار تأويهم.
    وقتذاك لم أكن أتعدى العاشرة من العمر ولم يكن لدى من الآهل سوى أخى الصغير يبلغ الثامنة من العمر وبالرغم من صغر أعمارنا الا انى أتذكر كل شئ
    مرت الأعوام ونحن نعيش على فتات الخبز بين آشلاء ذكرى مميتة فى منزل على به الخراب , مضت الأيام ونحن قد تعودنا على رؤية الجثث تملأ الطرقات والقرية خلت من أهلها وحام بها الغربان حتى النهر امتلأ بدماء الأبرياء ودموع الحيارى ,عشش الخوف فى قلوبنا الواهنة الصغيرة وعلت جبال اليأس جباهنا.
    وذات ليلة قارسة البرودة جلسنا نتنازع على بعض اللقيمات فى صناديق القمامة اذا برجل وقف تحت عمود الانارة ينظر الينا فى ابتسام وعندما رآه أطفال الحى اختبؤا خوفا منه أما انا فلم اتحرك ووقفت ساكنة وأمسكت بيد أخى الصغير فأقبل علينا وقال :لماذا لم تختبؤا مثل باقى الأطفال؟
    فردت عليه فى كبرياء وقلت: وأنت أترى فى منظر أطفال يتنازعون على فتات الطعام شئ مثير للابتسام ؟ فقال : انت فتاة شجاعة , ماأسمك؟
    فقلت : ومن أنت لتسأل ؟
    فقال : انت عنيدة هل هذا أخوك؟
    قلت : نعم انه أخر ما تبقى لى فى هذة الدنيا .
    فاقترب وقال عزيزتى ما أريد سوى أن أوفر لكما العيش الكريم لقد أعجبتنى شجاعتك .وعرض علينا الذهاب معه الى المدينة .
    لم يكن هناك عرض أفضل فوافقنا الذهاب معه فى اليوم التالى فقد أطمأنا الى ابتسامته فقد مر وقت طويل لم نرى فيه واحدة أقمنا فى منزله فلديه منزل كبير وقام تعريفنا على نفسه فهو العم كمال كانت لديه زوجة وأولاد ولكنهم ماتوا غرقا عندما كانوا عائدين من باريس , فعاملنا انا وأخى كأبنائه حتى ظننت أنه من فرط رقته ومعاملته الطيبة معنا عوضا عن ما فقدناه فى أيامنا السابقة هدأت الأحوال حتى بلغت العشرين من عمرى تعودت فيها على الحياة الكريمة التى عشناها مع العم كمال .
    وكنت أظن أن الحياة هدأت لكنه ليس الا هدوء ما قبل العاصفة فاستيقظنا ذات صباح على قصف مروحية للمدينة أسرعنا الى الملاجئ ولكن العم كمال لم يستطع الوصول فقد كان عليه ان يساعد الناس وينزحهم الى منزله حيث ملجأمن الغارة ومات العم كمال أمام اعيننا بثغر باسم وهو يقول ماأحلى الشهادة .
    وانتهت الغارة ولم تجف دموعى حتى أعيانى الحزن ولازمت الفراش قرابة الشهر كان قد تغير أخى ذلك الفتى العابث الى رجل بكل ما تحتويه هذة الكلمة من معان فمع كل ما حدث لا أذكر انى رأيت دمعة فى عيينه حتى نعته بناكر الجميل فقد كان صامدا صمود الجبال فى وجه الريح .
    كنت دائما أقول له لماذا لا أموت مع من أحب ولكنه كان يقول وما أدراك لعل الله يريد أن يعذبهم بأيدينا .ومرت أشهر وهو يعود الى المنزل متأخرا حتى شككت فى تصرفاته فأخبرنى أحد أصدقائه المقربين أنه انضم الى جماعة العم كمال للتحرير .
    شعرت أن الدنيا ضاقت على فجاة وأنتظرت عودته بفارغ الصبر حتى آتى ليخبرنى أنه سيقوم بعملية استشهادية عند الفجر انفجرت من الصراخ فى وجهه ووقعت فاقدة الوعى على الأرض ثم أفقت بعدها فى الصباح وأعاننى الله عليه فأقنعته ألا يتركنى وجثوت على ركبتى أتوسل اليه ووافق على رأيى أخيرا .
    ومرت الأعوام وأصبح الشاب ذو الخامسة والعشرين رأيسا لجماعته وقويت جماعته وأصبحت كالشوكة فى حلق الأستعمار ونجحت فى تفجير براكين الغضب من الشعب الكاظم
