معهد العربية للدراسات بالتعاون مع مركز المجهر للدراسات والبحوث
لاينكر المؤيدون- كما المعارضون- لنظام الأسد أن تحولاً نوعياً حدث ويحدث في مسار الثورة السورية، وتبدو معركة حلب الساخنة الفيصل الأخير في هذه المعركة، مما يؤشر على انقلاب موازين القوى لصالح الثورة ضد تصلب نظامه القمعي المتيبس، ولكن رغم ذلك ثمة ملمحان خطيران في تناول الحدث السوري يمكن رصدهما في هذة الدراسة التي قدمها الأستاذ هاني نسيرة:

1-استمرار الخطاب المراوغ:

لا زال الخطاب المراوغ المؤيد له يصر على وضع المسألة في إطار المؤامرة الدولية، أو الحرب الكونية- بحسب تعبيرات وليد المعلم في طهران- على هذا النظام المترنح، الذي صار استمراره شذوذا حسب قوانين التاريخ ومسارات الشعوب، ولها ممثلون عديدون تختلف درجة قربهم وتأييدهم من نظام بشار الأسد، تضم فصائل ك حزب الله والحزب القومي السوري في لبنان وكتاب مؤدلجون يصرون على إعطائه فرصا أخرى للتفاوض أو القضاء على الثورة منعا لأي تدخل أو دعم دولي للثورة وللجيش الحر، لا شك أنه تأخر كثيرا، ولهذه المراوغة الخطابية ممثلون عديدون تريد أن تحبس سوريا في سجن الأسد للأبد بحجج عقلانوية لا تنتنمي للعقل قدر ما تديره لصالح إجاباتها الجاهزة منذ بداية الثورة ورغم ضعف الحجة الواقعية والإنسانية وسقوط مصداقيتها- من تاريخ الأسد- إلا أن كشف هذا الخطاب وتجاوزه أمر مهم في صراع اعترف بشار الأسد نفسه بخطورته وأنه صار يهدد صولجانه حين خاطب قواته يوم الأربعاء 1 أغسطس بأن معركة حلب يتوقف عليها مصير الشعب السوري، وأن الجيش يخوض معارك "بطولة وشرف ضد العدو".

فبينما يؤكد القائد لكتائبه وأنصاره بأنه في لحظة حرب فاصلة نرى البعض الآخر يهون من هذا التحول محاولا جره لموائد وفرص التفاوض والمصالحة التي طالما رفضها الأسد والتف حولها!

وهو ما اعترف به باتريك سيل نفسه حين لاحظ تفكك صلابة هذا النظام وتحول صورته وبنيته حتى وصفه بأنها تواجه" دمارا شاملا" مرجحا تقسيم سوريا بعد سقوط بشار الأسد، وهو ما لا نظنه غير فزاعات تريد تعطيل اللحظة الثورية التي زاد عناد بشار ومراوغته ووحشية أجهزته من صرامتها وإصرارها على الحسم! محاولا نقد الثورة وتشويهها وفق التفكير التآمري المعهود بأن إسقاط بشار ونظامه جزء من المؤامرة على إيران وسيناريوهات إضعافها التي تبتغيها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة، وهو التفكير الذي يتجاهل مسارات هذه الثورة كما يتجاهل شراراتها الأولى من براءة الأطفال في درعا !

2-تسرع بعض ممثلي المعارضة:

يحتاج استمرار الثورة ونجاحها دائما للإجماع الثوري، ورغم أن المعارضة السياسية السورية لا زالت منقسمة، إلا أن تأثيرها على ثورة الداخل ظل ضعيفا، وإن بقى دعمها السياسي والإغاثي ملحوظا، ولكن استباق بعض فصائلها لرسم خريطة المرحلة الانتقالية- دون توافق الجميع على ذلك- لا شك يضر بالثورة داخليا وخارجيا على السواء، ويحضر الفرز الذي يفكك إجماعها وما وراءه من تشتيت للقوى الاجتماعية والسياسية المؤيدة لها والمهاجرة إليها. إن للأسد رهاناته للبقاء، ليس فقط عبر داعميه الإقليميين في إيران والعراق ولبنان، أو داعميه الدوليين- روسيا والصين- المصرين على الاستمرار في استخدام حق الفيتو لصالحه، وهو ما يعني أن الثورة لا زالت مستمرة ولم تقم دولتها بعد، وبينما تحتاج الثورة إجماعا قويا عليها، نجد بعضا من معارضة الخارج ومعارضة التفاوض والمصالحة مصرة على تجاهل حدث حرب التحرير السورية المستمرة ضد نظامه، مستبقة للآخرين ومحاولة حرق المراحل، والثورة في مرحلتها الأخيرة.

