راكيل عتيق - بيروت :

"هون السما قريبي بتسمعنا يا حبيبي..."

هل سمعت السماء الصراخ والصلوات؟ هل سمعت آهات الحب والعشق؟ كيف لا واله الحب تجسد بأجمل قالب ليعيد النبض للقلوب ليحتل النفوس ويتغلغل بالشرايين فيضخها جنون ، يضخها حياة.

من العراق ومن المناطق اللبنانية كافة، توجه جمهور القيصر كاظم الساهر إلى اهدن للمشاركة بأجمل ليالي اهدنيات ولربما أجمل ليالي مهرجانات لبنان والعالم العربي بالمطلق. ما همّ طول الدرب، ما همَّ السيرَ على الاقدام، ما همَّ المرور على نقاط التفتيش وما هم ترك الكاميرات خارجاً . فعند الوصول نبعُ ممتلئ بالانتظار، لا يبخل بروي الظامئين والمتعطشين لعذب الالحان. أما العيون فجاحظة ساهرة مسمّرة نحوه وحده فما الداعي لآلات التصوير.

ينتقد البعض اطلاق وتوزيع الالقاب على الفنانين ولربما هذا البعض على حق، انما في حالة القيصر فاللقب مجحفُ بحقّه. لا كمال إلا عند الله ولا مثالية مطلقة عند الانسان وكل جمالٍ نسبي. انما كاظم الساهر كفنان فهو كامل ومثالي. نعاني اليوم في عالمنا العربي من قلة الأصوات الجميلة الخارقة، وإن وجدت لا تكتمل ولا تتكامل مع أداء مماثل أو مع اختيارات صحيحة للأغاني. خرق الساهر هذه القاعدة منذ أزل بداياته الفنية ولأبدها على أمل أن يكون هذا الأبد بعيداً آلاف الأغنيات ومئات الاطلالات والمهرجانات.

الرقي كلمة تلازمه صوتاً، شكلاً وأداءً. يحترم جمهوره فيصل في الوقت المحدد ينتظر الناس للوصول ولملء المدرجات نظراً لبعد المنطقة عن بيروت وعن الساحل اللبناني، ويدخل. الترحاب وقوفاً، الوداع وقوفاً، الشكر وقوفاً، الصراخ والتعبير له والتمايل على ألحانه وقوفاً .لم يجلس جمهور كاظم ليلة السبت في التاسع من آب إلا لدقائق، نادراً ما تلمس هذا التفاعل الكبير بين الجمهور والفنان في أيامنا هذه حيث إما صوت الفنان يرافق سهرات مأكلنا ورقصنا، إما يغلب التصوير والأحاديث حب الاستماع للفنان خلال المهرجانات.

ولكنه أيضا في هذه الحالة كسر القاعدة، فكان الحب والشوق المغنطيس الذي لم يفصل لبرهة التواصل بينه وبين الجمهور. هل يغني بصوته ؟ أم بعينيه؟ يداه تتكلمان، جسده يتفاعل ويطلق العنان للتعبير بكل ما فيه فيفرز عطر أرضٍ لمسها المطر للمرة الأولى. وما أتعسك إن لم تلامسك يداه دون ان تلمسك، وما أعماك إن لم ترى في عينيه اللا حدود حيث يندمج المغيب بالفجر وحيث تتوحد البحار والسماوات بقدرة يد عاشقٍ عاشقٍ.

ويسأل "بردانين؟" ، "دفيانين" ؟ صوتك لا يدفئ، صوتك يشعل، كم من المشاعر ولدت نتيجة علاقة الحب بين كلمات نزار قباني وألحانك؟ كم فتاة وامرأة تمنين أن يكنَّ ليلي وان تكون مجنونهنَّ؟ كم شاب ورجل تأمل تفاصيل ثيابك، تفاصيل كلماتك، تفاصيل أدائك لعلَه يستطيع أن يغرف من عندك كي يستطيع أن يوازي رجولتك وأن يتلقف مشاعر حبيبته والحالة التي ستكون عليها بعد ان ترحل جسديا وتبقى آثار عطرك على ثيابها وتخيلات قبلات "ها حبيبي" مرسومة ومطبوعة بذهنا، لا بل محفورة، فقبلات الروح لا تمحى مثل قبلات الجسد.

