العراق يودع المؤرخ الكبير حسين امين
عبدالجبار العتابي




اعلن في العاصمة الاردنية عمان عن وفاة المفكر والباحث التاريخي الدكتور حسين امين، الذي وافاه الاجل صباح يوم الاحد في مستشفى الخالدي بعد ان ساءت حالته الصحية بسبب الشيخوخة حيث يبلغ عمره 90 عاما، وبرحيل هذه الشخصية الفذة يكون العراق قد فقد واحدا من نجومه الزاهرات، وودع على البعد بدموع مدرارة، احد كباره الذين بذلوا الغالي والنفيس من اجل رفعته، وعلما من اعلامه الذين تركوا مآثرة خالدة.

ويعد الراحل ذاكرة حية لمدينة بغداد خاصة وللعراق عامة وصورة مميزة من صور الشخصية العراقية المفعمة بالعلم والصدق والاجتهاد، وقد كتب الكثير عن تفاصيل التاريخ التي بحثها بروح الاكاديمي المجتهد الذي ظل يواكب المسيرة على الرغم من كبر سنه، فكان، رحمه الله، حتى وقد حمل على عاتقه شيخوخة سنوات الثمانينات لم يخلد الى السكون، بل كان يواظب على ان يكون له رأي في الندوات التي تقام ويكون للتاريخ حضور فيها، وان يقدم عصارة تجربته الحياتية الى الاجيال المختلفة، وهو القائل : (العراق في جسدي، أنا لما اسمع هناك انفصال أو مفخخة أتأذى وأتألم، أنا في كل أوروبا وأمريكا لما أتحدث عن العراق عندهم معلومات، لما أحدثهم يقول لي أحدهم ياريتك تحكي لي عن ألف ليلة وليلة، حكيت له، والآخر يطلب كذا، فالعراق يحتاج إلى شباب وأساتذة يحبون العراق ويؤمنون بالعراق، العراق له مستقبل كبير، شعب قوي وذكي وإمكانيات مادية كثيرة، فأنا أعتقد للعراق مستقبل كبير وتبقى بغداد حاضرة العروبة فاتنة الدنيا حديث الناس في كل زمان ومكان )، وهو القائل عن العراق شعرا وان لم يكن شاعرا :

( أنا العراق تاريخه وتراثه / أدعو له بالآفاق وله مشتاق
إن العراق عزة وكرامة / رمز السلام وللخير سباق
نسيمه عذب، ماؤه عطر / أصيل شعبه مبدع خلاق
أتباهى بالعراق وأغني له / أنا العراق ويحيا العراق)


والدكتور حسين أمين.. هو أول رئيس للجمعية التاريخية العراقية 1969، وأول أمين عام لاتحاد المؤرخين العرب عام 1974، وهو أول عراقي يتولى رئاسة قسم الدراسات التاريخية في مركز البحوث و الدراسات العربية، جامعة الدول العربية في عام 1987م، و أول رئيس تحرير للمجلة التاريخية التي أنشئت عام 1969