الثورة لم تكتمل بعد ولكنها في مرحلتها النهائية بعد بركان دمشق والتحولات الأخيرة في موازين القوى في الداخل السوري، خاصة مع لعب نظام بشار الأسد على فزاعات ثقافية من قبيل التكوين الاجتماعي والطائفي لجيشه الذي لم يتفكك بالكامل حتى الآن، والطوائف السورية وفزاعة الحرب الأهلية مما يروج حل التقسيم أو انفراده بدولة علوية صغيرة في اللاذقية ومدن الشريط الساحلي المحمي بسلسلة جبلية في غرب البلاد، ، وهو ما قد يخايل عقل بشار الأسد نفسه في النهاية، ويروج له البعض كذلك من أصحاب الخطاب المراوغ.

من هنا يبقى واجبا على مختلف تيارات المعارضة والفصائل التي تشارك فيها- مدنية وعسكرية- رعاية وقودها الجامع من الإجماع الثوري والتوافق فيما بينها حتى لحظة الانتصار، وعدم تعجل خطاطات المرحلة الانتقالية كما شهدنا في نفس الشهر الأخير من هذا الشهر، فالإجماع الثوري والتوافق التام بين القوى الثورية المختلفة هو شرط النجاح للثورة أما الفرز السياسي واستباق تصورات هيكلة الدولة، كما حدث من قبل اجتماع القاهرة آواخر يوليو المنصرم، فمثل هذه الخطوات قد يضر بالثورة ونضالها الداخلي ويحضر التمايزات والفرز السياسي بين قواها وأنصارها المنتمين أصلا لقوى متنوعة، ينبغي أن يجمعها التوافق بعد تمام الثورة في مرحلة تالية بعد سقوط عدوها.

لذا يكون ضروريا عدم الانجراف لتصورات وخطط لمرحلة الانتقال ما بعد الأسد، ما دام نظامه قائما ويمسك بمفاتيح العاصمة السورية، سواء كانت عامة كتلك التي أصدرتها قيادة الدخل في الجيش السوري الحر يوم 30 يوليو الماضي، من تصورات للمرحلة الانتقالية تحدد هياكلها ومؤسساتها الرئاسية والبرلمانية أو تشكيل الحكومة وكيفيته ودور العسكريين والمدنيين فيه، أو تلك التصورات الخاصة، التي تشخصن هذه المرحلة عبر تسمية حكومة انتقالية عبر بعض الأشخاص- مع كامل التقدير لهم- وهو ما حدث في القاهرة آواخر هذا الشهر.

من هنا نوافق المجلس الوطني التأسيسي والجيش السوري الحر والعديد من ممثلي المعارضة في وصف ما تم في اجتماع القاهرة بقيادة عدد من رموز المعارضة السورية، في مقدمتهم الناشط هيثم المالح، من تشكيل حكومة مؤقتة، ناجمة عن مؤسستهم الجديدة ( مجلس أمناء الثورة السورية) فقد وصفها عبد الباسط سيدا رئيس المجلس الوطني التأسيسي بأنها خطوة متسرعة من شأنها "إضعاف المعارضة"، وفي لهجة متشددة اعتبر قائد الجيش السوري الحر رياض الأسعد هذه الخطوة بأنها تأتي" "لإرضاء الخارج وضرب الداخل بعضهم ببعض وتفكيك يد الشعب الضاربة والمتمثلة بالجيش السوري الحر".
نهاية فرص التفاوض


مع التحولات الأخيرة في مسار الثورة السورية الذي لم يستطع أن ينكره المؤيدون لنظام بشار الغاشم- علنا وسرا- والتطورات النوعية التي مارسها الجيش الحر، نجد أنصار الخطاب المراوغ يروجون لرهانات بقاء يملكها الأسد، أو يروجون لفزاعات ما بعد سقوطه، وتقديم النصائح والتوصيات التي تقوم على قبول الحوار، ودعوة الولايات المتحدة وحليفي الأسد الروسي والصيني، للتفاوض والحوار حول التقسيم حقنا من الدماء التي أراق سيلها بشار، وكان العامل والدافع الأول نحو عسكرتها الذي لا زال البعض- مثل تجمع روما وبعض نخب المعارضة- يرفضه، فبشار هو ما دفع الثورة للعنف المضاد وتسليح عناصرها حين أصر على استخدام جيشه ضد شعبه ولم يرحم براءة أطفال ولا نساء ولا المدنيين في عملياته ولا زال.