يا اله الحب أتدري أنك أيضا ستكون شيطان التفرقة، ومسبب لنهاية علاقات لم تبدأ بعد ولتفكك علاقات لم تحصن أمام عواصفك الفتاكة؟ هل ستقبل النساء بعد الساعتين اللواتي قضينها بحضن عواطفك بأي كلمات؟ بأي غزلٍ؟ بأي دلعٍ؟

الفتوحات الكبرى قوتها بالمباغتة الاولى وبالهجوم-المفاجأة الأول، وكانت أول قنبلة مدمرة بـ "ها حبيبي" ، وبعدها توالت جميع أنواع القنابل، المتفجرة، الصوتية، والمسيلة للدموع.

في لبنان تعودنا على تحجج الفنانين دائما بمرض أو وضعٍ ما أثّر على أصواتهم، كما من النادر أن تتخطى او تصل وصلاتهم الغنائية لأكثر من ساعتين دون أي استراحة.

القيصر أطرب جمهوره بصوتٍ رصين لأكثر من ساعتين دون أي استراحة ولا حتى لدقائق، رغم قوله للجمهور : "اعذروني الليلة صوتي نص نص عالبرد"؟ أتمزح؟ أتتدلع؟ "كلك على بعضك حلو" وصوتك أكثر من النصفين بنصفين ومبهرُ وآسرُ بمراتٍ من التسجيلات الصوتية الغنائية .

في زمن قلة المطربين المبدعين، في زمن ندرة الأغاني القوية والصعبة المؤداة مباشرةً على المسرح، أطرب كاظم الساهر الجمهور بعدد كبير من أجمل أغانيه نذكر منها : ها حبيبي ،عيد وحب، غالية، قولي أحبك،عبرت الشط، بغداد في دمي، يا رايح للبنان، كلك على بعضك حلو، أحبيني، أكون أو لا أكون، يا مستبدة ، ليلى، مواويل عراقية، أحبك جدا، هل عندك شك.

حيدر أتى من بغداد خصيصاً لحضور حفل القيصر، وكذلك العديد من العراقيين . ظل يصرخ للساهر بتكرار "ليلى ليلى" ، فردد الجمهور وراءه "ليلى ليلى" ، مازحهم كاظم قائلاً : "ليلى بردانة دفيناها وغفيناها" . ومع ذلك وبكل احترام ورقي قدم لهم ليلى، وآه من صوته ينادي لليلى ويناجي ليلى ويعاتب ليلى.

استطاعت معجبة ان تتخطى رجال الأمن وتقترب من المسرح فاقترب منها كاظم وسلم عليها، ولم يهرع رجال الأمن ليخرجونها وليوسعوها ضرباً، ومن غير المفاجئ هذا التصرف المحترم من ملك الاحساس فهو كما في الحب وكما في الغناء في الانسانية أيضاً "يكون أو لا يكون".

وفي الختام توجه للجمهور شاكرأ : " أشكركم على ذوقكم الليلة وأشرك منظمي اهدانيات والفرقة الموسيقية ."

"عندي شك" بان يكون الختام ب"حافية القدمين" ، أي ختام؟ الرحلة عندها ابتدأت. مشاعرُ ولدت حينها ومشاعرُ انتهت حينها ومشاعرُ انوجدت من تلقاء نفسها حينها. وها هو صدى صوته يصدح في العقول ويعبّر عن المشاعر الحديثة الولادة مستنبطاً ومستقرئاً: "من أين أتيتِ وكيف أتيتِ وكيف عصفتي بوجداني"؟!









Bisara7a - Online Entertainement Magazine