وطن ابن الرومي وأوطاننا















مرزوق تنباك


لابن الرومي أبيات مشهورة من قصيدة واحدة، يتحدث فيها عن وطنه الذي لن يبيعه ولن يرى له مالكا غيره على مر الدهر وتعاقب الأزمنة، ويعدد الأسباب التي جعلت الرجل لا يفكر في التخلي عن هذا الوطن الغالي تحت أي ظروف تعترض مسيرة حياته، ومن يقرأ أبياته لن يخطر بباله ما عنى ابن الرومي بالوطن الذي لن يبيعه، لكن سيظن أن وطن ابن الرومي في قصيدته هو ما نعنيه اليوم في أدبياتنا المعاصرة بالوطن الكبير الذي يخص ملايين البشر ويجمعهم، ونسميه بالاصطلاح المعاصر الوطن الذي تقوم فيه الدولة والناس.

لكن ابن الرومي لم يعرف هذا المعنى ولم يرده وإنما أراد منزله الخاص الذي يسكنه ويؤوي إليه فأسبغ عليه مفهوم الوطن الذي نعرفه ونتحدث عنه ونتغنى بحبه ونعلمه الأجيال وننتمي إليه جميعا وقد أحسن أيما إحسان في قيمة الوطن وقدسيته ووجوب الحفاظ عليه.

في العصر الحديث جاء مصطلح الوطن العام بمعنى غير ما قصد ابن الرومي وغير ما أراد، وكعادة العرب رجعوا إلى التراث القديم يبحثون عن شيء اسمه الوطن ليروا كيف كان أسلافهم ينظرون إلى الوطن العام الشامل الذي لا يخص أحدا منهم عن غيره، ولم يجدوا غير أبيات ابن الرومي فطاروا بها فرحا واتخذوها نموذجا وتحدثوا عن الوطن والوطنية والمواطنة، وجعلوا هذا الشاهد الحي الذي يتكئون عليه في ترسيخ الحب والولاء وغرس هذه المفاهيم في نفوس الشباب ليكون الانتماء للوطن الواسع الممتد والدولة وليس للوطن (المنزل) بهذا الحب ويؤصلون ذلك تاريخا وممارسة وهم على حق في كل حال.

تعشق ابن الرومي لوطنه ليس ترفا عاطفيا كما يتعشق المغتربون المعاصرون أوطانهم الأولى ويتمنون أن يعودوا إليها ويعيشوا فيها حتى ولو أسعدهم الحظ في أوطان غيرها، ولكنه تحد واجهه حين دفعته الحاجة وأرغمته الظروف على أن يفكر في بيع منزله فتضخم المنزل عنده واتسع وامتدت جنباته ليصير بالنسبة له بحجم الوطن عندنا، وخيال الشاعر كان خصبا بما فيه الكفاية ليجسده فيصبح كافيا ليعني الوطن في اللغة المعاصرة وفي مفهوم الدولة القطرية التي لم يعد المسكن الخاص هو ما يجب أن يتغزل به الإنسان ويتغنى بقيمته ويعلي من شأنه.

في الوقت الحاضر حل الوطن محل المنزل وأصبح المنزل جزءا من الوطن وهو المعنى الشامل، وقد أصاب الشاعر المبدع حين حول وظيفة البيت الصغير إلى المعنى الذي يتسع ويتمدد على مساحة كبيرة يستطيع الإنسان العيش فيها مطمئنا، إذا لم يجد مسكنا خاصا له في هذا الحيز، فابن الرومي يقسم ألا يبيع وطنه مهما كانت الحاجة، ومهما أحاطت به المصائب حتى ولو قسا عليه كل من حوله وأقربهم جاره وأهل حيه، والجميل في رأي ابن الرومي أنه لا يعلل تمسكه بوطنه لأنه يريد أن يعيش بقية حياته في مسكن يؤويه ويحفه بالأمن والاستقرار، لكن التمسك بالوطن يعود إلى أمر ماض وليس مستقبلا كما هي الحاجة للوطن، ذلك الماضي هو الذكريات الجميلة التي قضاها في ربوعه العزيزة عليه (المنزل) وارتباطها في وجوده، وبأن حياته بدون تأمل الذكريات وتشكلها في الوطن الجميل لا معنى لها، فكان الماضي والشباب ومآربه وذكرياته والحنين الطاغي إليه رغم التنغيص الذي يلقاه من كل من حوله من جيران وإخوان وأصدقاء حبب كل ذلك إليه، وليس هو وحده الذي يحب وطنه ويعشقه ولكن كل رجل كريم وكل إنسان شهم لوطنه مكانة في نفسه تحببه إليه.

سبق ابن الرومي الناس إلى معنى الوطن الذي يتغنون به اليوم ويزعمون محبته والحياة فيه مهما كانت البدائل عنه مغرية فأخذت أبياته ملامح الوطن الكبير الذي ينشد حبه الناس ويزعمون التفاني في خدمته.

وفي النهاية فإن ابن الرومي ملك بيتا جعله أيقونة الوفاء وخلع عليه كل صفات الوطن وتغنى به، وأما الناس اليوم فيتغنون بالوطن الذي عناه ابن الرومي والذي يحلم الشباب خاصة به وهو المنزل لكل منهم حتى يحبوه كما أحبه بن الرومي وتغزل به، ومع أنه لا تعارض بين أن يحب المرء وطنه الخاص ووطنه الكبير الذي يشاركه فيه الآخرون فإن الشباب يملكون الوطن الواسع ويريدون أن يكون لهم وطن صغير يخص كلا منهم يحتمون بأفيائه ويعيشون فيه ويعيش فيه أولادهم ويتغنون بالوطنين، العام والخاص ويحبونهما كما أحب الشاعر وطنه.