يلجأ المؤيدون ل بشار للترويج لشعاراتية غير إنسانية ومسيسة تؤكد على أن ما يحدث سقوط لسوريا وليس سقوط بشار الأسد، وهو النهج الذي سار فيه الكثير من المحللين الذين لم يجدوا في مسار يزيد عن العام والنصف من الشهداء والضحايات والتفجيرات والشبيحة، فيبدو الترويج لحل التقسيم الذي يروجه ولي نصر وغيره ويمثل الملاذ الأخير على ما يبدو ل بشار الأسد حيث يقول: " ينبغي أن يكون هدف للدبلوماسية التوصل لاتفاق لتقاسم السلطة، لما بعد الأسد، يمكن الجميع الاتفاق عليه، وأن ذلك، لا إلقاء مزيد من الضغوط، يمكن في النهاية أن يقنع السوريين الذين لا يزالون يؤيدون الأسد بالتخلي عن القتال" فيقول ولي نصر مثلا:" ثمة أسباب تدعو للأمل في أن تنضم روسيا وإيران إلى التفاوض فكلاهما ترغبان في استعادة مكانتهما التي أصابها الضرر في العالم العربي، ناهيك عن قلق إيران بشأن مصير مليون شيعي في سوريا، وبالنسبة للغرب فإن سقوط الأسد فإن سقوط الأسد دون خطة انتقالية سيكون انتصارا باهظ الثمن، وبداية لمزيد من إراقة الدماء" فضلا عن حلفاء هذا النظام في روسيا وإيران والعديد من الفصائل القومية والطائفية التي ارتبطت بهذا النظام وكانت جزءا من أوراق لعبته داخل دولها وفضاءاتها.

فبعد مبادرات عديدة لجامعة الدول العربية منذ بداية الثورة، ثم مبادرة كوفي عنان التي فشلت في وقف سيال الدم المستمر في سوريا، وشلل التدخل الخارجي وتطبيق الفصل السابع على نظام رماس جرائم ضد إنسانية ضد شعبه، بسبب الفيتو الروسي الصيني العائق لتفعيل الموقف الدولي المناصر للشعب السوري وإغاثته في ملاجئه على الحدود التركية أو الأردنية السورية أو غيرها.

ليس أغرب في اعتماد بعض ممثلي الخطاب المراوغ المستمر على نظرية المؤامرة في تفسير هذه الثورة بدءا من ولادتها حتى مخاضاتها ومراحلها الأخيرة، رغم أسبابها البنيوية ونشأتها المناطقية التي تمددت ببطء وانتقلت الهوينى من درعا إلى ريف حلب وريف دمشق ثم القامشلي حتى شملت مختلف الأنحاء السورية، وانضم لها ممثلون من مختلف الطوائف السورية بما فيهم الطائفة العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد.

من نافلة القول إذن لم يكن للعامل الدولي التأثير الكبير في مسارها، بفضل الفيتو الروسي- الصيني الذي أصر على استمرار حماية ودعم نظام بشار الأسد، فضلا عن حلفاء الأخير الإقليميين، ومن هنا يظل طرح المؤامرة الخارجية الغربية على نظام ارتدى ثوب الممانعة والمقاومة طويلا دون نضال وحيد من أجل تحرير الجولان المحتلة، وسبق في مايو عام 2011 أن صرح رامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد ورجل الأعمال المقربمن نظامه بأن "لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا" ومزيدا من الفزاعات لإسرائيل أكد مخلوف في هذا الحوار المنشور أن البديل بعد بشار هو السلفيين فرعا يصدره فقط للطوائف كما يصدره لإسرائيل المطمئنة بوجود بشار!

لم يعد هذا الخطاب المراوغ المؤيد ل بشار الأسد وحججه بعودة التفاوض واستقبال المراقبين، الذين لم يحمهم نظام الأسد، تنطلى على أحد خارج سوريا أو داخلها، فالمعركة في الداخل، ولم تعد ثمة خيارات ممكنة للنظام والثورة السورية إلا خيار الحرب حتى آخر نفس، عبر تعبئة القوى الاجتماعية واللعب على وتر الطائفية في المجتمع السوري، ومحاولة الاستنجاد بحلفائه الإقليميين في إيران والعراق، ومن هنا جاءت زيارة وليد المعلم المعلنة لكل من إيران وعراق المالكي- حسبما أذاعته بعض وسائل الإعلام- يوم 30 يوليو الماضي، والتي تحدث فيها عن حرب كونية تدار ضد سوريا ليتلبس الجلاد صورة الضحية والعكس !