    وذات ليلة كنا نجلس سويا فدق جرس الباب فاذا بفتاة جميلة تطلب منا المأوى بعد أن هدم القصف منزلها وقد تعودنا مثل هذا السؤال فهيأنا فى منزلنا مأوى للاجئين وعاشت بيننا وأنضمت الى جماعة أخى الحرة وليس من العجيب أن يغزل الحب شباكه بين القلبين الشابين , ولم يمض كثيرا حتى أعلن موعد الزفاف وفى ليلة عرسيهما بدل من أن يزف الى عروسه زج به فى السجن فودعته عروسه بابتسامة كاظمة وقلب ينزف , ترى أى ظلم هذا قد لحق به هل حرته الحياة من أن يعيشها وكأنها قررت ألا يفرح أبدا .
    جن جنونى فأنا أعلم جيدا ما يحدث فى المعتقلات السياسية من ألوان التعذيب لا تجف دومعى ولا يقف نزيف قلبى المفطور على أخى .ومرت أشهر ونحن لا نعلم عنه أى شئ .
    وذات يوم أستيقظت فلم أجد آثرا للفتاة وكأنها حلم تلاشى ومرت أعوام وانا أنتظر.......... وأنتظر ........ وبدأت الجماعة تنفك وتنحل عقدتها شيئا فشيئا وتسلل طاعون اليأس اليها .
    وبعد مرور عشرون عاما من التعذيب فى المعتقل خرج أخى ومعه داء الدنيا كلها حتى أننى فى الوهلة الأولى لم أعرفه فذلك الشعر الأبيض الذى أشتعلت رأسه به والجسد الهزيل والوجه الشاحب وكأنه شبح اخى فقد كان شاب قوى البنيان ذو شعر أسود يغطى جبينه دائما . فأخذته بين ضلوعى كلى حسرة على ماحل بنا من مصائب الزمن . وانهمرت دموعه لأول مرة اراه يبكى وبعد عاصفة من المشاعر المذبوحة سألنى عن قتاته أو عروسه وعن أصدقائه فقلت لقد شردهم الأستعمار ونفاهم خارج البلاد فرفع بصره الى السماء وهمهم بكلمات لم أفهمها وعاد وسألنى عن حبه فقد كنت أخاف أن أجيبه ولكنه أصر على سؤاله فقلت لقد أختفت ولم أجد لها آثر بعد أن تم أعتقالك فسقط على الأرض وقال لم أعد أقوى على الوقوف فلقد سلبتنى الدنيا كل شئ حتى قوايا وقال : أرأيت كيف أنتهت حياتى بلا جدوى ليتنى مت يوم أتيت لأودعك .
    ثم ذهب فى غيبوبة عدة أيام وأنا أموت بجواره كل لحظة وعندما أفاق رفض الدواء وقال لا جدوى من هذا وقال عندى رجاء أخير أطلبه منك , اريد العودة الى قريتنا العجوز أريد ان اموت فيه كما كان ميلادى بها .وذهبنا فى اليوم التالى فى الصباح عشنا بها بين ذكرى مميتة فى أشلاء منزل مهدوم وقرية ضائعة .
    تجمعت أحزاننا لتنال منا وكان كثيرا ما تصيبه الغيبوبة ويفقد الوعى لايام .
    وفى اليوم التاسع أيقظنى وقال أفيقى أيتها الكسولة فلم يعد هناك متسع من الوقت فنظرت فى وجهه فلم آره كما عهدته بصفرته الحادة بل وجدته مشرقا كالبدر حتى ظننت أنه قد شفى تماما وأحضرت الفطور فى الحديقة الخريفية الذابلة واستعدنا أيام طفولتنا السعيدة حتى تذكرنا اليوم المشؤم يوم موت والدانا فزاد عليه السعال فاحضرت له الدواء ولكنه رفضه وقال لا عليك فقد حان الآجل .ونظر الى باسما وقال لا تجزعى فلعل الله قد يغفر لى تقصيرى ولا يعذبنى فسجدت لله ان أموت معه أو يشفيه .
    لكن الله ققد نفذ أمره ولفظ أخر أفراد عائلتى الشهادتين بين ضلوعى مات أخى الفتى المجاهد الذى صارع طيلة حياته حتى ينال الصبح ولكنه صعب المنال
    وقعت مغشى على من فرط الصدمة وأثناء غيبوتى حسبتنى رأيت سيدة تبكى أمام جثمان أخى ولكنى لا أذكر من تلك؟ فهناك ثقب كبير فى ذاكرتى
    وأول مرة أفتحت فيها عينى كانت بعد ثلاث أسابيع حتى ظن والدك أننى لن أفيق ثانية ولكنى مصنوعة من الفولاذ فلا أدرى آى عذاب يعذبه القدر لى بأن يسلبنى كل أحبائى أبى وأمى والعم كمال وأخى وأخيرا زوجى فقد قضوا حياتهم فى خدمة وطن يستحق لكن بلا شعب فقد رضى شعبه الذل فالناس نيام والباقى شريد والأكثر طاغى فياله من زمان عجيب تارة نباع وتارة نغدو رفاتا فى الطريق والظلام يعلو وتعلو معه جبال اليأس على جباه الناس .
    لكن يابنى لا تيأس ........... فان نصر الله قريب ما عليك سوى أن تفعل كل ما بوسعك