ولد الدكتور حسين أمين في محلة الطوب ببغداد عام 1925م، دخل المدرسة المأمونية، ثم الاعدادية المركزية، و معهد اعداد المعلمين، سافر الى الاسكندرية المصرية للحصول على الدراسات العليا، فنال شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة الاسكندرية، بدأ الدكتور حسين أمين نشاطه العلمي في تلفزيون بغداد ببرنامج (الندوة الثقافية) الذي كان يعده ويقدمه في اواخر الخمسينيات، واشتهر وذاع صيته، وكان يقدمه مع الاساتذة الدكتور مصطفى جواد وسالم الآلوسي وفؤاد عباس والدكتور علي الوردي والدكتور صفاء خلوصي وجعفر الخليلي و غيرهم، حاضر في بعض الجامعات العربية كأستاذ زائر، كما قدم أحاديث تلفزيونية في أبي ظبي و الكويت و البحرين و قطر و تونس و القاهرة و المغرب و السودان.وهو عضو الجمعية التاريخية الدولية في باريس، ترأس تحرير المجلات التالية:(المجلة التاريخية، مجلة المؤرخ العربي )، و من مؤلفاته المنشورة:المدرسة المستنصرية، التاريخ الاسلامي، تاريخ العراق في العصر السلجوقي، تاريخ العرب، الامام الغزالي مدرس المدرسة، بغداد تاريخ و حضارة، بغداد منذ تأسيسها، جمهورية مهاباد الكردية/ترجمه من الانكليزية، نشرت بحوثه في الصحف العراقية والعربية، بلغ تعدادها 212بحثاً، و حضر 93مؤتمراً عراقياً و عربياً و دولياً، وحاضر في أكثر من 33 جامعة ونال عدة جوائز تقديرية وتم تكريمه من كثير من العلماء و الفضلاء.
وهو الذي قال البروفسور جيوفاني أومان /استاذ التاريخ في جامعة روما- ايطاليا ( مؤرخ ممتاز، و باحث جليل، يتصف بالعلمية و بالروح الموضوعية، انه شخصية محبوبة يمتاز بتواضع العلماء)، وقال عنه الاستاذ رؤوف عباس رئيس قسم التاريخ / جامعة القاهرة: (من ابرز مؤرخي القرنين العشرين و الحادي و العشرين، و على جانب من الاخلاق العالية، و يمتلك قدرة كبيرة على النقد العلمي و تحليل الاحداث التاريخية بروح علمية) ومن ارائه، قوله في التاريخ : أنا سميته سيد العلوم لأنه هو يبحث في كل العلوم، هو يؤرخ للطب ويؤرخ للفيزياء والرياضيات ويؤرخ للغة ويؤرخ للتجارة وكل شيء، لكن هل الفيزياء تؤرخ لشيء آخر؟ لذلك التاريخ هو جماعة لكل هذه المواضيع والعلوم لذلك أطلقت عليه أنه سيد العلوم، يعني حتى الحديث النبوي الشريف من يؤرخ له؟ هو التاريخ.. المفسرون للقرآن الكريم من يكتب عنهم ويؤرخ لهم؟ هو التاريخ، فالتاريخ يبحث في كل العلوم سواء كانت علوم إنسانية أو علوم عملية أكاديمية.. لذلك أنا بدون تحيز هو واقع حال أن التاريخ هو سيد العلوم. اما عن صفات المؤرخ، فقال : الصفة الأولى أن يكون مثقفا وجامعا للعديد من العلوم الإنسانية ولكن ليس بإدخال ولكن له معرفة بالفيزياء، له معرفة بالطب، بالرياضة، يعني برجالات الطب ومنجزاتهم، يعني ليس شرط أن يعرف الجراحة والتخصصات أو الفيسيولوجي، ولكن هو يعرف ما أنجزه علم الطب والأطباء، فيكون على ثقافة عامة، الصفة الثانية أنه يكون غير متحيز وغير متطرف، لا يعطي الأحكام جزافا، يعني أنا أدرس القضية والنص دراسة متأنية بتواصل، يوم ويومين، وبعد ذلك أعطي قراري، لكن ليس بقرار نهائي، أقول من الجائز أقول يمكن، يبدو أن هذا، يعني لا أعطي حل أو حكم جازم، المؤرخ اللي نحن نحتاجه ألا يخضع لسلطان.. وعن العراق الذي يعشقه، قال رحمه الله : أنا فخور بالعراق وأتباهى بالعراق لأن العراق هو الذي اخترع الكتابة وهو الذي عمل مدرسة في البلقاء، وهو أول من وضع الأنظمة والقوانين، يعني قبل حامورابي، وهو أول من اخترع العجلة محور الصناعة في العالم، الطيارة ما تطير إلا بالعجلة، الساعة ما تدور إلا بالعجلة.

رحم الله الكبير حسين امين،
الذي تزامن رحيله مع انطلاق فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية
التي نتمنى ان تقف له حدادا وتستذكره في ايامها
وهو الابن البار بها، وان يحتفى بذكراه بما يليق به.