بركان دمشق وزلزال يوليو


تؤشر تحولات شهر يوليو المنصرم، سواء من كم أو نوعية العمليات الأمنية، أو الأنشقاقات على حد سواء على أن النهاية بدت قريبة، ولم يعد أمام نظام الأسد الذي خسر دوائر مقربة منه وخسر سيطرته على معاقل سابقة له الكثير ليستمر كما لم يعد أمام الثورة الكثير لتنجح، وتحقق أهدافها بإسقاط هذا النظام.

خلال الأيام الماضية طور الجيش السوري الحر من عملياته تطويرا نوعيا واتجه إلى قلب ودك حصون النظام الأسدي وأجهزته السيادية والأمنية، فى عملية أطلق عيها "بركان دمشق"، ونجحت عناصره في تفجير مقر مبنى الأمن القومي السوري، في عملية نوعية ليلة 18 يوليو سنة 2012، والتي قتل فيه ثمانية من أبرز قيادات نظام بشار الأسد المتداعي، منهم وزيرا الدفاع والداخلية، وصهره آصف شوكت، ونائب وزير الدفاع، ورئيس خلية الأزمة.

وبدا مشهد الحرب بين جيش الثورة وجيش النخبة الحاكمة ماثلا في كل جنبات سوريا، رغم ما يعانيه الثاني من ارتفاع درجة ونوعية الانشقاقات في صفوفه، وفي صفوف النظام السوري بعموم، منحازة لشعبها وثورته المباركة وقاطعة مع نظام قابع فوق صدور البلاد لعقود، خلف فيه الابن آباه عام 2001 ووضع البعض عليه أملا في أن يصنع ربيع دمشق ولكنه لم يستطع أن ينتج غير المطالبة بإسقاطه ليكون ربيع سوريا قريبا، وغدا بركان دمشق وحلب وغيرها من محافظات الثورة مبشرة بمصير له يشبه مصير القذافي بعد معركة باب العزيزية.

كان شهر يوليو زلزالا يكاد يهدم أركان النظام السوري الأسدي على رأسه، أو دخل بنا إلى ساحة المعركة الفاصلة، ليس فقط عبر القضاء على عدد من أبرز أركان النظام السوري في عملية تفجير الأمن القومي، ولكن عبر سيل من الانشقاقات النوعية عن جيش النظام السوري المتداعي، ففي كانت أبرز الانشقاقات فى صفوف الجيش النظامى، وبعض الدوائر المقربة من الرئيس الأسد التي كان أبرزها مؤخرا انشقاق العميد مناف طلاس نجل وزير الدفاع السوري السابق عماد طلاس، وقائد اللواء 105 الذي يُعد من ألوية النخبة في الجيش السوري، وفراره إلى تركيا، والذي أعلن انشقاقه رسميا عبر قناة العربية في 25 يوليو الماضي، وكانت ردود الفعل العنيفة على انشقاقه من قبل مؤيدي الأسد دلالة قوية على خطورة هذا الانشقاق، الذي اعتبره العديد من المراقبين مؤشرا قويا على أن السنة قد بدأوا في التخلي عن النظام بعد سنوات من تقريبهم من قبل نظام الأسد الأب.

وفي 31 يوليو انشق العميد محمد أبوزيد رئيس المحكمة العسكرية في حلب، كما انشق العميد الطيار الركن طلال مطر، وفي 30 يوليو انشق النقيب سهيل طلاس، وكذلك العميد تركي قنيفدي معاون قائد الشرطة باللاذقية، وفي 28 يوليو انشق العميد علاء الدين الرجب وعقيد من الأمن الداخلي، وفي 27 يوليو انشق النائب السوري السابق محمد سعد العيسى والذي يعمل حاليا مستشارا في مجلس الشعب السوري، والذي أكد أنه يملك من الأدلة ما تدين النظام السوري الذي استخدم السيارات المفخخة وتفجيرها أمام مقار الأجهزة الأمنية.