    بقلم"سندريلا"


  2. #2


     رقم العضوية : 24187
     تاريخ التسجيل : Feb 2011
     المشاركات : 12
     الإقامة : القاهرة
     هواياتي : القراءة وكتابة القصص والمقالات الفلسفية
     اغنيتي المفضلة : الرحيل
     قوة السمعة : 9
     الحالة :  تكتكة المحبوبة غير متصل


     

    افتراضي

    تلك هى الدنيا الناس تأتى وترحل فى سكون
    نتقابل ونفترق أيضا فى سكون
    قد تفرقنا لحظات جنون وتجمعنا سنوات
    لكن فى الفراق تبقى الجراح كطفل سجين لا يهدأ مهما طال عليه الآمر


  3. #3

    ساهري
    الصورة الرمزية Rama
     رقم العضوية : 22907
     تاريخ التسجيل : Aug 2010
     المشاركات : 22,997
     الجنس : Female
     الدولة : United Arab Emirates
     إعجاب متلقى : 3169 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 3316 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 38
     الحالة :  Rama غير متصل


     

    افتراضي

    راااائعة

    و جداً

    سلمت أناملك



    في انتظار المزيد

    تحياتي

    ريـــــــــــم


  4. #4


     رقم العضوية : 24187
     تاريخ التسجيل : Feb 2011
     المشاركات : 12
     الإقامة : القاهرة
     هواياتي : القراءة وكتابة القصص والمقالات الفلسفية
     اغنيتي المفضلة : الرحيل
     قوة السمعة : 9
     الحالة :  تكتكة المحبوبة غير متصل


     

    افتراضي

    ميرسى كتير
    عزيزتى
    هذا من فرط رقتك


  5. #5


     رقم العضوية : 24187
     تاريخ التسجيل : Feb 2011
     المشاركات : 12
     الإقامة : القاهرة
     هواياتي : القراءة وكتابة القصص والمقالات الفلسفية
     اغنيتي المفضلة : الرحيل
     قوة السمعة : 9
     الحالة :  تكتكة المحبوبة غير متصل


     

    ميرسى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تكتكة المحبوبة مشاهدة المشاركة
    ميرسى كتير
    عزيزتى
    هذا من فرط رقتك
    سلامى لك


  6. #6

    رحم الله وجهها لم أنسآه

    الصورة الرمزية أحاسيس كاظمية
     رقم العضوية : 23031
     تاريخ التسجيل : Sep 2010
     المشاركات : 21,910
     الجنس : Female
     الدولة : Saudi Arabia
     الإقامة : تحت التراب معه
     هواياتي : إحتواء داخلي من الشتات
     اغنيتي المفضلة : كُل إحاسيس القيصر
     إعجاب متلقى : 1354 إعجاب متلقى
     إعجاب مرسل : 14181 إعجاب مرسل
     قوة السمعة : 34
     الحالة :  أحاسيس كاظمية غير متصل


     

    افتراضي

    تسلم يمينك


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •