السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة



فؤاد الهاشم










عند بداية حرب تحرير العراق - ودخول القوات الأمريكية الى ذلك البلد المنكوب مرورا من الكويت - فتحت صفحات احدى الجرائد الاعلانية وأجريت اتصالات هاتفية مع اكثر من خمسة «خبراء بنغال وهنود» في تضبيط ترددات القنوات الفضائية، وطلبت منهم الحضور مع معداتهم وتجهيز التلفزيون «أبو- 40 بوصة» الموجود في غرفة المعيشة ليستقبل حتى القنوات القادمة من كواكب اخرى مثل المريخ.. والقمر لكي اتابع ما يجري في العراق،.. انتهت المعركة، وصار ما صار، ووصلنا الى مشهد النهاية، والذي تمثل في دبابة امريكية في ساحة «الفردوس» - حيث تمثال «هبل -التكريتي» يقودها جندي امريكي «ابن حلال وطيب» قرر ان يساعد مجموعة من المواطنين العراقيين عجزوا عن تكسير قاعدة التمثال الكونكريتية الضخمة، فتقدم باتجاههم ليتحرك شيء يشبه «الرافعة» يصعد تدريجيا حتى يصل الى «رقبة» «حامي البوابة الشرقية للأمة العربية»، فيقوم الجندي بلفها بحبل ومغطيا وجه صدام بالعلم.. الأمريكي» ثم.. يقود دبابته مسقطا - ليس التمثال وحده - بل نظاما بأكمله جثم على انفاس العراقيين والايرانيين والكويتيين - والامة العربية جمعاء - لاكثر من 35 سنة!! أجاد «البنغال والهنود» الذين جاؤوا لبرمجة القنوات.. عملهم، فقد صار عدد القنوات التي يلتقطها جهاز تلفزيوني.. اكثر من عدد الشعر الموجود في «إبط» مقاتل.. أفغاني - طالباني!! ضغطت على زرار تغيير المحطات في «الريموت - كونترول» لاكثر من مائة مرة، وفي كل «دعسة» المشهد الذي يبث الى العالم باسره واحد: «دبابة امريكية يقودها جندي ابن حلال وطيب يحرك شيئا يشبه الرافعة في آخرها حبل يلفه حول رقبة تمثال صدام حسين».. الا محطة فضائية واحدة وهي .. القناة التلفزيونية الرسمية لـ.. سورية!! كان التلفزيون السوري يعرض - في تلك اللحظة - تقريرا عن .. «فن العمارة في .. الاسلام» في الوقت الذي كان «22» مليون عراقي يبدأون في التخطيط لبناء وطن جديد.. لهم!! حتى هذه اللحظة، ومحافظات سورية - كلها - تشتعل وطائرات مقاتلة من طراز «سوخوي» و«ميغ - 21» تقصف المدن والقرى والبلدات، ودماء تسيل منذ خمسة عشر شهرا، والتلفزيون «الرسمي» السوري يسير على نفس سياسة «فن العمارة في .. الاسلام» اذ يستمر في عرض..

«كيفية تحويل البنجر الى سكر» و«توزيع شقق حكومية على المستحقين في محافظة الحسكة»!! يوم امس الاول بثت وكالة الانباء الفرنسية خبرا حول هذا الموضوع قالت فيه ان .. «الإعلام الرسمي صار يناقش.. فوائد الخبز الاسمر في رمضان»، و«مزارع النعام وإمكانية التوسع في تربيتها» و.. «فوائد شوربة لحم الارنب على مائدة الافطار»!!