وشهدت محافظة درعا- مهد الثورة- يوم 24 يوليو انشقاقا جماعيا ل 39 عسكريا بينهم 8 ضباط عن اللواء 52 التابع لقوات النظام والتحاقهم بالجيش السوري الحر، كما فر قبل ذلك بيوم العقيد الطيار ياسين أبوزيد إلى الأردن، كما اخترقت الانشقاقات الحرس الجمهوري السوري فانشق العقيد فريد طعمة يوم 22 يوليو منضما لمعسكر منشية العليان بمحافظة المفرق والذي يتواجد به نحو 700 عسكري سوري منشق! وفي يوم واحد هو يوم 18 يوليو انشق نائب قاعد عمليات المنطقة الجنوبية بدمشق العميد الركن زكي لولة، كما انشق 60 عسكريا في دير بعلبة ب حمص بعتادهم الكامل، كما انشق خمسون عنصرا آخر من قيادة القوات الخاصة في القابون، كما حدث انشقاق جماعي آخر في أم الصخر بمدنية القصير، كما سبق أن انشقت عناصر أخرى كانت مقربة من النظام الأسدي في السابق مثل العقيد طيار زياد طلاس يوم 17 يوليو والمقدم عبد المنعم فارس الحريري، الذي فر إلى الأردن مع عائلته أول يوليو، هذا فقط على سبيل المثال لا الحصر..

كما امتدت الانشقاقات نازعة شرعية النظام الأسدي لنخب غير عسكرية، كان في مقدمتها السفير السوري في العراق الذي أعلن انشقاقه عن النظام في 11 يوليو وغيره من سفراء النظام الأسدي الذي تمارس عليه قطيعة دولية في عدد من بلدان العالم والمنطقة العربية، بعد تآكل شرعيته.

ورغم أن سيطرة مناف طلاس على وحدته غير مؤكدة تماما، وانتمائه المؤكد للدوائر المقربة من بشار الأسد وأسرته، مع كونه أرفع قائد عسكري لوحدة قتالية يتخلى عن النظام، ويبرز موقفه هذا الضغوط المتصاعدة على الجيش السوري، لتتوالى بعدها الانشقاقات عن هذا النظام وإعلانه والانضمام للثورة، من قبل العديد من المسئولين والدبلوماسيين وغير العسكريين... مما يدل دلالة مؤكدة على فقدان هذا النظام الأسدي لشرعيته وترنحه وسقوط أركانه المتسارع الذي يشبه بدرجة ما مرحة ما قبل السقوط النهائي للقذافي قبل معركة باب العزيزية في 23 أغسطس سنة 2011 ما قبل طرابلس في مسار الثورة الليبية.

رأى بعض المحللين في انشقاق مناف طلاس وأسماء أخرى من عائلته احتمالات لقيام نظام سني في سوريا ، وهو ما نراه غير صحيح يصب فقط في استباق المرحلة الانتقالية بعد سقوط الأسد قبل سقوطه، فالتوافق بين مختلف القوى والطوائف في سوريا هو المجال الوحيد القادم، ومن المهم أن يوضع أساس الانتماء للوطن السوري والثورة قبل أي انتماء آخر في هذا السياق.

ويبدو إصرار نخب سورية عديدة ومتداخلة على عدم التفريط في إجماعها الثوري على إسقاط الأسد، والانحباس في أٍسر الطائفة، وقد رفض مسيحيو دمشق محاولة النظام تسليحهم لمواجهة الثوار الذين يتهمهم بالتطرف والتوجه الأصولي يوم 25 يوليو الماضي ..

ومن المهم الإشارة إلى أن الأسد وعائلته لا يملكون يملكون الطائفة العلوية، ثاني أكبر طائفة في سوريا بعد السنة، فقد انضم ضباط علويون للجيش السوري الحر، كما انضم قيادات علوية لاتجاهات المعارضة المختلفة، تماهيا مع الثورة والوطن السوري وليس مع النظام الجاثم فوق صدره لأربعة عقود، وقد أصدرت نخبة علوية كبيرة يوم 18 يناير الماضي بيانا للتضامن مع الثورة السورية، ويضم المجلس الوطني السوري وغيره من فصائل المعارضة ممثلين ناشطين لها.

