يحتفل شعب كوردستان هذه الأيام بذكرى انتفاضته في شهر آذار من العام 1991، وهذه الانتفاضة تعتبر من الملاحم البطولية التي شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء، والتي سطرها أبناء شعب كوردستان وعمدها بدماء الشهداء الأبرار وتضحياتهم، وبطولات البيشمركة من أجل بلوغ أسمى أهدافهم المتجسدة بتحقيق النصر على قوات النظام الديكتاتوري وتحرير اقليم كوردستان من رجس الحكم الشوفيني.
وإنطلقت الشرارة الأولى لهذه الملحمة في الخامس من آذار في العام 1991 من مدينة (رانيه) التابعة لمحافظة السليمانية.
وفي مثل هذه الأيام من كل عام يستذكر أبناء شعب كوردستان هذه الملحمة البطولية التي خاضها شعب كوردستان ضد أعتى نظام دكتاتوري فاشي مارس أبشع صور القمع والبطش بحق شعب كوردستان المسالم، وكان هذا النظام جاثماً على صدر هذا الشعب لأكثر من ثلاثة عقود. ففي الخامس من آذار من العام 1991 شهدت مدينة (رانيه) التابعة لمحافظة السليمانية إنطلاق الشرارة الأولى لانتفاضة شعب كوردستان الباسلة، وقد إتسعت مساحة الانتفاضة لتصل إلى مدينة السليمانية في السابع من آذار، لتنتفض هذه المدينة بالكامل، حيث استطاع أبناؤها من السيطرة الكاملة على الدوائر الأمنية والادارية فيها، وهروب منتسبيها من عناصر النظام المقبور بعد أن إنهارت أمام الضربات الموجعة التي لقنها لهم مقاتلوا الانتفاضة الشجعان، وبذلك تحررت مدينة السليمانية في الثامن من آذار/1991، فيما سطعت شمس الانتفاضة أكثر فأكثر لتصل إلى أربيل في 11/3/1991 واستطاعت أن تزيح الظلام الدامس الذي كان يخيم على هذه المدينة كسائر مدن اقليم كوردستان الأخرى.
ثم واصل أبناء الانتفاضة تقدمهم بخطى متسارعة على طريق النصر والتحرير الذي خضبوه بدمائهم الزكية الطاهرة ليحرروا مدن عدة، دهوك، كويه، شقلاوة، حلبجة، آميدي، مخمور، زاخو، آكري، دربنديخان، كلار، جوارتا، بنجوين، سيد صادق، وجميع أقضية ونواحي كوردستان، لينتهي بهم المطاف في مدينة كركوك التي حرروها في العشرين من آذار/1991، لينهوا بذلك المرحلة الأخيرة من هذا السفر البطولي الخالد الذي توج بالنصر المبين وتحققت فيه الأهداف السامية التي انطلقت من أجلها الانتفاضة.
ومن الثمرات السياسية التي جناها شعب كوردستان بعد نجاح هذه الملحمة البطولية تولي الجبهة الكوردستانية ادارة كوردستان، وتم فيما بعد في 19/5/1992، انتخاب برلمان كوردستان، وتشكيل الحكومة التي أخذت على عاتقها إدارة شؤون الاقليم، وكان من أولى اهتمامات الحكومة السعي لتحقيق مكاسب وأهداف شعب كوردستان الذي عانى لحقبة من الزمن من الظلم والقهر والبطش الذي كان يمارس ضده من قبل النظام الفاشي المباد.
أن التطور الذي تشهده محافظات اقليم كوردستان في جميع المجالات هو نتيجة حتمية لأهداف الانتفاضة وترجمة حقيقية لبرنامج عمل الحكومة وذلك من خلال تنفيذ عدد كبير من المشاريع المهمة والاستراتيجية، إضافة إلى إنجاز العديد من المشاريع المختلفة الأخرى التي شملت قطاعات الصناعة والزراعة والصحة والتربية والتعليم العالي والكهرباء والسياحة والمشاريع الخدمية والبنى التحتية.
وان إنجاز مثل هكذا مشاريع يعتبر نقطة تحول في المسيرة النهضوية لاقليم كوردستان وخطاً بيانياً متصاعداً في مجال البناء والاعمار، الذي يشهده الاقليم، إذ أصبح اقليم كوردستان نموذجاً للتطور بين دول المنطقة والعالم في شتى المجالات، مما جعل العديد من هذه الدول تسعى لإقامة علاقات متطورة مع الاقليم وفق أعلى المستويات وفي جميع المجالات، وقامت بعض الدول العربية والأجنبية بفتح سفارات وقنصليات لها في العاصمة أربيل ومحافظات الاقليم الاخرى، وهذا مايدعو للفخر حيث احتل اقليم كوردستان مكانة دبلوماسية متميزة على الصعيد الدولي.
قبل كل شيء ينبغي أن ننحني إجلالاً لشهداء الإنتفاضة كما نستذكر بتقدير جميع الشرائح والطبقات والأحزاب السياسية في كوردستان والجبهة الكوردستانية التي استطاعت في انتفاضة موحدة تحقيق أكبر إنتصار في تأريخ شعب كوردستان وخلقت إنعطافة جذرية في الحركة التحررية لشعبنا. والانتفاضة أثبتت أهمية وحدة صف شعب كوردستان التي لولاها لما تحققت هذه الإنعطافة الكبيرة، وان إنتصار الإنتفاضة لم يبق وحيداً بل تحققت إنجازات وإنتصارات أخرى منها إجراء أول إنتخابات برلمانية وإقرار الفيدرالية وتشكيل أول حكومة في إقليم كوردستان، كما ان إرادة الشعب الراسخة وأحزابها السياسية أفشلت جميع التهديدات والمخططات التي هددت مكاسب الإنتفاضة..
الاحتفال باستذكار اندلاع شرارة الانتفاضة في ربيع كوردستان يستوجب الوقوف ملياً، لاستنباط الدروس ونتائجها وترجمتها على أرض الواقع بما يخدم المصلحة العامة، الإنجازات والمكاسب التي تحققت في كوردستان هي من ثمرات الانتفاضة التي انطلقت من رانيه واصبحت معها بوابة الانتفاضة في عموم كوردستان، عندما أعلن شعب كوردستان اختياره التضحية في سبيل الانتصار.
انتفاضة شعب كوردستان جاءت بعد الانتفاضة التي شملت عموم العراق وكانت جميعها استفتاء شعبي لرفض الظلم والاضطهاد والأساليب القمعية التي استخدمها النظام البعثي البائد ضد الشعب، النظام لم يتوانى عن استخدام أعنف الأساليب لإخماد الانتفاضة وأن نجح في محافظات ولكن فشل في كوردستان، اقليم كوردستان بوضعه الحالي من ثمار الانتفاضة وتجربته من التجارب التي يقتدى بها ليس في العراق فقط بل في المنطقة، وكل كوردي فخور بما تحقق لأنه جاء بدعم ومساندة الجميع.
فألف تحية إلى أرواح شهداء انتفاضة العام 1991 وإلى أرواح جميع شهداء كردستان والعراق والذي ضحوا بانفسهم من أجل ترسيخ الحرية والديمقراطية لشعبهم، وتحية الى جميع الذي ساهموا في انجاح الانتفاضة وكل الذين عملوا على تحقيق أهدافها وحماية مكتسباتها.