دخلت الى لبنان - متسللا- عبر حدودها مع سورية خلال عز حربها الاهلية في عام 1986، واتجهت الى مدينة «زحلة» التي كان يسيطر عليها المقبور «ايلي حبيقه» مع ميليشياته «السورية» لقضاء عدة ساعات والخروج من جهنم الحمراء هذه، لكن الليل داهمني فقررت قضاءه فيها، وعندما دخلت الى باب فندق صغير وقديم ومبني بالحجر الجبلي منذ عهد الدولة العثمانية، وجدت مجموعة من العجائز يحتسين القهوة تحت تمثال نحاسي كبير للسيدة «مريم العذراء» فقلت - لمن قامت باتجاهي - «بأنني أريد غرفة لقضاء ليلة واحدة فقط»!! العجوز طلبت تقديم ما يثبت شخصيتي قائلة: «معاك باسبور؟ هوية؟! بطاقة»؟! ان تقول انك «كويتي» في لبنان خلال الحرب الاهلية و«هوجة اختطاف الرهائن التي يقودها حزب الله واحتجازهم في سراديب بسهل البقاع».. يشبه قولك لمجموعة من اللصوص والبلطجية وقطاع الطرق في بلد افريقي.. «انك فتاة عذراء في الثامنة عشرة ووالدك هو هنري فورد صاحب شركة فورد للسيارات، وشقيقة مالك شركة جنرال موتورز، وابنة عم صاحب شركة كرايلزلر»!! حاولت ان اثنيها عن طلبها بـ«كم ورقة من فئة المئة دولار» ولكنها رفضت واصرت على.. «الباسبور»!! حين ابرزته لها - وتسلمته بيدها نظرت اليه - ثم.. شهقت!! التفتت الى العجائز الباقين وهي تلوح لهم بجواز سفري: «هيدا كويتي! يا دللي انا! هدول الكويتيين متل اليهود، بينجنوا اذا راح منهم.. زلمه!! اعتقدت انها تشتم، فإذا بها.. تمدح!! كانت تريد القول «المواطن الكويتي غال جدا في بلده»، كما الاسرائيلي عند قومه، في الوقت الذي كان فيه رأس المواطن اللبناني ارخص من «رأس الفجل»، ويسفك دمه بالآلاف كل شهر في وقت الحرب العبثية حين يقتل السني - الشيعي، ويقتل الشيعي - الشيعي، ويقتل المسيحي - المسيحي.. وهكذا!! النظام الحاكم في سورية لا يهمه رأس المواطن عنده والذي هو ارخص من قشر.. البصل!!


كذلك، فإن «عشاق قوى الصمود والممانعة» لا يهمهم آلاف ليترات الدم التي تسيل كل يوم من اجساد هؤلاء البشر الذين خلقهم الله عزوجل ليعمر بهم الارض ويجعل له فيها «خليفة»، لأن المهم - عند هؤلاء - ان يبقى النظام و.. «طز في.. الخليفة وذريته»!! ذات مساء بارد من عام 1992، دعاني نقيب الصحافة السورية السابق الدكتور «صابر فلحوط» الى حفل عشاء اقيم بمناسبة حضور وفد صحافي كويتي الى دمشق في مكان يسمى «نادي القمة» ليس للعامة فيه من.. نصيب، فاجأني ان من الحضور ضباطاً برتب عالية في سلاح الجو السوري! ما علاقة الطيارين بالصحافة؟! علم ذلك عند ربي وحزب البعث الحاكم، المهم، ان مقعدي جاء بجوار واحد من هؤلاء، وبعد المجاملات وحديث التحيات و.. «دوق شوية من هالحمص يا رفيق فؤاد»، و.. «لا يفوتك تدوق هالشيخ محشي»، و«لا تنسى تجرب طعم كبة هالبرغل».. سألته - ونحن ننتظر صحون الحلويات - «ألا تعتقدون بان الوقت قد حان لمنح الصحافة في بلدكم المزيد من.. الحرية»؟! فابتسم وقال - بصوت عال وكأنه يريد من كل الحضور ان يلتقطوا كلماته - «إحنا في صراع وجود مع الكيان الصهيوني، ولابد من تسخير كل الطاقات من اجل الاعداد والتوازن الاستراتيجي مع العدو، ولابد ان تحتاط من المؤامرات الامبريالية والرجعية التي تحاول ان تندس في مجتمعنا وصحافتنا واعلامنا و.. و..»!! حين انتهى من تنظيره، قلت له: «اسرائيل - او الكيان الصهيوني - محاط بالاعداء الذين يريدون هرسه وسحقه ومسحه من كل جهة من مصر وسورية والاردن ولبنان، ومع ذلك فالصحافة عندهم حرة والمواطن.. حر، والافواه مفتوحة، والاصوات عالية، والديموقراطية «مفشوخة على الآخر» و.. و..! لم يدعني اكمل واطلق ضحكة عالية قائلا: «شو بدنا بالحكي.. هلق؟ شو رأيك بسهرة حلوة الليلة مع شي كمشة نسوان بياخدوا.. العقل»؟! عندها - فقط - اقتنعت بأنه لا يوجد «احلى من.. هيك صمود وممانعة»!!


٭٭٭

وكما تنبأنا من قبل أسبوعين،، فقد أعلن سفير سورية في «روسيا البيضاء» فاروق طه انشقاقه!! سبق أن نشرنا - في هذا العمود - أن تسعة سفراء ومسؤولين سيعلنون انشقاقهم عن النظام! «باقي خمسة من التسعة»، بعد قبرص وأبو ظبي ومسقط ومينسك»!!