كما انتمى العديد من رموز الدروز في منطقة السويداء الدرزية للثورة منذ بدايتها رافضين محاولات الاختراق التي مارسها النظام عبر اللبناني وئام وهاب في افتتاح فرع لحزبه حزب التوحيد العربي في السويداء، ودخل في خلافات مع الناشطة منتهى الأطرش التي تطاول عليها هذا اللبناني الموالي ل بشار الأسد، وردت عليه تنسيقية السويداء وشيوخ طائفة الدروز فيها .

معركة حلب الفاصلة


أكد بشار الأسد الأربعاء 1 أغسطس وكذلك عدد من قادته الأمنيين على أهمية معركة حلب، وحسب مؤسسة ستراتفورد في تقرير لها يوم 27 يوليو ذكر أن الجيش النظامي السوري سيهاجم مدينة حلب الشمالية في 27 أو 28 يوليو، وقد بدأ الثوّار بالتسلل إلى المدينة وبتعزيز إجراءاتهم الدفاعية. كما بدأت قوّات النظام بالإنتشار في ضواحي المدينة تتقدمها وحدات من القوات الخاصة، بينما اتخذت الدبابات وضعيات دفاعية بانتظار التعزيزات. وفي الحقيقة، باشر الجيش النظامي بالقصف المدفعي وبالغارات الجوية لإضعاف دفاعات الثوّار قبل الهجوم عليهم.

ويرى المحللون أنه حال تمكن الجيش النظامي ل بشار الأسد من استعادة السيطرة على حلب، سيبرهن النظام السوري مرة أخرى على أنه قادر على قمع الثوّار كلما سخّر الإمكانات اللازمة لذلك - كما فعل في دمشق مؤخراً. لكنّ النظام السوري سيتلقى ضربة قاسية إذا بسط الثوّار سيطرتهم على كامل مدينة حلب، علماً أنهم يعلنون حالياً السيطرة على نحو 50% منها – أو إذا استطاعوا أنْ يصدوا هجوم الجيش السوري النظامي . وقد تسعى المؤسسة العسكرية السورية إلى القضاء على الثوار في مدينة حلب وعدم تركها في أيدي الثوّار. لكنْ طالما ظلّ بعض الثوّار قادرين على الإنسحاب بسلام ومواصلة عملياتهم في ظل تآكل النظام السوري، سيتمكّن الثوار من تعويض خسارة حلب حتى في حال فقدان كامل السيطرة عليها، ولكنها تبقى معركة حلب وفق هذا التحليل دالة على مدى بقاء بشار الأسد وفاصلة في مسار الثورة في الآن نفسه.

في المرحلة الراهنة، يُقيم الثوّار حواجز مرور ومواقع دفاعية. ولدى الثوار حالياً بعض الآليات المدرّعة والمموّهة التي ينشرونها بالقرب من التقاطعات الحساسة. ومن الواضح أنّ الثوّار عازمون على التصدي لأيّ هجوم من جانب الجيش السوري النظامي، لكنّ هذا التصميم لا ينفي الحاجة إلى خطّه انسحاب يتم تطبيقها إذا مالت موازين المعركة لصالح الجيش النظامي. وهي استراتيجية إرباك وتشتيت لجيش بشار الأسد الذي يبدو أن يترهل وصارت ساحة المعركة التي اضطر لإعادة نشبر قواتته فيها أكثر من مرة وفي مناطق متباعدة، وهو ما أنهك الجنود ورفع فاتورة المحروقات وولّد صعوبات في مجال الصيانة، فضلاً عن فرص الوقوع في كمائن الثوّار، واضطر لسحب بعض وحداته القتالية من محافظة إدلب لتعزيز قدرته على اقتحام حلب الصامدة حتى الآن.

ويرى بعض المراقبين خلافاً للنظام السوري، أنه قد لا تمثّل السيطرة على حلب مسألة حيوية بالنسبة للثوار، إذ يستطيع الثوّار أن يتحمّلوا خسارة معركة حلب شريطة ألا يُطوقوا أو أنْ يتم القضاء عليهم. في ذات الوقت، يدرك الثوار مدى أهمية مدينة حلب. فمن خلال السيطرة التامة على هذه المدينة، سيتمكن الثوّار من إضعاف معنويات الجيش السوري وسيشجعون المزيد من جنوده ورتبائه على الإنشقاق عنه. وإذا تمكن الثوار من صدّ هجوم الجيش النظامي على حلب، سيكون لديهم فرصة حقيقية لحسم النزاع في سوريا لصالحهم، ويكون الانتصار قريبا على نظام يترنح ولثورة على ممثليها في الخارج والداخل ألا يستعجلوا ثمارها.